تقرير اقتصادي: حكومة الصلاحيات الاستثنائية… الأداء الاقتصادي دون المستوى



مع نهاية الشهر الماضي أتمت الحكومة الكويتية الحالية، التي شُكّلت في مايو 2024، أكثر من عامين من عمرها، كإحدى أطول الحكومات المستقرة زمنياً منذ سنوات طويلة، بعد حلّ مجلس الأمة قبل تشكيلها بأسابيع.

ولعل هذا الاستقرار في الفريق الحكومي، إذا ما نظرنا إليه من زاوية الصلاحيات الواسعة، التشريعية والتنفيذية الممنوحة له استثنائياً، يلقي على مجلس الوزراء أعباء كبيرة في مسألة حلحلة العديد من القوانين والقضايا والمشاريع الاقتصادية والمالية والخدمية التي كانت الحكومات المتعاقبة تشكو من تعطيلها على يد السلطة التشريعية لسنوات وعقود.

أين التشريعات؟

فرغم الأوضاع المريحة للعمل الحكومي بلا ضغوط رقابية، فإن مجلس الوزراء لم يُصدر برنامج عمله خلال عامين من تشكيله، بل لم يتبنّ أياً من المشاريع الاقتصادية المعطلة بدعوى القيود التشريعية، مثل قانون إنشاء المنطقة الاقتصادية الشمالية، أو تطوير الجزر الكويتية، أو التمويل العقاري للسكن الخاص أو تعديلات قوانين هيئة الصناعة، وجهاز حماية المنافسة، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، أو البديل الاستراتيجي، أو الصكوك الحكومية، أو قانون التسوية الوقائية وإعادة الهيكلة والإفلاس، أو إصلاح نظام التأمينات الاجتماعية أو الوظائف القيادية، أو حتى مشاريع لطالما اعتبرتها السلطة التنفيذية محلّ خلاف وصدام مع البرلمان، مثل ضريبتَي القيمة المضافة والانتقائية.

فمجلس الوزراء، على الصعيد الاقتصادي، لم يصدر من تشريعات سوى 3 قوانين جديدة، هي قانون التمويل والسيولة (الدَّين العام)، وقانون ضريبة الكيانات المتعددة الجنسيات، وقانون التجارة الإلكترونية، والأول غير واضحة أوجه صرف أمواله إن كانت على مشاريع تنموية أم لسداد عجوزات سنوات، والثاني يمثّل التزاماً دولياً من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إن لم تحصّلها الدولة فستحصلها دول أخرى، تعمل فيها فروع الشركات الكويتية خارجياً، أما الثالث فرغم أهميته  فإن لائحته التنفيذية لم تصدر منذ إقراره قبل نحو 6 أشهر.

الإنفاق من الاحتياطي العام للدولة يتطلب نظرة اقتصادية تتوخى بناء التنبؤات المتصاعدة ورسم السيناريوهات الصعبة

حتى القرارات!

كذلك الأمر نفسه ينطبق على السياسات التي لا تتطلب تشريعات جديدة، إنما قرارات إدارية، مثل عمليات دمج الهيئات الحكومية المتشابهة، أو تأسيس شركة للصناعات التحويلية المتقدمة، أو تنفيذ مشاريع المطور العقاري وتوضيح آلياته، أو تأسيس الشركات الإسكانية، أو إصلاح أوضاع الخطوط الجوية الكويتية، أو طرح الاكتتابات العامة التي كان آخرها عام 2019، بل حتى مشاريع البنية التحتية كمطار الكويت الدولي وميناء مبارك، حسب البيانات الحكومية الصادرة عن الأمانة العامة للتخطيط والتنمية عن الفترة المنتهية في 30 يونيو من العام الماضي «آخر تقرير منشور» تبيّن أن نسب الإنجاز عن عامه السابق كان 0.6 في المئة لمشروع المطار، وصفر في المئة لمشروع الميناء، مع الأخذ بعين الاعتبار أن نسبة إنجاز مجمل مرتكزات رؤية 2035 هي 2.25 في المئة، بل حتى أبسط الأعمال مثل إصلاح الطرق التي أعلن عن قيمتها بحدود 400 مليون دينار مضت نصف مدة تنفيذ العقود دون حتى بيان لنسب الإنجاز أو مراحل التنفيذ.

اللافت أيضا في قياس الأداء الحكومي لعام 2025 أن نتائج أدائها على صعيد المؤشرات الاقتصادية جاء أيضا دون مستوى صلاحياتها الواسعة، إذ حصلت الكويت على الترتيب الأخير خليجيا حسب تقرير مجموعة تشاندلر للحوكمة الذي يغطي جودة الأداء الحكومي في 133 دولة، بعدما سجلت تأخرا بـ 6 من أصل 7 مؤشرات، مقارنة ببقية دول مجلس التعاون، وكذلك تراجع الاستثمار الأجنبي الداخل الى الكويت عام 2025 بـ 33 بالمئة، ليبلغ 126.4 مليون دينار، وهو المعدل الأدنى خليجيا.

خلال 2025 سجلت الكويت أدنى مستويات «الحوكمة» وتراجعت في «الاستثمار الأجنبي»

وزراء وإجراءات

وحتى في أوضاع الحرب الإقليمية الحالية، نجد أن الحكومة، التي طُعّمت قبل أسابيع من اندلاعها بمجموعة وزراء للملف الاقتصادي، من خلال انضمام وزيرين جديدين للاستثمار والتنمية، إلى جانب وزراء المالية والتجارة والنفط، لم تُصدر أي خطة اقتصادية لمواجهة تداعيات الحرب والظروف الجيوسياسية البالغة الحساسية وإغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد أو الأعمال أو المالية العامة، خصوصاً مع دخول الكويت، منذ الأسبوع الأول وفقاً لمؤسسة البترول الكويتية، حالة القوة القاهرة التي تحدّ من القدرة على تصدير النفط، فإنه لا خطة حكومية للتعامل مع التداعيات.

فالإجراء الوحيد الملموس اقتصادياً تمثّل في بعض السياسات الوقائية التي اتخذها بنك الكويت المركزي لتخفيف أعباء تداعيات الحرب الإقليمية على أصحاب الأعمال، من خلال حزمة تحفيزية للبنوك المحلية تتعلق بمرونة التعليمات الرقابية وأدوات السياسة التحوطية، إلى جانب السماح للبنوك بتأجيل أقساط أصحاب الأعمال المتضررين من الحرب، أما غير ذلك من سياسات تتعلق بمجمل بيئة الأعمال أو المالية العامة أو تحديات الاقتصاد بشكل عام، فلم تصدر مطلقاً.

تنبؤات وسيناريوهات

فعندما يشير وزير المالية إلى أن تمويل الميزانية العامة للدولة في ظل الظروف الصعبة للحرب الإقليمية مُتاح من الاحتياطي العام للدولة، بما فيه أموال الدَّين العام البالغة 6.3 مليارات دينار، فهذا ربما يكون مفهوماً في ظل أوضاع استثنائية وبالغة الحساسية، لكن يجب ألّا يتم بعقلية مالية أو محاسبية، بل بنظرة اقتصادية تتوخى بناء التنبؤات المتصاعدة ورسم السيناريوهات الصعبة إلى الأكثر صعوبة، وهو أمر لا يتوقف عند تحديد أولويات الإنفاق على المشاريع والمناقصات، التي يمكن تأجيلها أو الحد من الهدر، خصوصاً في مصروفات القياديين، وغيرها من المصروفات غير الضرورية، كالرحلات والمؤتمرات والعديد من الاستشارات  إنما ايضا أهمية تحفيز بيئة الأعمال وخلق الفرص في السوق كي تتكون لدى الإدارة العامة مرونة في التعامل مع التطورات التي لا تزال ماثلة في الإقليم حتى اليوم.

حتى السياسات التي لا تتطلب تشريعات جديدة بل قرارات إدارية لا تزال بطيئة وغير ملموسة

اجتماعات الرئيس

ومن المهم الإشارة إلى أن الاجتماعات شبه الأسبوعية التي عقدها رئيس مجلس الوزراء سمو الشيخ أحمد العبدالله، والتي تجاوز عددها 50 اجتماعاً، وناقشت قضايا الشراكة مع الصين والخدمات العامة والملفات المالية والاقتصادية هي اجتماعات لها وجاهة وأهمية، إلّا أنها في مقابل ما تتناوله من قضايا وملفات ومناقشات لا تجد طريقها إلى اجتماعات مجلس الوزراء الأسبوعية، وهي مسألة ربما تستدعي خلق آلية من الأمانة العامة لمجلس الوزراء تحوّل اللقاءات الاقتصادية إلى جدول أعمال الحكومة أسبوعياً، كي تصبح سياسة عامة وإجراءات نافذة، وليست فقط لقاءات غير مجدية.

قياس لا تصيّد

الحديث عن الأداء الاقتصادي للحكومة، مقارنة بصلاحياتها الواسعة والاستثنائية بعد عامين من حل البرلمان، ليس تصيُّداً أو موقفاً مسبقاً أو حتى دعوة لإقرار تشريعات وسياسات غير مدروسة أو ملائمة، إنما قياس لكفاءة فريق وزاري متاح أمامه اتخاذ كل الإجراءات الخاصة بإصلاح الاختلالات الجوهرية في الاقتصاد الكويتي، خصوصاً المتعلقة بسوق العمل والمالية العامة والناتج المحلي، أو على الأقل التعامل باحترافية مع التحديات المستجدة في المنطقة، لكن الأرقام الرسمية والإجراءات المعلنة لا تدعم ذلك، مع الأسف.

قوانين اقتصادية مُعلّقة رغم الصلاحيات الحكومية الاستثنائية 

• المنطقة الاقتصادية الشمالية

• تطوير الجزر الكويتية

• التمويل العقاري للسكن الخاص 

• تعديلات قوانين الصناعة وحماية المنافسة والمشروعات الصغيرة

• البديل الاستراتيجي 

• الصكوك الحكومية 

• التسوية الوقائية والإفلاس

• إصلاح نظام التأمينات الاجتماعية 

• مشاريع لطالما اعتبرتها الحكومة محلّ خلاف مع البرلمان، مثل ضريبتَي القيمة المضافة والانتقائية.

• الوظائف القيادية

قرارات لا تحتاج إلى تشريع ومع ذلك لم تصدر أو بطيئة التنفيذ

• دمج الهيئات الحكومية المتشابهة

• تأسيس شركة للصناعات التحويلية المتقدمة

• تنفيذ مشاريع المطور العقاري وتوضيح آلياته 

• إصلاح أوضاع الخطوط الجوية الكويتية 

• تأسيس الشركات الإسكانية

• تأخُّر طرح الاكتتابات العامة

• بطء تنفيذ مشاريع البنية التحتية

• تدني معدلات الاستثمار الأجنبي الى البلاد

• تراجع مؤشرات جودة الأداء الحكومي والحوكمة

• ضبابية التعامل مع مسائل بسيطة كإصلاح الطرق

• غياب التنبؤات والسياسات الاقتصادية خلال الحرب

• ضعف محفزات لبيئة الأعمال والفرص في السوق



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *