ألقى إصدار مجلس الوزراء الحساب الختامي للسنة المالية 2025 – 2026 بعجز فعلي بلغ 7.14 مليارات دينار يُغطى من الاحتياطي العام للدولة الضوء على واقع الدَّين العام الذي من المرجح أن يكون قد مثّل معظم مصادر تمويل «الاحتياطي» منذ إقرار القانون رقم 60 لسنة 2025 بشأن التمويل والسيولة (الدين العام).
فبينما تظهر بيانات الحساب الختامي أن العجز الفعلي ارتفع خلال سنة مالية واحدة بواقع 576 في المئة مقارنة بالعجز الفعلي في ميزانية
2024 – 2025 وقيمته 1.05 مليار دينار، فمن الجدير الإشارة إلى أن رصيد الدين العام قد نما بواقع 670 في المئة، ليصل إلى 9.6 مليارات دينار مقارنة بما كان عليه في تاريخ 31-3-2025، إذ بلغ حينها 1.42 مليار دينار فقط.
ولعله من المفيد هنا أن نلفت الانتباه إلى أن تعاظم العجز المالي وتنامي الاقتراض (الدين العام) لا يعكسان ظروف الحرب الإقليمية التي اندلعت في 28 فبراير الماضي، أي أنها تمثل لعجز الميزانية آثار شهر مارس فقط، آخر شهر في السنة المالية، بمقدار فاقد مبيعات نفطية – حسب متوسط الأشهر السابقة – بحدود 1.25 مليار دينار، أما الدين السيادي فقط ارتفع بشكل كبير أيضاً قبل الحرب حسب إعلان وزارة المالية، التي بينت أنها منذ إقرار القانون حتى تاريخ 12 يناير 2026 اقترضت 6.63 مليارات دينار، ليصل الرصيد القائم إلى 8.05 مليارات دينار، وبعد ذلك أضافت إصدارات دين جديدة كان آخرها بتاريخ 24-6-2026 بقيمة إجمالية تبلغ 1.55 مليار، ليصل إجمالي رصيد الدين العام القائم إلى 9.6 مليارات.

وينقسم رصيد الدين العام إلى قسمين: محلي ودولي، الأول يتولى بنك الكويت المركزي إصداره وتبلغ قيمته 3.8 مليارات دينار، والثاني تتولاه الهيئة العامة للاستثمار وتبلغ قيمته 5.8 مليارات.
ثمة مقترحات تقلل مخاطر الاقتراض لكن العبرة بوجود خطة اقتصادية تحوّل كل دينار إلى منافع وخدمات ووظائف وفرص
لماذا الربط؟
وربط العجز الفعلي في الميزانية بالحديث عن الدين العام ينطلق من أن أمواله هي الممول الأساسي للاحتياطي العام الذي سوف يغطي العجز المعلن حسب بيان مجلس الوزراء أمس الأول، فبالتالي لا بُد من التعمق في مسألة كفاءة إنفاقه وضرورة توجيهه نحو منافع وخدمات اقتصادية، وليس لتمويل مصروفات جارية دون عوائد اقتصادية، كالرواتب والدعوم وحتى المناقصات والمشاريع، خصوصاً أن العجز المالي وتنامي الاقتراض يعبران عن فترات في معظمها لا ترتبط بالحرب الإقليمية وتداعياتها الاقتصادية، فضلاً عن الأمنية والسياسية، وبالتالي نحن أمام حالة تعكس إنفاقاً غير سليم للأموال المتأتية من الاقتراض.
قيمة وأغراض
فتصاعد نهم الاقتراض عقب صدور القانون رقم 60 لسنة 2025 الذي سمح للحكومة بالاقتراض بحد أقصى 30 مليار دينار، أو ما يعادله بالعملات الأجنبية وإصدار أدوات تمويلية بآجال استحقاق تمتد حتى 50 سنة، وهو تصاعد لافت شكل حتى يناير الماضي 26.8 في المئة من السقف المتاح للاقتراض حتى قبل اندلاع الحرب الإقليمية بالمنطقة في نهاية فبراير الماضي، وما رافقها من اعتداءات إيرانية على المنشآت والمواقع الكويتية والخليجية، فضلاً عن توقُّف تصدير النفط الذي أثر سلباً على تدفقات النقد لدى دول المنطقة، وعلى رأسها الكويت.
أما خلال الحرب الإقليمية فقد صعد إجمالي الاقتراض إلى 9.6 مليارات دينار، بما يعادل 32 في المئة من السقف المحدد للدين العام.
غياب التقارير الحكومية يرفع مخاوف توجيه إنفاق أموال الدَّين العام نحو مصروفات بلا عائد اقتصادي
توسُّع وضرورة
وتعكس هذه الأرقام سياسة مالية متوسعة في الاعتماد على الدين العام حتى بلغ خُمس قيمة الناتج المحلي الإجمالي، وتتصاعد مخاطره عندما يوجّه إنفاقه لسداد المصروفات الاعتيادية في الميزانية من رواتب ودعوم ومناقصات وليس لتمويل مشاريع إصلاح اقتصادية ومالية وخدمية، خصوصاً مع غياب المعلومات التي كانت الحكومة تصدرها وتسهّل معرفة أوجه الإنفاق، كتوقُّف الأمانة العامة للتخطيط والتنمية عن إصدار تقارير المتابعة الفصلية للخطة التنموية مع توقّف وزارة المالية عن إصدار تقارير المتابعة الشهرية لحسابات الإدارة المالية للدولة لإيرادات ومصروفات الموازنة العامة.

منافع وخدمات
ثمّة كثير من الحديث عن تصاعد أو تضاعف قيمة إصدارات الدين العام، وكيفية تقليل مخاطره مثلاً عبر الاقتراض من المؤسسات الحكومية ذات الطبيعة الاستثمارية، كالهيئة العامة للاستثمار أو التأمينات الاجتماعية أو مؤسسة البترول على الاقل لتغطية عجوزات الميزانية، على أن تكون أموال الاقتراض من البنوك المحلية والدولية موجهة لتمويل مشاريع تنموية حقيقية تمنح الاقتصاد منافع وخدمات، أو العمل على تنقية أوجه الهدر في الميزانية التي لا تنحصر فقط بالرواتب والدعوم التي تناهز 81 في المئة من المصروفات، إنما أيضاً بالمناقصات والمشاريع بحيث نرفع من كفاءة الإنفاق الاستثماري أو وضع سقف سنوي للاستدانة وغيرها من الأفكار والمقترحات الجزئية.
الهدر في الميزانية لا ينحصر فقط بالرواتب والدعوم التي تناهز 81٪ من المصروفات إنما أيضاً بالمناقصات والمشاريع
مقبولة ومعقولة
إلا أن الأصل والمبدأ والأساس هو وضع خطة اقتصادية شاملة ومعلنة لتحويل كل دينار في خزينة الدولة، سواء كانت مصادره نفطية أو غير نفطية أو دين عام، أو غير ذلك إلى منافع وخدمات ووظائف وفرص، بحيث تقاس من خلالها فصلياً وسنوياً نتائج الإنفاق على معالجة اختلالات الاقتصاد كسوق العمل وهيكل الإيرادات والتركيبة السكانية وتنمية وتنويع الناتج المحلي الإجمالي، وهذه خيارات متاحة وليست مستحيلة، خصوصاً في ظل المستويات المقبولة من أسعار النفط التي لا تزال تمنحنا فرصاً مريحة نسبياً لاتخاذ إصلاحات بتكلفة معقولة.
العلة والمخاوف
فالدين العام أو «السيادي» ليس علة أو خطأ بحد ذاته، هو من يقود اقتصادات الولايات المتحدة واليابان والعديد من الدول الأوروبية، وهو أيضاً من دمّر أو ضغط على دول مثل لبنان والأرجنتين وسريلانكا عندما استخدمت أمواله في غير محلها، فلا يقاس الاقتراض بقيمته فقط، إنما بكفاءة إدارته والانعكاس الذي ينتجه على الاقتصاد، وهو ما على الإدارة العامة للكويت التنبه إليه، خصوصاً أن واقع أسواق النفط في العالم وفق المعطيات الحالية يشير إلى أن الأسعار في أفضل أحوالها ستكون في مستويات بعيدة عن سعر التعادل في ميزانية الكويت البالغ 90.5 دولاراً للبرميل، بالتالي قد لا يكون متاحاً في كل سنة تغطية العجز المالي من أموال الاستدانة الممولة للاحتياطي العام.
الدين العام
محلي: 3.8 مليارات دينار
دولي: 5.8 مليارات
