
أكد عدد من خبراء النفط أن سوق النفط العالمي يشهد تحولاً هيكلياً في آلية التسعير، ولكن تظل أساسيات العرض والطلب الإطار الاقتصادي للسوق، إذ أصبحت موثوقية الإمدادات وسلامة سلاسل النقل والتوزيع جزءاً أساسياً من قيمة البرميل، لافتين إلى أن هذا التحول يأتي في وقت تتراجع المخزونات التجارية وبعض الاحتياطيات الاستراتيجية، بينما تتركز معظم الطاقة الإنتاجية الفائضة لدى عدد محدود من المنتجين، في ظل اعتماد متزايد على ممرات بحرية حيوية مثل مضيقي هرمز وباب المندب.
وأضافوا في تحقيق لـ «الجريدة» أن الأسواق لم تعد تنتظر تعطل الإمدادات حتى تعيد تسعير النفط، بل أصبح ارتفاع احتمال تعطلها كافياً لزيادة علاوة المخاطر وتنطلق هذه الدراسة من فرضية رئيسية مفادها أن سوق النفط لم يتخلَّ عن أساسياته الاقتصادية، بل أعاد ترتيب أولوياتها، فلم يعد السؤال: كم ينتج العالم من النفط؟ بل: إلى أي مدى يستطيع ضمان استمرار تدفقه في أوقات الأزمات؟
وأشاروا إلى أن أسعار النفط ارتبطت تاريخياً بأربعة متغيرات رئيسية: الطلب العالمي، والإنتاج، والمخزونات، والطاقة الإنتاجية الفائضة، بينما كانت المخاطر الجيوسياسية تُعامل غالباً كعامل مؤقت يضيف علاوة سعرية سرعان ما تتلاشى.
وذكروا أن معادلة التسعير حالياً اتسعت لتشمل قدرة النفط على الوصول إلى الأسواق، لا إنتاجه فقط، فأمن الممرات البحرية، وكفاءة النقل، وتكاليف الشحن والتأمين، أصبحت عوامل اقتصادية تؤثر في الأسعار بقدر تأثير مستويات الإنتاج، حيث جاء هذا التحول مع انخفاض المخزونات، وتراجع بعض الاحتياطيات الاستراتيجية، وتمركز الطاقة الإنتاجية الفائضة لدى عدد محدود من المنتجين، مما جعل استمرارية التدفقات البحرية عنصراً أساسياً في استقرار السوق، لافتين، في الوقت نفسه، إلى أن توقف إمدادات النفط الخليجية يوجّه الأسعار إلى مستويات قياسية… وفيما يلي التفاصيل.
تذبذب وعدم استقرار
بداية، قال المحلل والخبير النفطي كامل الحرمي إن أسواق النفط العالمية تشهد في هذه الفترة حالة من التذبذب وعدم الاستقرار، رغم الجهود الدولية الرامية إلى تهدئة التوترات السياسية والعسكرية التي تؤثر بصورة مباشرة في حركة أسعار الخام، وأصبح من الصعب، في ظل الظروف الراهنة، التنبؤ بسعر مستقر لبرميل النفط، إذ تتأرجح الأسعار بصورة حادة تبعاً لتطورات الأوضاع الأمنية والسياسية.
كامل الحرمي:
• إيجاد بدائل حقيقية لنفط الخليج يظل خياراً صعباً ومكلفاً ويحتاج إلى سنوات طويلة
• الأزمات الجيوسياسية ستظل عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاه الأسعار
وأضاف الحرمي أن سعر البرميل هبط في فترات سابقة إلى ما دون 70 دولاراً، قبل أن يقفز سريعاً إلى مستويات بلغت 88 و93 ثم تجاوز 104 دولارات للبرميل، نتيجة الهجمات التي استهدفت منشآت نفطية في منطقة الخليج العربي، وتصاعد المخاوف من اندلاع مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وما قد يترتب على ذلك من اضطراب أو توقف كامل لإمدادات النفط الآتية من الخليج، الذي يمثل أحد أهم مصادر الطاقة في العالم.
وأشار إلى أنه رغم هذه التطورات، لم ترتفع الأسعار بالمعدل الحاد الذي كان يتوقعه كثير من المحللين، إلا أنها بقيت شديدة التقلب، الأمر الذي يجعل من الصعب تحديد مستوى سعري مستقر للنفط قبل التوصل إلى حل سياسي ينهي الأزمة بين واشنطن وطهران، مؤكدا انه على الرغم من جولات التفاوض المتقطعة، ما زالت الأسواق تترقب اتفاقاً أو تفاهماً يخفف من حدة التوتر ويعيد الثقة إلى أسواق الطاقة.
وذكر انه في المقابل، بدأ المستهلك الأميركي يشعر بتداعيات ارتفاع أسعار النفط، من خلال الزيادة الملحوظة في أسعار البنزين، خصوصا خلال موسم ارتفاع معدلات استخدام السيارات للذهاب في العطلات الصيفية، وهو ما يشكّل ضغطاً اقتصادياً وسياسياً على الإدارة الأميركية، موضحا انه من النتائج المباشرة لهذه الأزمة أيضاً تراجع مستويات المخزون النفطي الاستراتيجي والتجاري في الولايات المتحدة، بعد أن اتجهت واشنطن إلى زيادة صادراتها من النفط الخام إلى أوروبا لتعويض جزء من النقص الناتج عن اضطراب الإمدادات الآتية من الخليج العربي، ومن شأن هذا التوجه أن يؤدي إلى انخفاض إضافي في احتياطيات النفط الاستراتيجية الأميركية.
وأكد أن هذا التطور لا يحمل أخباراً مطمئنة لأسواق الطاقة العالمية، إذ إن استخدام المخزون النفطي الاستراتيجي لأغراض تجارية أو لتزويد أطراف خارجية يطرح تساؤلات حول الهدف الأساسي من إنشاء هذه الاحتياطيات، التي وجدت أساساً لمواجهة الأزمات والطوارئ الوطنية، مضيفا أن هذا النهج قد يشجع دولاً أخرى على توظيف مخزوناتها الاستراتيجية لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية، بدلاً من الاقتصار على دورها التقليدي كوسيلة لحماية أمن الطاقة.
وأضاف: في المقابل قد يسهم هذا التحول في زيادة الطلب العالمي على النفط، ليس فقط لتلبية الاستهلاك، وإنما أيضاً لتعزيز الاحتياطات الاستراتيجية وتوسيع القدرات التخزينية، وقد يتجه العديد من الدول إلى استغلال فترات انخفاض الأسعار لشراء كميات كبيرة من النفط وتخزينها، سواء لضمان أمنها الطاقوي أو للاستفادة منها لاحقاً في الأنشطة التجارية.
ولفت الى أن من أبرز المستفيدين من هذه المتغيرات روسيا، التي نجحت في الحفاظ على مكانتها كأحد أهم مورّدي النفط عالمياً، واستطاعت بيع نفطها بأسعار مرتفعة نسبياً، مع فتح أسواق جديدة وزيادة صادراتها، كما وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى قبول استمرار الهند في استيراد النفط الروسي بكميات كبيرة، في ظل حاجة الأسواق إلى تنويع مصادر الإمدادات، ومع انضمام روسيا إلى تحالف «أوبك +» تبدو فرص تحول كبار المستوردين بعيداً عن النفط الروسي محدودة في المستقبل القريب.
واختتم الحرمي بقوله انه في ضوء هذه المعطيات، لا يبدو أن أسواق النفط مقبلة على مرحلة من الاستقرار الدائم، فالأزمات الجيوسياسية ستظل عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاه الأسعار، مؤكدا ان المخاوف المرتبطة بإمكانية إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل حركة الملاحة فيه، أو فرض قيود ورسوم على مرور ناقلات النفط والسفن التجارية، تبقى من أبرز مصادر القلق التي تهدد أمن الطاقة العالمي، كما أن إيجاد بدائل حقيقية لنفط الخليج يظل خياراً صعباً ومكلفاً ويحتاج إلى سنوات طويلة.
تحوُّل هيكلي
من جانبه، قال الباحث في الشؤون النفطية والاقتصادية، طارق الوزان، إن سوق النفط العالمي يشهد تحولاً هيكلياً في آلية التسعير، فبينما تظل أساسيات العرض والطلب الإطار الاقتصادي للسوق، أصبحت موثوقية الإمدادات وسلامة سلاسل النقل والتوزيع جزءاً أساسياً من قيمة البرميل، حيث يأتي هذا التحول في وقت تتراجع فيه المخزونات التجارية وبعض الاحتياطيات الاستراتيجية، بينما تتركز معظم الطاقة الإنتاجية الفائضة لدى عدد محدود من المنتجين، في ظل اعتماد متزايد على ممرات بحرية حيوية مثل مضيقي هرمز وباب المندب.
طارق الوزان:
• مستقبل سوق النفط تحدده قدرة منظومة الإمدادات العالمية على الحفاظ على التدفقات في مختلف الظروف
• أسعار النفط ترتبط تاريخياً بمتغيرات الطلب العالمي والإنتاج والمخزونات والطاقة الإنتاجية الفائضة
وأضاف الوزان: لذلك لم تعد الأسواق تنتظر تعطل الإمدادات حتى تعيد تسعير النفط، بل أصبح ارتفاع احتمال تعطلها كافياً لزيادة علاوة المخاطر، وتنطلق هذه الدراسة من فرضية رئيسية مفادها أن سوق النفط لم يتخلَّ عن أساسياته الاقتصادية، بل أعاد ترتيب أولوياتها، فلم يعد السؤال: كم ينتج العالم من النفط؟ بل: إلى أي مدى يستطيع ضمان استمرار تدفقه في أوقات الأزمات؟
وأوضح أن أسعار النفط ارتبطت تاريخياً بأربعة متغيرات رئيسية: الطلب العالمي، والإنتاج، والمخزونات، والطاقة الإنتاجية الفائضة، بينما كانت المخاطر الجيوسياسية تُعامل غالباً كعامل مؤقت يضيف علاوة سعرية سرعان ما تتلاشى.
وذكر أنه حاليا فقد اتسعت معادلة التسعير لتشمل قدرة النفط على الوصول إلى الأسواق، لا إنتاجه فقط، فأمن الممرات البحرية، وكفاءة النقل، وتكاليف الشحن والتأمين، أصبحت عوامل اقتصادية تؤثر في الأسعار بقدر تأثير مستويات الإنتاج، حيث جاء هذا التحول مع انخفاض المخزونات، وتراجع بعض الاحتياطيات الاستراتيجية، وتمركز الطاقة الإنتاجية الفائضة لدى عدد محدود من المنتجين، مما جعل استمرارية التدفقات البحرية عنصراً أساسياً في استقرار السوق، ولذلك لم تعد وفرة الإنتاج وحدها كافية لطمأنة الأسواق، بل أصبحت قيمة البرميل ترتبط بقدرته على الوصول إلى المستهلك بكفاءة ومن دون انقطاع أو تكاليف استثنائية، ومن ثم باتت حركة الناقلات وأسعار التأمين وهوامش التكرير ومستويات المخزون مؤشرات استباقية لاتجاه الأسعار، لأن السوق أصبح يقيّم كفاءة منظومة الإمدادات بأكملها لا حجم الإنتاج وحده.
أزمة الممرات
وقال الوزان: لم تعد الجغرافيا السياسية عاملاً طارئاً في سوق النفط، بل أصبحت جزءاً من بنيته الهيكلية، فالتوترات الإقليمية واضطرابات الممرات البحرية، والعقوبات الاقتصادية، والتنافس بين القوى الكبرى، رفعت مستوى المخاطر، وجعلت الأسعار أكثر حساسية لسلامة التدفقات من كثير من بيانات الإنتاج الشهرية، وفي هذا السياق، قد يسهم أي اتفاق سياسي، بما في ذلك تفاهم أميركي – إيراني، في خفض علاوة المخاطر إذا تم تعزيز أمن الملاحة واستقرار الصادرات، لكنه لن يعيد السوق إلى ما كان عليه، لأن المخاطر أصبحت عنصراً دائماً في معادلة التسعير، لا ظرفاً مؤقتاً.
وتابع: لذلك، لم يعد السؤال الذي يطرحه المستثمرون هل ستقع أزمة؟ بل هل يمتلك النظام النفطي العالمي القدرة على احتوائها؟ لافتا الى أن الإجابة تتحدد في 4 عناصر رئيسية، أولا مستويات المخزون، وثانيا الطاقة الإنتاجية الفائضة، وثالثا مرونة سلاسل الإمداد، ورابعا أمن الممرات البحرية.
وبيّن أنه كلما ضعفت إحدى هذه الركائز، ارتفعت علاوة المخاطر حتى في ظل استقرار الإنتاج، مضيفا: من هنا يبرز السؤال المحوري للدراسة إذا تعرضت منطقة الخليج لاضطراب واسع، فهل يستطيع النظام النفطي العالمي الحفاظ على تدفق الإمدادات واستقرار الأسواق؟
وقال: إنه رغم تجاوز الإنتاج العالمي 104 ملايين برميل يومياً، لم يعد استقرار السوق يقاس بحجم الإنتاج وحده، بل بقدرة منظومة الإمدادات على مواصلة التدفقات تحت الضغط، فالتحدي لم يعد ندرة الموارد، وإنما تراجع هامش الأمان مع انخفاض المخزونات التجارية وتراجع الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأميركي إلى أدنى مستوياته منذ عام 1983، وفي المقابل تمثّل الطاقة الإنتاجية الفائضة لدى «أوبك +» صمام الأمان الرئيس للسوق، إلا أن قيمتها الاقتصادية لا تقاس بحجمها فقط، بل بقدرتها على الوصول إلى الأسواق في الوقت المناسب، حيث إن تعطل الممرات البحرية أو سلاسل النقل قد يؤخر الاستفادة منها عندما تكون الحاجة إليها في ذروتها.
وأضاف أن هذا التحدي يزداد مع عبور نحو 20 في المئة من تجارة النفط البحرية العالمية عبر مضيق هرمز، في حين يشكل باب المندب والبحر الأحمر ممراً رئيسياً يربط صادرات الخليج بالأسواق الأوروبية. لذلك، لا تقتصر آثار الاضطرابات على تأخير الشحنات، بل تمتد إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، واتساع فروقات الأسعار، والضغط على المصافي، بما يسرّع انتقال علاوة المخاطر إلى الأسواق.
وذكر أنه يمكن تلخيص قدرة السوق على احتواء الأزمات في 3 مراحل متتابعة، تبدأ بامتصاص الصدمة عبر السحب من المخزونات والاستفادة من الطاقة الإنتاجية الفائضة، ثم تنتقل إلى مرحلة ترتفع فيها تكاليف النقل والتأمين وتتراجع مرونة سلاسل الإمداد، قبل أن تصل، مشيرا الى انه إذا استمرت الاضطرابات، فسنصل إلى مرحلة يصبح فيها ارتفاع الأسعار الأداة الرئيسة لإعادة التوازن من خلال كبح الطلب، وليس زيادة العرض وحدها، وعليه لم يعد معيار الصمود الحقيقي حجم الإنتاج العالمي، بل قدرة المنظومة بأكملها على إنتاج النفط ونقله وتأمينه وتكريره وتسليمه دون انقطاع، ولهذا تراقب الأسواق اليوم المخزونات، وحركة الناقلات، وهوامش التكرير، وأقساط التأمين، بالقدر نفسه الذي تتابع فيه الإنتاج والطلب.
وأوضح أنه في ظل التداخل المتزايد بين الاقتصاد والجغرافيا السياسية، لم يعد من الممكن بناء توقُّع واحد لمسار السوق، بل أصبحت السيناريوهات الأداة الأكثر واقعية لتقييم المخاطر ودعم القرار.
واستعرض الوزان عدة سيناريوهات للوضع الحالي كالتالي:
* السيناريو الأساسي… استقرار حذر (الأكثر ترجيحاً)
يفترض هذا السيناريو استمرار التوترات الإقليمية دون تحولها إلى اضطرابات واسعة في الإمدادات، مع استمرار سياسة «أوبك+» الداعمة لاستقرار السوق، واستمرار نمو الطلب العالمي بوتيرة معتدلة.
وفي هذه الحالة، تبقى الأسعار مدعومة بعلاوة مخاطر محدودة، بينما تستمر المخزونات، والطلب العالمي، والسياسة الإنتاجية، في توجيه حركة السوق.
* السيناريو الثاني… انفراج جيوسياسي
يفترض نجاح المساعي الدبلوماسية في خفض التوترات وتعزيز أمن الملاحة البحرية، بما يسمح بإعادة بناء المخزونات وانخفاض تكاليف الشحن والتأمين.
وسيؤدي ذلك إلى تراجع تدريجي في علاوة المخاطر، دون اختفائها بالكامل، بعدما أصبحت الأسواق أكثر حساسية للمخاطر الجيوسياسية نتيجة الأزمات المتكررة خلال السنوات الأخيرة.
* السيناريو الثالث… تصعيد إقليمي واسع
يفترض هذا السيناريو اضطرابات تؤثر بصورة مباشرة في أحد الممرات البحرية الحيوية أو في تدفقات الصادرات، من دون توقف كامل للإمدادات.
وعندئذٍ ترتفع تكاليف النقل والتأمين، وتتراجع مرونة سلاسل الإمداد، بينما تصبح المنتجات النفطية أكثر تأثراً من النفط الخام نتيجة الضغوط على المصافي والخدمات اللوجستية.
* السيناريو الرابع… صدمة استراتيجية
وهو أقل السيناريوهات احتمالاً، لكنه الأعلى تأثيراً. ويفترض تعطل جزء كبير من تدفقات النفط فترة ممتدة، بما يتجاوز قدرة المخزونات والطاقة الإنتاجية الفائضة على احتواء الصدمة.
وعندئذ، تتحول الأسعار إلى أداة لإعادة التوازن عبر خفض الطلب العالمي، بعدما تصبح زيادة العرض وحدها غير كافية لاستعادة استقرار السوق.
وتقود هذه السيناريوهات إلى استنتاج واحد: مستقبل سوق النفط لن تحدده كمية النفط المنتجة وحدها، بل قدرة منظومة الإمدادات العالمية على الحفاظ على تدفقها في مختلف الظروف.
واستنتج الوزان من ذلك أن التحول الأهم في سوق النفط لم يكن في حجم الإنتاج أو الاحتياطيات، بل في انتقال معيار أمن الطاقة من أمن الإنتاج إلى أمن التدفقات. فلم تعد الأسواق تسعّر كميات النفط المنتجة فحسب، بل تقيّم قدرة منظومة الإمدادات على إيصالها إلى المستهلك بكفاءة واستمرارية، حتى في أوقات الأزمات، وأدى انخفاض المخزونات، وتمركز معظم الطاقة الإنتاجية الفائضة لدى عدد محدود من المنتجين، والاعتماد المتزايد على الممرات البحرية الحيوية، إلى جعل موثوقية الإمدادات جزءاً أساسياً من آلية التسعير، ونتيجة لذلك أصبحت علاوة المخاطر تنتقل إلى الأسعار مع ارتفاع احتمال تعطل التدفقات، لا بعد وقوع التعطل فعلياً.
مرونة الإمدادات
وخلص الوزان الى ان الدراسة تقود إلى خمس نتائج رئيسية:
* أولاً: أصبح أمن الطاقة يقاس بمرونة منظومة الإمدادات أكثر من حجم الإنتاج وحده.
* ثانياً: تمنح المخزونات الأسواق وقتاً لامتصاص الصدمات، لكنها لا تعوض نقص الإمدادات إذا طال أمده.
ثالثاً: تعتمد القيمة الاقتصادية للطاقة الإنتاجية الفائضة على قدرتها على الوصول إلى الأسواق في الوقت المناسب.
رابعاً: أصبح الاستثمار في البنية اللوجستية وسلاسل الإمداد جزءاً من استراتيجية استقرار السوق، وليس مجرد توسع في البنية التحتية.
* خامساً: ستظل الجغرافيا السياسية عنصراً دائماً في تسعير النفط ما دامت الممرات البحرية تمثل شريان التجارة العالمية.
وبذلك، لم يعد السؤال الذي يواجه أسواق الطاقة «هل يمتلك العالم ما يكفي من النفط؟» بل أصبح السؤال الأكثر أهمية:
هل يستطيع العالم ضمان استمرار تدفقه عندما يكون في أمسّ الحاجة إليه؟ وربما تمثل هذه النقلة من أمن الإنتاج إلى أمن التدفقات أهم تحول في آلية تسعير سوق النفط منذ نشأة السوق النفطية الحديثة.
صعوبة التنبؤ
بدوره، أكد مدير تسويق النفط والغاز بوزارة الطاقة والمعادن في سلطنة عمان، علي الريامي، صعوبة التنبؤ بأسعار النفط، لافتا الى أنه من الواضح أن التنبؤ بأسعار النفط أصبح أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، لأن التذبذب الحالي لا يرتبط فقط بعوامل العرض والطلب التقليدية، بل يتأثر مباشرةً بالتصعيد العسكري في الخليج والتهديدات بإغلاق الممرات البحرية الحيوية.
علي الريامي:
• أسعار النفط ستظل رهينة للتطورات السياسية والأمنية مادامت الممرات البحرية الأساسية بين مناطق النزاع
• الأسواق باتت تتحرك وفق الأخبار العاجلة أكثر من المؤشرات الاقتصادية ما يجعل التوقعات قصيرة الأمد عرضة للتقلبات المفاجئة
وأضاف الريامي أن الأسواق باتت تتحرك وفق الأخبار العاجلة أكثر من المؤشرات الاقتصادية، مما يجعل أي توقع قصير الأمد عرضة للتقلبات المفاجئة، حيث إنه في مثل هذه الظروف تتحول الأسعار إلى انعكاس مباشر لحالة عدم اليقين السياسي والأمني.
وبين أنه إذا تم التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، فقد يفتح نافذة لتهدئة التوترات الإقليمية ويعيد جزءاً من الثقة إلى أسواق الطاقة، لأن الاتفاق قد يعني عودة جزء من النفط الإيراني إلى السوق العالمي، وتخفيف المخاطر الجيوسياسية التي تضغط على الأسعار، ولكن من المهم الإشارة إلى أن الثقة لن تُستعاد بالكامل ما دامت الممرات البحرية مثل «هرمز» و«باب المندب» مهددة بالإغلاق أو الهجمات.
ثلث الإمدادات
وذكر أنه في حال حدوث توقف كامل لإمدادات النفط من الخليج، فإن العالم سيواجه اضطراباً غير مسبوق، لافتا الى ان الخليج يصدّر نحو ثلث إمدادات النفط العالمية، وأي انقطاع شامل سيؤدي إلى:
* قفزات سعرية قد تتجاوز مستويات تاريخية.
* اضطراب في سلاسل التوريد الصناعية، خصوصاً في آسيا وأوروبا.
* ارتفاع تكلفة النقل والشحن البحري نتيجة المخاطر الأمنية.
* تسارع البحث عن بدائل مثل المخزون الاستراتيجي أو الطاقة المتجددة، لكن هذه حلول لا تكفي لتعويض الفجوة الفورية.
وذكر أن أسعار النفط ستظل رهينة للتطورات السياسية والأمنية مادامت الممرات البحرية الأساسية تمر عبر مناطق نزاع، مشيرا الى ان النفط ليس مجرد سلعة اقتصادية، بل إنه أداة جيوسياسية، لذلك، أي توتر في الخليج أو البحر الأحمر ينعكس فوراً على الأسعار.
وأوضح الريامي أن تنويع مصادر الطاقة العالمية قد يخفّف من هذا الارتباط على المدى الطويل، لكن في المستقبل المنظور سيبقى النفط رهينة للأحداث العسكرية والدبلوماسية.
