
بينما أكد وزير التجارة والصناعة، أسامة بودي، أن صدور اللائحة الجديدة لتنظيم قطاع المنصات والتطبيقات الإلكترونية الوسيطة لعرض المنتجات وطلبها وتوصيلها للمستهلكين يشكّل نقلة نوعية في تنظيم التجارة الإلكترونية بدولة الكويت، رأت مصادر متابعة أن القرار خلط بين مختلف القطاعات الاستهلاكية في السوق من حيث توحيد هوامش التوصيل مع اختلاف سلعها.
وذكرت مصادر لـ «الجريدة» أن المطاعم ومحالّ الورد ومتاجر العطور والهدايا لا تعمل بهوامش متشابهة، ولا بمتوسط طلب واحد، ولا بنسبة تلف أو فترات شراء موسمية واحدة، لذلك، فإن النسبة المتساوية لا تُحدث أثراً متساوياً، فقد يكون قطاع ما كثيف العمالة والهدر، بينما يتمتع قطاع آخر بفارق أكبر بين التكلفة المباشرة وسعر البيع.
وطرحت المصادر تساؤلاً: هل أُجريت دراسة قطاعية منفصلة للمطاعم والورد والعطور والهدايا وغيرها؟ وهل جرى احتساب متوسط قيمة الطلب، والهدر، والموسمية، وتكلفة اكتساب العميل في كل قطاع؟ أم أن رقماً واحداً طُبّق على سوق متعدد النماذج؟ المساواة الرقمية في النسبة لا تعني العدالة الاقتصادية في الأثر.
وقال بودي إن اللائحة قامت على معادلة واحدة: التوازن بين مصالح المستهلك وأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة والمنصات الإلكترونية، بما يرسّخ بيئة استثمارية مستقرة واضحة المعالم.
وأضاف أن الوزارة تدرك عمق الدور الذي تؤديه المنصات الإلكترونية الوسيطة في دعم الاقتصاد الرقمي، وتوليد فرص العمل، وتيسير وصول المنتجات والخدمات إلى المستهلكين، مؤكداً أن اللائحة لا تستهدف كبح نمو هذا القطاع ولا الانتقاص من جاذبيته الاستثمارية، وإنما تنظيمه بقواعد واضحة عادلة يعلم فيها كل طرف حقوقه والتزاماته سلفاً.
وأضاف: «لسنا ضد المنصات الإلكترونية، بل نعدّها شريكاً أصيلاً في التنمية الاقتصادية، ونجاحها يعنينا، بقدر ما يعنينا نجاح صاحب المشروع، وحصول المستهلك على سلعة بسعر عادل وخدمة يطمئن إليها. وهذه اللائحة ترسي علاقة واضحة تنصف جميع الأطراف».
وبيّن الوزير أن «المشروعات الصغيرة والمتوسطة ركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد الوطني، وأن روّاد الأعمال يعتمدون على المنصات الإلكترونية للوصول إلى عملائهم، غير أن ارتفاع بعض التكاليف التجارية خلال السنوات الماضية قد ينعكس على أسعار المنتجات والخدمات، ومن ثم جاءت اللائحة لتضع إطاراً تنظيمياً متوازناً يرسي العدالة، ويفسح لهذه المشروعات مجالاً أوسع للنمو والتوسع».
وأضاف: «حين يجد صاحب المشروع بيئة عمل أكثر عدالة ووضوحاً، يشعر بالثقة في الإقدام على الاستثمار وتطوير مشروعه، والارتقاء بجودة خدماته، وطرح أسعار أكثر تنافسية، وثمرة ذلك كله تصبّ في مصلحة المستهلك الذي سيجد أمامه تنوّعاً في الخيارات، وجودة في الخدمات، واستقرارا في الأسعار».
وأكد أن اللائحة نظمت العلاقة التعاقدية بين المنصات والعملاء على أسس واضحة، فوضعت ضوابط محددة للعمولة ورسم التوصيل، وألزمت المنصات بالإفصاح للمستهلك عن الإعلانات والعروض المدفوعة حتى يكون قراره الشرائي قائماً على بينة ومعرفة سابقة، كل ذلك دون مساس بقدرة المنصات على الاستمرار والنمو وتطوير خدماتها.
وأشار إلى أن وضوح الإطار التنظيمي مكسب لأي قطاع اقتصادي، فهو ما يمنح المستثمرين الثقة والاستقرار، مستشهداً بأن التجارب الدولية أثبتت أن الأسواق الأكثر تنظيماً هي الأكثر جذباً للاستثمار، لقيامها على العدالة وتكافؤ الفرص، وأضاف: «أن المنافسة الحقيقية تتحقق بجودة الخدمة والابتكار وكفاءة التشغيل، لا بأعباء تثقل أصحاب المشروعات ويدفع ثمنها المستهلك في النهاية».
وشدد على أن باب الحوار سيبقى مفتوحاً مع الأطراف المعنية كافة خلال مرحلة تطبيق اللائحة، وأن الوزارة ستصغي إلى كل ملاحظة أو مقترح يسهم في حسن تطبيقها، مؤكداً أن نجاح المنصات ونجاح المشروعات الصغيرة والمتوسطة ليسا هدفين متعارضين، بل هما معاً عماد اقتصاد رقمي قوي ومستدام.
بودي: باب الحوار سيبقى مفتوحاً مع كل الأطراف المعنية خلال مرحلة تطبيق اللائحة
واختتم الوزير تصريحه قائلاً: «هذه اللائحة لم تعد لمصلحة طرف على حساب طرف آخر، إنما لتحقيق المصلحة العامة، فالمستهلك يستحق سعراً عادلاً وخدمة متميزة، وصاحب المشروع يستحق بيئة منصفة تمكّنه من النمو، والمنصات تستحق إطاراً واضحاً يضمن استدامة أعمالها، وهذه معادلة متى تحققت كان الرابح الأكبر هو الاقتصاد الكويتي كله».
من ناحيتها، قالت مصادر إنه على الرغم من الأهداف الواضحة وانعكاسها الإيجابي على المستهلك، فإن بعض الآثار التشغيلية والاقتصادية قد تطرأ مع تطبيق القرار خاصة على شركات التوصيل الوسيطة ومزودي خدمة التوصيل المتعاملة مع تلك التطبيقات، يمكن إيجازها في تحديات سقف سعر التوصيل.
ولفتت المصادر، لـ «الجريدة»، إلى وجود 2000 شركة توصيل مسجلة في الكويت منها 900 شركة فاعلة، مبينة أن تحديد سعر التوصيل بدينار واحد فقط يطرح تحديات اقتصادية كبيرة مع منصات وتطبيقات وسيطة لعرض المنتجات وتوصيلها للمستهلكين مع شركات التوصيل في حال قامت الأولى بتغيير نمط العمل، خاصة عند النظر إلى المسافات الطويلة.
وأضافت أن اللائحة لم تفرق بين الطلبات العادية والطلبات التي تتطلب جهداً أكبر، مثل الاستلام من عدة مواقع لتسليم واحد أو الطلبات كبيرة الحجم، خاصة مثل وجبات لعدد كبير من الأشخاص أو الحاجات المنزلية الشهرية والتي قد تتطلب أكثر من مركبة.
وتخوفت المصادر من تغيير الاتفاقيات بين المنصات والتطبيقات الوسيطة لعرض المنتجات وشركات التوصيل ومزودي الخدمة لها، حيث إن الكلفة لو تم عليها تغيير وتم الإخلال في الرسوم فإن شركات التوصيل قد تلجأ إلى خفض عدد أسطولها، خاصة أنها تعتمد على هامش الربح التشغيلي وبالتالي تكبدها خسائر.
هامش الربح لمزودي الخدمة يصبح ضئيلاً مع سقف الدينار ينذر بخفض المنافسة بالسوق
وأشارت إلى أن تكلفة التوصيل الواحدة تقريباً 850 فلساً لمسافة لا تتجاوز 20 كم، وتقدم فيه شركات التوصيل سائقين ومركبات للمنصات بمبالغ تتراوح بين 950 و1.350 دينار للطلب الواحد، فإن هامش الربح لمزودي الخدمة يصبح ضئيلاً جداً مع سقف الدينار.
وتخوفت المصادر من التأثير على المشروعات الصغيرة والمتوسطة لشركات التوصيل مستقبلاً في سوق يتطلب رأسمالاً كبيراً وخفض قيمة التوصيل إلى تهديد بقاء المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تعمل كمزودي خدمة توصيل وأن هذه الشركات تواجه ضغوطاً كبيرة بالفعل للحفاظ على استمراريتها.
مخاوف على بقاء المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تعمل كمزودي خدمة توصيل في ظل مصاعب السوق
وشرحت أن العلاقة بين المنصات ومزودي الخدمة أن تلك المنصات والتطبيقات لا تملك مركبات أو سائقين نهائياً، وتعتمد كلياً على مزودي خدمة التوصيل لتشغيل عملياتها، واللائحة، رغم إنصافها للمطاعم، قد تفرض ضغوطاً هائلة على مزودي الخدمة الأساسيين الذين يتحملون التكاليف التشغيلية الأكبر.
تفاوت في الكلفة بين القطاعات
قالت مصادر لـ «الجريدة» إن هناك فروقات بين قطاع المطاعم وقطاع توصيل الورد مثلاً خصوصاً أن الخدمات اللوجستية تختلف بين القطاعين أو أية قطاع آخر على سبيل المثال لاسيما أن الأخيرة تحتاج إلى سيارات مبردة وتجهيزات ونقل، متسائلة: هل تمت مراعاة تلك الفروقات.
وشرحت لـ«الجريدة» أن أكثر الافتراضات شيوعاً في النقاش العام هو أن كل نسبة تحصل عليها المنصة تمثل ربحاً مباشراً، لكن العمولة في الواقع إيراد تشغيلي تموّل منه المنصة تطوير التطبيق، والخوادم، والأمن السيبراني، وخدمة العملاء، والتسويات والاستردادات، ورسوم مزودي الدفع، والرواتب والإيجارات، ثم بنداً بالغ الأهمية مثل التسويق واكتساب العملاء.
ووفق تقديرات تشغيلية متداولة في السوق الكويتي، تبدأ تكلفة اكتساب العميل الجديد من نحو ثلاثة دولارات، وقد ترتفع إلى أربعة أو 5 أو 6 دولارات، بل تتجاوز ثلاثة دنانير في بعض المواسم، تبعاً للمنافسة في مزادات الإعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي وهذه التكلفة تُدفع قبل أن ينفذ العميل أول عملية شراء، وقد لا تستردها المنصة إلا بعد تكرار الطلب.
كما تشير تقديرات تشغيلية إلى أن بعض المنصات قد تتحمل تكاليف مباشرة وتشغيلية تتراوح بين 7 و13% من قيمة المعاملة، بحسب الإنفاق التسويقي، ورسوم الدفع، وطبيعة التشغيل، وذلك قبل احتساب تكلفة التمويل أو القروض إن وجدت.
وهذه الأرقام ليست إحصاءات رسمية لكنها كافية لفتح سؤال مشروع: إذا كان سقف 10% يقترب من التكلفة أو يقل عنها في بعض النماذج، فما الذي يتبقى للاستثمار والمخاطر والعائد على رأس المال؟
وتساءلت مصادر في أحدى المنصات أنه كم تأخذ المنصة؟ بل: كم يتبقى لها بعد أن تدفع تكلفة جلب العميل وإتمام المعاملة؟
وإذا خُفضت إيرادات المنصة بصورة حادة، فلن يكون من السهل تخفيض العقود التقنية أو الإيجارات أو الرواتب فوراً، بينما يسهل خفض ميزانيات التسويق والخصومات واكتساب العملاء.
وعندها قد يحصل صاحب المتجر على نسبة أعلى من كل طلب، لكنه يحصل على عدد أقل من الطلبات، لذلك لا تكفي مقارنة العمولة قبل القرار وبعده، بل يجب قياس أثر القرار على إجمالي مبيعات المتجر وحجم الطلب الذي تصنعه المنصة.
