من بورصة الكويت إلى «وول ستريت»… ما الذي يُحرّك المؤشرات؟


كلما ارتفع مؤشر بورصة الكويت، يسألني أحد الأصدقاء، هل ظهرت أرقام إيجابية جديدة؟ وإذا انخفض في اليوم التالي، يبحث عن الخبر السلبي الذي تسبّب في التراجع.

السؤال منطقي، لأن الأصل أن تعكس أسعار الأسهم أداء الشركات وأرباحها وتوقعاتها، وهذا هو المحرك الأساسي لقيمتها. لكن في بعض الجلسات قد تبقى أرقام الشركات كما هي، بينما يكون سبب الحركة دخول أموال صناديق عالمية إلى السوق الكويتي أو خروجها منه.

وإذا كانت هذه التدفقات «Fund Flows» كبيرة قياسا إلى سيولة السوق، يظهر أثرها سريعا في أسعار الأسهم والمؤشر، صعوداً أو هبوطاً.

ويبرز هذا الأثر بصورة أوضح عند إعادة موازنة المؤشرات «Index Rebalancing»، حين يضاف سهم أو يحذف، أو يتغير وزنه «Index Weight»، أو تتغير نسبة أسهمه الحرة المتاحة للتداول (Free Float). عندها تعدل الصناديق التي تتبع المؤشر محافظها، فيكون الشراء أو البيع تنفيذا لقواعد المؤشر، لا حكما على أداء الشركة.

وقد ظهر أثر هذه التدفقات في الكويت مع ترقيتها إلى سوق ناشئة وانضمامها تباعاً إلى مؤشرات «FTSE Russell» و«S&P» و«Dow Jones» و«MSCI» بين عامي 2018 و2020.

وفي يوم تنفيذ الانضمام إلى «MSCI»، في 30 نوفمبر 2020، تجاوزت قيمة التداول 961.6 مليون دينار، جاء معظمها من تدفقات أجنبية، بحسب بورصة الكويت. لم تتغير أرباح الشركات فجأة في ذلك اليوم، لكن موقعها داخل المؤشرات العالمية هو الذي تغير.

كنت قد كتبت قبل فترة عن هذه الفكرة، مستنداً إلى موضوع ناقشته مجلة الإيكونوميست عام 2021، وفي أغسطس 2026، عادت المجلة إلى الموضوع بمناسبة مرور 50 عاماً على إطلاق فانغارد أول صندوق مؤشرات متاح للمستثمرين الأفراد.

وقد قوبل الصندوق عند إطلاقه عام 1976 بالسخرية، ووصف مؤسس فانغارد جاك بوغل بدايته لاحقا بأنها فشل ذريع. لكن ما بدا موضع سخرية تحول إلى صناعة ضخمة، فلم تعد صناديق المؤشرات مجرد أدوات تتابع الأسواق، بل أصبحت تؤثر في حركة أسعارها.

وحجم هذه الصناديق اليوم يفسر أهمية الموضوع. فقد أصبح الاستثمار القائم على التتبع «Passive Investing» جزءاً رئيسياً من الأسواق.

وحسب الإيكونوميست، بات أكثر من نصف صافي أصول صناديق الاستثمار الأميركية مستثمرا في صناديق تتبع المؤشرات. ومع هذا الحجم، يصبح تأثير تدفقاتها في الأسعار أمراً لا يمكن تجاهله.

ولا تقتصر حدود قراءة المؤشر على أثر التدفقات. ففي الولايات المتحدة، ذكر «غولدمان ساكس» أن أسهم التكنولوجيا الكبرى ساهمت في 53 % من عائد مؤشر S&P«500» خلال عام 2025. كان ارتفاع المؤشر حقيقيا، لكنه لم يعكس قوة مماثلة في بقية السوق، بل قادت مجموعة محدودة من الأسهم ذات الأوزان الكبيرة أكثر من نصف عائده.

وقد تتقاطع الظاهرتان، إذ تشير دراسة حديثة إلى أن أثر التدفقات إلى صناديق التتبع قد يكون أقوى في أسعار الشركات الكبرى منه في بقية الشركات، فتزداد أوزانها ويصبح المؤشر أكثر اعتمادا عليها.

لذلك، فإن معرفة أن المؤشر ارتفع أو انخفض ليست نهاية التحليل، بل بدايته. ففي الكويت قد يكون التحرك نتيجة دخول أموال الصناديق أو خروجها، أو تعديل وزن السوق أو أحد الأسهم. وفي الأسواق العالمية قد يقود عدد محدود من الشركات الجزء الأكبر من ارتفاع المؤشر، بينما تكون بقية السوق أقل قوة مما يوحي به الرقم العام.

هذا لا يلغي أهمية الأرباح والحوكمة والتقييم وكفاءة الإدارة، فهي تظل أساس قيمة الشركة على المدى الطويل. كما أن تدفقات الصناديق لا تفسر كل ارتفاع أو انخفاض، لكنها أصبحت عاملاً مهماً في حركة الأسعار على المدى القصير، ولا تكتمل قراءة السوق من دونها.

ولهذا، عندما يتحرك السوق أو سهم معين بصورة لافتة، لا يكفي أن نسأل، ماذا تغير في الشركة؟ بل يجب أن نسأل أيضاً، هل دخلت أموال جديدة؟ هل تغير وزن السهم؟ وهل شاركت معظم الشركات في الحركة، أم قادها عدد محدود منها؟

فالمؤشر يخبرنا بمقدار الحركة، لكنه لا يخبرنا وحده بمَنْ صنعها ولا لماذا حدثت.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *