تساعدنا أبحاث الفائزين بجائزة نوبل في الاقتصاد هذا العام على فهم درس مهم، قد تتشابه الأرقام وتختلف أسبابها، فيختلف معها القرار المناسب. والأمر يشبه حرارة المريض، حين ترتفع، يعرف الطبيب أن هناك مشكلة، لكنه لا يختار العلاج من ميزان الحرارة وحده، بل يبحث أولاً عن السبب.
في رأيي، ما يستحق التوقف عنده السرعة التي نحول بها الأخبار الاقتصادية إلى توقعات بقرارات جاهزة، تراجع النمو يعني خفض الفائدة، وارتفاع التضخم يعني رفعها، وضعف الاستهلاك يستدعي زيادة الإنفاق الحكومي.
لكن قراءة الرقم لا تكتمل بمعرفة حجمه أو اتجاهه. علينا أن نفهم أسبابه، والفترة التي يعبر عنها، وظروف الاقتصاد الذي صدر فيها.
ولهذا قد تختلف السياسة النقدية، مثل تحديد أسعار الفائدة، والسياسة المالية، مثل قرارات الإنفاق والضرائب، بين الدول رغم تشابه أرقامها. فالقرار المناسب يتوقف على الظروف التي صنعت الرقم، وكيف تستجيب الأسر والشركات في مختلف القطاعات الاقتصادية لهذا القرار. وما يبدو وصفة مناسبة في مكان قد يعطي نتيجة مختلفة في مكان آخر.
هذه الفكرة تساعدنا على فهم أهمية أبحاث الأميركيين روبرت هول، من جامعة ستانفورد، ومايكل وودفورد، من جامعة كولومبيا، اللذين أعلن فوزهما بجائزة نوبل في الاقتصاد في 12 أكتوبر 2026. فقد أسهما في بناء نماذج تبدأ من قرارات الأسر والشركات لفهم حركة الاقتصاد كله. فبدل الاكتفاء بملاحظة أن زيادة الدخل يصاحبها ارتفاع الاستهلاك، تبحث هذه النماذج في سبب إنفاق الأسرة أو ادخارها، وكيف تتغير قراراتها مع توقعاتها للمستقبل. ومن هذا الفهم، يمكن تقدير أثر السياسات الاقتصادية.
ولنأخذ تباطؤ النمو مثالاً. قد يتباطأ النمو بالقدر نفسه في دولتين، لكن السبب في الأولى ضعف الشراء، وفي الثانية نقص الطاقة أو المواد اللازمة للإنتاج، في الحالة الأولى، وقد يساعد خفض الفائدة أو زيادة الإنفاق الحكومي على تحريك النشاط. أما في الثانية، فإن تشجيع الناس على الشراء لا يوفر المواد الناقصة، وقد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار. فالتحفيز قد يعالج ضعف الطلب، لكنه لا يعالج بالضرورة ضعف القدرة على الإنتاج.
وظهر خطر تجاهل هذا الفرق في السبعينيات، حين ارتفعت أسعار النفط وارتفعت معها البطالة والتضخم. كانت نماذج اقتصادية شائعة تتوقع أن يخف ارتفاع الأسعار عندما يضعف النشاط وتزيد البطالة، لكن ما حدث كشف أن العلاقة ليست ثابتة في كل الظروف. فصحة الرقم لا تضمن صحة تفسيره.
وفي هذا السياق جاءت أبحاث هول عن الاستهلاك. فالأسرة لا تبني قراراتها على راتب الشهر وحده، بل تنظر إلى دخلها المتوقع أيضا. وأسهم بحثه عام 1978 في وضع طريقة لاختبار هذه الفكرة، من خلال دراسة ارتباط تغير الاستهلاك بالمعلومات الجديدة التي تبدل توقعات الأسرة عن المستقبل.
وهنا تظهر نتيجة مهمة لصانع القرار، زيادة الدخل لا تتحول تلقائياً إلى زيادة مماثلة في الإنفاق. فقد تدخر الأسرة جانباً كبيراً من مبلغ إضافي إذا اعتقدت أنه موقت. وأظهرت أبحاث لاحقة أن بعض الأسر تعتمد أكثر على دخلها الحالي، وقد تنفق معظم المساعدة لتلبية احتياجاتها، خصوصاً إذا افتقرت إلى المدخرات وصعب عليها الاقتراض. لذلك تتوقف قوة التحفيز على من يصل إليه المال وظروفه وتوقعاته، إلى جانب حجم المبلغ نفسه.
أما وودفورد، فجمع إسهاماته وإسهامات باحثين آخرين في إطار يربط إنفاق الأسر وتسعير الشركات وقرارات الفائدة. ومن عناصره أن الشركات لا تعدل أسعارها فوراً مع كل تغير في الطلب، فإذا ضعفت المبيعات، قد تخفض الإنتاج والتوظيف قبل الأسعار. وهذا يوضح كيف يمكن لخفض الفائدة وتحريك الطلب أن يؤثرا في النشاط الاقتصادي.
ولهذا يصبح ما يعلنه البنك المركزي عن توجهات الفائدة، وما تعلنه وزارة المالية عن خطط الإنفاق والمشروعات والضرائب، جزءاً من تأثير السياسة الاقتصادية. فوضوح هذه التوجهات والثقة بإمكان تنفيذها يساعدان الشركات والأفراد على التخطيط واتخاذ قراراتهم الاستثمارية. فالقرار الاقتصادي يتأثر بما يحدث اليوم وما يُنتظر حدوثه غداً.
وتقودنا أبحاث الفائزين بجائزة نوبل إلى فكرة أساسية، لا توجد وصفة اقتصادية تصلح لكل زمان ومكان. فدلالة الرقم تختلف بحسب الفترة التي يعبر عنها، والاقتصاد الذي ظهر فيه، والظروف التي أدت إليه. وكما يساعد فهم سبب ارتفاع الحرارة الطبيب على اختيار العلاج، فإن اتخاذ القرار المناسب، سواء كان نقدياً أو مالياً أو استثمارياً، يبدأ بفهم ما وراء الرقم.
