هل حان الوقت لإدراج شركة مطاحن الدقيق والمخابز الكويتية في بورصة الكويت؟



حققت شركة مطاحن الدقيق والمخابز الكويتية في عام 2023 أعلى أرباح في تاريخها، بقيمة 76.7 مليون دينار، وبنمو بلغ 47% مقارنة بالعام السابق، فيما وصلت مبيعاتها إلى نحو 708.5 مليون دينار.

لكن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في حجم الأرباح وحده، بل في طبيعة الشركة التي حققتها.

فـ«المطاحن» ليست شركة تجارية تعمل بمنطق تعظيم الأرباح فقط، وإنما تؤدي دوراً استراتيجياً في تأمين احتياجات الكويت من السلع الغذائية الأساسية، والمحافظة على استقرار إمداداتها وأسعارها.

هذه المعادلة، بين الربحية والمسؤولية الوطنية، تجعل تجربة «المطاحن» نموذجاً مختلفاً بين الشركات المملوكة للدولة، وتفتح ملفاً اقتصادياً يستحق النقاش: هل أصبحت الشركة مرشحة للإدراج في بورصة الكويت؟

76.7 مليون دينار… أعلى أرباح في تاريخها

منذ تأسيسها عام 1961، تطوّرت «المطاحن» من مؤسسة تستهدف دعم الصناعات الغذائية الوطنية وتعزيز الأمن الغذائي، إلى كيان اقتصادي كبير يمتلك عمليات إنتاج وتخزين وتوزيع واسعة.

وفي عام 2023، سجلت الشركة أعلى أرباح في تاريخها بقيمة 76.7 مليون دينار، بارتفاع 47% مقارنة بالعام السابق، بالتزامن مع تحقيق مبيعات بلغت نحو 708.5 مليون دينار.

واللافت أن هذه النتائج تحققت في شركة لا يقتصر دورها على تحقيق العائد المالي، إذ تتحمل في الوقت نفسه مسؤوليات مرتبطة بالأمن الغذائي واستقرار أسعار عدد من السلع الأساسية.

من الطحين والخبز إلى نحو 50 سلعة أساسية

لم تعد أعمال «المطاحن» مقتصرة على الصورة التقليدية المرتبطة بالطحين والخبز.

فالشركة توفّر، إلى جانب شركتها التابعة «الكويتية للتموين»، ما يقارب 50 سلعة غذائية أساسية، تشمل الطحين والقمح والخبز والمعكرونة والزيوت النباتية، إلى جانب منتجات غذائية أخرى.

وخلال السنوات الأخيرة، وسّعت الشركة نطاق منتجاتها ودخلت مجالات جديدة، من بينها القهوة والسندويشات، في خطوة تسهم في تنويع مصادر الإيرادات وتقليل الاعتماد على المنتجات التقليدية وحدها.

وبالتوازي مع ذلك، نجحت «المطاحن» على مدى عقود في بناء علامة تجارية راسخة لدى المستهلك الكويتي، لتصبح منتجاتها جزءاً من السوق المحلية وذاكرة أجيال متعاقبة من المستهلكين.

«كورونا» اختبرت الدور الاستراتيجي

برزت أهمية الشركة بصورة أكثر وضوحاً خلال جائحة كورونا، عندما واجه العالم اضطرابات واسعة في سلاسل الإمداد وارتفاعاً في أسعار الغذاء ومخاوف من نقص بعض السلع الأساسية.

وفي تلك الظروف، ساهمت البنية التي طورتها «المطاحن»، من مخازن استراتيجية وصوامع للغلال وطاقة تخزينية، في استمرار عمليات الإنتاج والتوزيع والمحافظة على الإمدادات الغذائية في السوق المحلي.

وتكشف تلك التجربة جانباً أساسياً من طبيعة الشركة: فالأصول التي تمتلكها لا تؤدي وظيفة تجارية فقط، وإنما تشكل جزءاً من البنية الاستراتيجية للأمن الغذائي في الكويت.

الدعم موجود… لكنه لا يروي القصة كاملة

تحصل «المطاحن» على دعم حكومي مقابل تثبيت أسعار عدد من السلع الأساسية وهذا يجعل فصل أثر الدعم عن كفاءة التشغيل ضرورياً عند قراءة نتائجها المالية.

لذلك، لا يمكن النظر إلى الأرباح وحدها باعتبارها دليلاً كافياً على كفاءة الشركة، من دون تحليل حجم الدعم وآليته وتأثيره في تكاليفها وإيراداتها. لكن تجربة الشركة تتجاوز في الوقت نفسه مجرد تلقي الدعم.

فالتوسّع في المنتجات، وتنويع مصادر الإيرادات، واستثمار الأصول، وبناء منظومة إنتاج وتخزين وتوزيع واسعة، وتحقيق أرباح بالتوازي مع التزاماتها الاستراتيجية، كلها مؤشرات تجعل تجربة «المطاحن» مختلفة عن الصورة التقليدية للشركة الحكومية المعتمدة على الخزانة العامة.

وهنا تبرز القضية الأوسع: الدعم الحكومي قد يساعد الشركة على أداء دورها، لكنه لا يغني عن الإدارة الكفؤة وحسن استثمار الموارد.

 

ماذا تقول تجربة «المطاحن» عن الشركات الحكومية؟

 

وتكتسب تجربة «المطاحن» أهمية أكبر عند وضعها ضمن النقاش الأوسع حول أداء الشركات المملوكة للدولة.

فالخطوط الجوية الكويتية، على سبيل المثال، تؤدي هي الأخرى دوراً وطنياً واستراتيجياً في ربط الكويت بالعالم ودعم قطاع النقل الجوي، لكنها لم تصل حتى الآن إلى نقطة التعادل، وفقاً لآخر البيانات الصادرة عن الشركة خلال جمعيتها العمومية في 15 يونيو 2026.

ولا تصلح النتائج المالية للشركتين للمقارنة المباشرة، نظراً للاختلاف الكبير بين صناعة الطيران والصناعات الغذائية من حيث هيكل التكاليف والمنافسة والمخاطر وطبيعة الالتزامات.

لكن التجربتين تفتحان سؤالاً واحداً حول الشركات الحكومية:

كيف ينبغي قياس نجاحها؟

ليس بحجم الدعم الذي تحصل عليه أو بحجم أصولها وحدهما، وإنما بقدرتها على تحقيق أهدافها الاستراتيجية، واستثمار أصولها بكفاءة، والوصول إلى الاستدامة المالية، وتحقيق أفضل عائد اقتصادي ممكن للدولة.

لماذا قد تكون «المطاحن» مرشحة للإدراج؟

الأداء المالي والتشغيلي للشركة يفتح ملفاً آخر يتعلق بمستقبل ملكيتها. فـ«المطاحن» تمتلك عدداً من المقومات التي قد تجعلها مرشحة للإدراج في بورصة الكويت أسوة بباقي الشركات الحكومية المدرجة؛ فهي تحقق أرباحاً قوية، وتملك علامة تجارية راسخة، وأصولاً تشغيلية كبيرة، وقاعدة واسعة من المنتجات، وخبرة تمتد لأكثر من ستة عقود.

كما تعمل الشركة في قطاع السلع الغذائية الأساسية، الذي يتميز بطلب مستمر مقارنة بقطاعات اقتصادية أكثر تأثراً بالدورات الاقتصادية.

ومن شأن إدراج حصة من الشركة، مع إمكانية احتفاظ الدولة بحصة الأغلبية مثل بعض الشركات المدرجة، أن يفتح المجال أمام المواطنين والمؤسسات للاستثمار فيها، ويضيف إلى بورصة الكويت شركة تشغيلية كبيرة في قطاع استهلاكي أساسي.

وقد يفرض الإدراج كذلك مستويات أعلى من الإفصاح والشفافية والحوكمة والمساءلة، بحكم المتطلبات المفروضة على الشركات المدرجة.

لكن الإدراج ليس قراراً مالياً فقط

في المقابل، فإن طبيعة «المطاحن» تجعل أي طرح محتمل أكثر تعقيداً من إدراج شركة تجارية تقليدية.

فالشركة تؤدي وظيفة ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي، كما أن جزءاً من أعمالها مرتبط بسياسة الدولة في دعم السلع والمحافظة على استقرار أسعارها.

ومن ثم، فإن تقييم جدوى أي إدراج محتمل يتطلب الإجابة عن مجموعة من المسائل الأساسية، من بينها كيفية الفصل بين النشاط التجاري والتكليفات الحكومية، وآلية احتساب الدعم، ومدى تأثير وجود مساهمين من القطاع الخاص في سياسة الأسعار، إضافة إلى تحديد الأنشطة والأصول التي ينبغي أن تبقى تحت سيطرة الدولة.

كما يبرز سؤال هيكل الملكية: هل يكون الإدراج، إن طُرح مستقبلاً، عبر بيع حصة أقلية مع احتفاظ الدولة بالسيطرة؟ وما القيمة العادلة لشركة تجمع بين النشاط التجاري والتزامات ذات طبيعة استراتيجية؟

وهي أسئلة يجب حسمها قبل الوصول إلى استنتاج بأن الإدراج يمثل بالضرورة الخيار الأفضل.

ماذا يمكن أن يضيف الإدراج؟

إذا أثبتت الدراسات جدواه، فقد تتجاوز آثار إدراج «المطاحن» الشركة نفسها.

فبالنسبة إلى الدولة، يمكن أن يشكل الطرح وسيلة لإعادة تدوير جزء من رأس المال المستثمر مع الاحتفاظ بالسيطرة على أصل استراتيجي.

وبالنسبة إلى بورصة الكويت، قد يعني إضافة شركة تشغيلية كبيرة من قطاع استهلاكي أساسي، بما يعزز تنوع الشركات المدرجة.

أما بالنسبة إلى المستثمرين، فيتيح فرصة الاستثمار المباشر في شركة حكومية ذات سجل تشغيلي طويل وعلامة تجارية راسخة.

وقد تكون القيمة الأكبر على مستوى إدارة أصول الدولة، إذ يمكن أن تصبح تجربة «المطاحن» اختباراً لنموذج يسمح بمشاركة السوق في ملكية بعض الشركات الحكومية الناجحة، من دون التخلي عن سيطرة الدولة على الأنشطة ذات الأهمية الاستراتيجية.

نموذج يتجاوز شركة واحدة

نجاح «المطاحن» لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره قصة شركة منفردة فقط. فالتجربة تفتح نقاشاً أوسع حول النموذج الذي تريده الكويت لشركاتها الحكومية، خصوصاً مع توجه الدولة نحو رفع كفاءة الإنفاق، وتعزيز الحوكمة، وتحسين إدارة الأصول العامة، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد.

وتقدم «المطاحن» حالة تستحق الدراسة لأنها تجمع بين ثلاثة عناصر يصعب تحقيقها في الوقت نفسه: مهمة وطنية استراتيجية، وأداء تشغيلي مستمر، وربحية مالية.

لكن الانتقال من نجاح الشركة إلى طرحها في السوق يحتاج إلى دراسة أعمق لأرقام الدعم، وقيمة الأصول، والالتزامات الحكومية، وهيكل الملكية الأمثل، ومدى تأثير الإدراج في دورها بالأمن الغذائي.

وعندها يصبح ملف «المطاحن» أكبر من سؤال بيع حصة في شركة حكومية؛ إذ يتعلق بكيفية تحويل الشركات المملوكة للدولة من أصول تديرها الحكومة بالكامل إلى مؤسسات يمكن أن تجمع بين السيطرة الاستراتيجية للدولة، وانضباط السوق، ومشاركة المواطنين في ملكية أصول ناجحة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *