– رحلة علاج اللاعب تبدأ بتحديد نوع الإصابة ومرحلة التأهيل وطبيعة رياضته وما سيُطلب منه عند العودة
– أعمل على استعادة حركة اللاعب والقوة والوظيفة ثم بناء قدرته على تحمل متطلبات رياضته والانتقال من التأهيل للتدريب فالمنافسة
– لا يمكن منع كل إصابة لكن التقييم والإعداد الجيد يقللان عوامل الخطورة واكتشاف المشكلة في بدايتها
– أساس العلاج التمرين واستعادة القوة والحركة وإعادة التحميل التدريجي ثم التدريب الوظيفي والخاص
– يمكن شراء أفضل جهاز علاجي في العالم ولكن الأهم هو من يعرف التعامل معه
– التدريب يحفز الجسم على التطور لكن التكيف يحتاج إلى نوم جيد وتغذية مناسبة ووقت كافٍ للاستشفاء
أكدت الدكتورة في العلاج الطبيعي الريم الرشيدي، أن تأهيل الرياضيين بعد الإصابة، أصبح علماً وخططاً تتجاوز مجرد تخليص الرياضي من الألم، لأن الجاهزية لا تُقاس فقط بغياب الألم أو الإصابة، لاسيما أن اللاعب قد يكون قادراً على التدريب، لكنه ليس بالضرورة قادراً على تحمل متطلبات المنافسة كاملة.
وقالت الرشيدي، في حوار مع «الراي»، إن في الرياضة الحديثة، لم تعد العودة إلى الملعب تعني انتهاء الإصابة أو اختفاء الألم، إذ قد يحتاج الرياضي إلى مراحل إضافية لاستعادة القوة والسرعة والتحمل والقدرة على تكرار متطلبات رياضته تحت الضغط والتعب، مؤكدة أن الجاهزية الرياضية مفهوم متكامل يبدأ من الوقاية والتقييم، ويمر بالتأهيل وإعادة تحميل الجسم، وصولاً إلى العودة إلى الرياضة والأداء.
وأشارت إلى أن هناك نقصاً في البيانات والمعلومات المتعلقة بتاريخ الإصابات لدى اللاعبين، وإن توثيق السجل الطبي والإصابة للرياضي يساعد المختصين على وضع برامج علاج وتأهيل أكثر دقة وفاعلية، والحد من تكرار الإصابات. وفيما يلي نص الحوار:
إصابات وجاهزية
• ما أبرز الإصابات وكيف يمكن الوقاية منها؟
– تختلف الإصابات باختلاف الرياضة، فلكل رياضة أنماط حركة وأحمال وإصابات أكثر شيوعاً. ونتعامل كثيراً مع الإصابات العضلية، والأوتار والمفاصل والأربطة، وإصابات الإفراط في الاستخدام، إضافة إلى عودة أعراض الإصابات القديمة مع ارتفاع الأحمال.
والوقاية يجب ألا تبدأ بعد حدوث الإصابة، فعلينا معرفة تاريخ اللاعب، وإصاباته السابقة، وقوته، وحركته، ونقاط الضعف لديه، وطبيعة تدريبه، وكيف يستجيب جسمه للأحمال. ولا يمكن منع كل إصابة، لكن التقييم والمتابعة والإعداد الجيد تساعد على تقليل عوامل الخطورة واكتشاف المشكلة في بدايتها.
• كيف تقيسين جاهزية اللاعب في الكويت قبل البطولة؟
– الجاهزية لا تُقاس فقط بغياب الألم أو الإصابة، قد يكون اللاعب قادراً على التدريب، لكنه ليس بالضرورة قادراً على تحمل متطلبات المنافسة كاملة.
لذلك أنظر إلى التاريخ السابق للإصابات، ومدى الحركة، والقوة العضلية، والتحكم العصبي العضلي، والتوازن، والاختبارات الوظيفية، إضافة إلى قدرة اللاعب على تنفيذ متطلبات رياضته بالشدة والسرعة المطلوبة، وهنا أحياناً تكمن المشكلة بغياب المعلومات عن تاريخ إصابة للاعب.
لذلك أحرص على مقارنة اللاعب بمستواه السابق وبياناته الأساسية، وليس فقط بالمعدلات العامة. فالجاهزية الحقيقية ليست أن يستطيع اللاعب دخول الملعب، بل أن يكون قادراً على الأداء داخله بالمستوى الذي تتطلبه المنافسة.
علاج
• حدثينا عن استخدامك تقنيات العلاج المختلفة؟
– أتعامل معها كجزء من الخطة العلاجية، وليس كعلاج مستقل. قد تكون الإبر الجافة والشرائط العلاجية مفيدة في حالات معينة، لكنها لا تعيد اللاعب إلى الملعب وحدها.
والأساس هو التمرين العلاجي، واستعادة القوة والحركة، وإعادة التحميل التدريجي، ثم التدريب الوظيفي والخاص بالرياضة. فالتقنية يجب أن تخدم البرنامج العلاجي، وليس البرنامج العلاجي هو الذي يُبنى حول التقنية.
• ماذا يحتاج اللاعب في الأيام الأخيرة قبل المنافسة؟
– الأيام الأخيرة ليست وقتاً لبناء لياقة جديدة، بل للحفاظ على التوازن بين الجاهزية والتعب، نركز على النوم، والتغذية، والترطيب، والاستشفاء، ومراقبة أي ألم أو إجهاد غير معتاد، مع تجنب الأحمال المفاجئة. فخلال البطولة يكون وقت إظهار ما تم بناؤه خلال التدريب، وليس وقت بناء شيء جديد.
• كيف توازنين بين التدريب والاستشفاء؟
– التدريب والاستشفاء وجهان لعملية واحدة، التدريب يحفز الجسم على التطور، لكن التكيف يحتاج إلى نوم جيد وتغذية مناسبة ووقت كافٍ للاستشفاء.
وفي الوقت نفسه، يجب ألا يتحول الاستشفاء إلى محاولة لحماية اللاعب من الحمل. فالرياضي يحتاج إلى الحمل حتى يصبح أقوى وأكثر قدرة على تحمل المنافسة. والمطلوب هو الجرعة المناسبة للشخص المناسب وفي التوقيت المناسب، لأن استجابة الرياضيين للأحمال تختلف من شخص إلى آخر.
• هل يمكن أن يكون اللاعب متعافياً طبياً لكنه غير جاهز للمنافسة؟
– بالتأكيد؛ فالتصريح الطبي بالعودة لا يعني دائماً الجاهزية للأداء. فقد يكون النسيج قد تعافى والألم اختفى والحركة تحسنت، لكن اللاعب لم يستعد بعد القوة أو السرعة أو التحمل المطلوب.
ويمكن أن يستطيع الجري، لكنه لا يستطيع تغيير الاتجاه بالشدة نفسها، أو قد يؤدي حركة بشكل جيد في البداية، ثم تنخفض جودتها مع التكرار والتعب. لذلك لا أرى للعودة إلى الرياضة موعداً محدداً، بل عملية تدريجية تقوم على معايير واضحة: تعافي النسيج، وغياب الألم، واستعادة الحركة والقوة والسرعة والتحمل، ثم القدرة على الحفاظ على جودة الأداء مع التكرار والتعب.
تأهيل
• كيف تبنين برنامج العودة إلى الرياضة؟
– أبدأ من الرياضي نفسه، وليس هناك برنامج جاهز. أنظر إلى نوع الإصابة، ومرحلة التأهيل، ومستواه السابق، وطبيعة رياضته، ومركزه، وما سيُطلب منه عند العودة. ثم أحدد ما يحتاج إلى استعادته من قوة وقدرة وتوازن وتحكم عصبي عضلي وسرعة وتحمل وتغيير اتجاه، بحسب متطلبات الرياضة.
بعد ذلك نبدأ بالتحميل الخاص بالرياضة بصورة تدريجية، لأن عودة لاعب كرة القدم تختلف عن لاعب رفع الأثقال أو لاعب الكرة الطائرة. فالهدف ليس أن نعيد اللاعب إلى الملعب فقط، وإنما أن نعيده مستعداً للبقاء والأداء فيه.
• ما أهمية مراقبة الأحمال؟
– الحمل جزء من العلاج والتطوير. لكن بعد الإصابة قد يكون اللاعب قد فقد جزءاً من قدرته على تحمل الحجم أو الشدة أو التكرار الذي كان يؤديه سابقاً. لذلك لا يكفي أن يشفى النسيج، بل يجب إعادة بناء قدرة الجسم على تحمل الحمل تدريجياً.
وأتابع مقدار العمل الذي قام به اللاعب، واستجابة جسمه، وظهور أي أعراض أثناء التدريب أو بعده، وأداءه في اليوم التالي. فالحمل جزء من العلاج، لكن الجرعة والتوقيت والتدرج هي ما يصنع الفارق.
• ماذا أضاف تخصص فسيولوجيا الجهد إلى عملك؟
– جعلني أنظر إلى الرياضي كمنظومة أداء متكاملة، وليس فقط كعضلة أو مفصل مصاب. كأخصائية علاج طبيعي أبدأ من الإصابة وأعمل على استعادة الحركة والقوة والوظيفة، لكن فسيولوجيا الجهد تجعلني أطرح السؤال الأهم: ماذا بعد انتهاء العلاج؟ ثم هل استعاد اللاعب قدرته البدنية؟ وهل يستطيع تحمل التدريب؟ وهل استعاد القوة والقدرة والتحمل المطلوبين للمنافسة؟
لهذا أتعامل مع رحلة الرياضي بصورة متكاملة: الإصابة، ثم التأهيل، ثم العودة إلى الرياضة، ثم العودة إلى الأداء.
ملفات رياضية
• ما أهمية وجود ملف متكامل للرياضي؟
– لا أريد أن أتعرف إلى اللاعب عندما يدخل العيادة مصاباً فقط. أريد أن أعرف مستواه وهو سليم: قوته، وحركته، ولياقته، وإصاباته السابقة، ونتائجه، وكيف تتغير هذه المؤشرات خلال الموسم.
وإذا لم أعرف مستوى اللاعب قبل الإصابة، فإلى أي مستوى أريد أن أعيده؟ لذلك أؤمن بوجود ملف يتابع الرياضي عبر الزمن. وأفضل مرجع للرياضي في كثير من الأحيان هو الرياضي نفسه قبل الإصابة.
• ما أهمية التكامل بين مختلف التخصصات الرياضية؟
– الرياضي عالي الأداء لا يمكن أن يكون مشروع شخص واحد. فكل من الطبيب، وأخصائي العلاج الطبيعي، وفسيولوجيا الجهد، والإعداد البدني، والتغذية، وعلم النفس والجهاز الفني، يرى جزءاً من الصورة. لكن وجودهم في المكان نفسه لا يصنع فريقاً بالضرورة.
الفريق الحقيقي يبدأ عندما نتبادل المعلومات ونتخذ القرار حول الرياضي معاً. والرياضي يجب أن يكون في مركز المنظومة، والتخصصات تعمل حوله في الاتجاه نفسه.
• كيف ترين مستقبل الطب الرياضي وعلوم الأداء في الكويت؟
– أنا متفائلة جداً، لدينا كفاءات ورياضيون موهوبون وإمكانات كبيرة، لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى منظومة متكاملة. نحتاج إلى اختبارات دورية، ومراقبة الإصابات والأحمال، وبرامج واضحة للعودة إلى الرياضة، وملفات صحية وأدائية طويلة المدى، وربط الفرق الطبية بفرق الأداء بصورة أقوى. وأتمنى أن نستثمر في المختص بقدر ما نستثمر في الجهاز.
فيمكن شراء أفضل جهاز في العالم، ولكن الأهم هو من يعرف ماذا يقيس، ولماذا يقيس، وكيف يحول النتيجة إلى قرار.
كما نحتاج إلى إنتاج مزيد من البيانات والبحوث من الكويت والمنطقة العربية، لأن الرياضي والمجتمع لدينا لهما خصائصهما.
أبدأ بالإصابة، ثم أعمل على استعادة الحركة والقوة والوظيفة، وبعدها أعيد بناء قدرة اللاعب على تحمل متطلبات رياضته، وأساعده على الانتقال من التأهيل إلى التدريب ومن التدريب إلى المنافسة.
فلا يكفيني أن أقول للرياضي إنك أصبحت بلا ألم، أريد أن أستطيع أن أقول له إنك أصبحت مستعداً لما ستطلبه منك رياضتك.
التكنولوجيا تخدم ولا تسود
تحدثت الدكتورة الريم الرشيدي، عن دور التكنولوجيا والقياسات الحديثة، فقالت إن «التكنولوجيا أعطتنا فرصة لفهم الرياضي بصورة أدق. لكن هناك قاعدة مهمة بالنسبة لي: العلم يجب أن يقود استخدام التكنولوجيا، لا أن تقود التكنولوجيا قراراتنا».
وأضافت «يمكننا اليوم قياس القوة والحركة والتوازن والأحمال وغيرها، لكن امتلاك جهاز متطور لا يعني تلقائياً امتلاك نظام متطور. والمهم أن نعرف لماذا نقيس، وماذا تعني النتيجة، وماذا سنفعل بناءً عليها. والقيمة ليست في كثرة الأرقام، وإنما في تحويل الرقم إلى قرار يفيد الرياضي».
تقييم ثم تخطيط
فتدخّل وإعادة التقييم
بسؤالها عن تأثير دراسة الدكتوراه في جامعة لوفبرا على عملها، قالت الرشيدي «الدكتوراه غيرت طريقة طرح السؤال وبناء الحل. كان بحثي مرتبطاً بتقييم المجتمع كأساس لتصميم التدخلات والسياسات الوطنية للنشاط البدني للوصول إلى مجتمعات أكثر نشاطاً. وجعلني ذلك أسأل دائماً، ما المشكلة؟ كيف أقيسها؟ ماذا تقول البيانات؟ ما الخطة الأنسب؟ وكيف أعرف أن التدخل نجح؟». وأضافت «أصبحت هذه العقلية جزءاً من عملي مع الرياضي أيضاً، التقييم، ثم التخطيط، ثم التدخل، ثم إعادة التقييم. كما أن البحث أظهر أهمية إنتاج بيانات وأبحاث تنطلق من واقع المجتمعات العربية، بدل الاعتماد دائماً على بيانات من بيئات مختلفة».
تطور كبير للرياضة النسائية
أكدت الرشيدي أن «الرياضة النسائية شهدت خلال السنوات الأخيرة تطوراً وإقبالاً كبيرين»، مشيرة إلى أن ممارسة الرياضة أصبحت تشمل مختلف الفئات، حتى الحوامل، في ظل ارتفاع مستوى الوعي الرياضي لدى النساء.
نمط الحياة والأمراض المزمنة
إشارت الرشيدي إلى أن «للرياضة الترويحية أهمية كبيرة، وخصوصاً في ظل أنماط الحياة التي تفرض الجلوس لفترات طويلة، ما قد يؤدي إلى إصابات وآلام مزمنة مع مرور الوقت»، مشيرة إلى أن من أبرز الإصابات الشائعة في الكويت إصابات الكتف والركبة، وداعية إلى ممارسة النشاط البدني بصورة منتظمة واتباع الأساليب الصحيحة لتجنب الإصابات.
رسالة للاعبين قبل البطولات
وجهت الرشيدي رسالة للاعبين قبل خوض أي بطولة، فقالت «ثق في العمل الذي قمت به، ولا تحاول في الأيام الأخيرة أن تعوض كل شيء دفعة واحدة. واهتم بالنوم والتغذية والترطيب والاستشفاء، ولا تتجاهل ألماً أو تعباً غير معتاد، ولا تتردد في إبلاغ الفريق الطبي مبكراً عن أي مشكلة. فأحياناً يسمح التعامل مع المشكلة وهي صغيرة للاعب بالاستمرار، بينما تجاهلها قد يحولها إلى مشكلة أكبر».
C.V
الدكتورة الريم الرشيدي، حاصلة على بكالوريوس العلاج الطبيعي من جامعة الكويت، وماجستير في علم وظائف الأعضاء الرياضي، ودكتوراه في التمرين والرياضة والعلوم الصحية من جامعة «لوفبرا» في المملكة المتحدة، ولديها خبرة ميدانية وأكاديمية في مجال الطب الرياضي والمشاركة في عدد من البطولات والفعاليات الرياضية.
وتعمل على تنمية مسار الجاهزية الرياضية من التقييم والوقاية، مروراً بالتأهيل ومراقبة الأحمال، وصولاً إلى العودة الآمنة للأداء، ودور التكنولوجيا والعمل المتكامل في تطوير المنظومة الرياضية بالكويت.
