أوامر ترامب التنفيذية تُعيد رسم السياسة الأميركية


واشنطن – أ ف ب – وقّع الرئيس دونالد ترامب خلال 100 يوم في البيت الأبيض، عدداً غير مسبوق من الأوامر التنفيذية بلغ 130 على الأقل، تعيد رسم أسس السياسة الأميركية.

ومباشرة بعيد تنصيبه في 20 يناير، ألغى الجمهوري 67 أمراً تنفيذياً أصدرها سلفه الديمقراطي جو بايدن خلال ولايته.

ومنذ ذلك الحين، وقّع ترامب في مطلع ولايته الثانية، أوامر ومراسيم هدف نصفها تقريباً، بحسب تعداد «فرانس برس»، الى إلغاء برامج فيدرالية، بينما منح أكثر من ربعها صفة رسمية لمواقفه في العديد من المسائل ذات الطابع الثقافي والاجتماعي، وخصص بعض الأوامر لاجراءات انتقامية بحق بعض خصومه.

محو الإرث

أزالت أوامر تنفيذية أصدرها ترامب معالم من إرث أسلافه، منهم رونالد ريغان الذي أطلق شعار «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» الذي اعتمده الرئيس الحالي، اذ قام بتفكيك «معهد السلام» الذي أنشئ في عهد الرئيس الراحل.

ويوم توليه المنصب، وقّع ترامب أمراً تنفيذياً علق بموجبه تمويل الوكالة الأميركية للتنمية (USAID) التي توسعت ميزانيتها في عهد جورج بوش الابن.

وفي 14 مارس، وجّه بإجراء اقتطاعات كبيرة في ميزانيتي مجلس التشرد الأميركي الذي أنشئ في عهد ريغان كذلك، ووكالة تطوير الأعمال الخاصة بالأقليات التي أقامها رئيس جمهوري سابق آخر هو ريتشارد نيكسون.

كما وقّع مرسوماً هدفه إلغاء وزارة التعليم ونقل صلاحياتها إلى الولايات، في إجراء معاكس لقانون إصلاح التعليم الذي أقرّ عام 2002 ضمن سياسة الرئيس السابق جورج بوش الابن بعدم ترك أي طفل خارج المدارس، والذي شمل تعزيز الميزانية الفيدرالية لهذه الوزارة.

وأمر ترامب بموجب مرسوم في 8 أبريل وزيرة العدل بوقف تطبيق بعض قوانين الولايات التي تحمي البيئة وتكافح انبعاثات غازات الدفيئة، عملاً بسياسة الإدارة الحالية المؤيدة لإزالة التنظيمات التي تضبط استغلال المحروقات.

واستهدفت مراسيم أخرى خدمات فيدرالية أميركية جعلتها في مرمى وكالة الكفاءة الحكومية المكلفة خفض الإنفاق الفيدرالي والتي أوكلت مسؤوليتها لإيلون ماسك، أغنى أغنياء العالم والحليف المقرب لترامب.

حروب ثقافية

لم يخف ترامب معارضته لقضايا التنوع والمساواة والدمج، ووقّع ما لا يقل عن 40 أمراً تنفيذياً للحد من تأثير هذه المفاهيم في الحياة الأميركية العامة.

وفي 20 يناير، وقّع أمراً لإلغاء البرامج «المتطرفة» للتنوع والمساواة والدمج، وأصدر توصيات للوكالات الحكومية باستخدام مفردة «الجنس» عوضاً عن «الجندر»، والتخلي تالياً عن فكرة «الهوية الجندرية».

في مراحل لاحقة، صدرت أوامر تنفيذية في الاتجاه نفسه، بعضها يحول دون التحاق المتحولين جنسياً بالجيش، و«اجتثاث التمييز المناهض للمسيحية» في الحكومة الفيدرالية.

كما أمر ترامب بإطلاق تسمية «خليج أميركا» على خليج المكسيك.

وفي الأول من مارس، أمر بأن تكون الانكليزية اللغة الرسمية في الولايات المتحدة، ما يعني أن الوكالات الفيدرالية لم تعد ملزمة تقديم خدماتها بلغات أخرى مثل الإسبانية المستخدمة على نطاق واسع في البلاد.

استهداف الخصوم

لجأ ترامب الى سلطاته التنفيذية لاستهداف خصومه السياسيين كذلك.

في 20 يناير، ألغى التصاريح الأمنية الممنوحة لعشرات المسؤولين الحكوميين السابقين، مثل أول مستشاريه للأمن القومي جون بولتون، متهماً إياهم باستخدام المعلومات الاستخبارية «سلاحاً… للتلاعب بالعملية السياسية» خلال حملة الانتخابات الرئاسية 2020.

كما استهدف مكاتب المحاماة التي تولت الدفاع عن خصومه، وسحب منها العقود الفيدرالية والاطلاع على المعلومات الحساسة. ومن بين المكاتب الخمسة التي سماها ترامب، استحصلت أربعة على أوامر قضائية بتعليق تنفيذ الأوامر التنفيذية. أما المكتب الخامس فسُحِب الأمر بحقه بعد اتفاق مع إدارة الرئيس الأميركي اعتبره كثيرون «استسلاماً».

كرة قدم واستحمام

تبقى بعض الأوامر التنفيذية الأخرى عصية على التنصيف.

بعضها قضى بإنشاء مجموعات عمل، مثل تلك المخصصة «للاحتفال بالعيد الـ250 للولايات المتحدة»، وأخرى بالتحضير لاستضافة كأس العالم في كرة القدم السنة المقبلة مع كندا والمكسيك.

كما أصدر ترامب أمراً بإنشاء احتياطي استراتيجي من عملة «بتكوين» الرقمية، وسلسلة أوامر معنية بمسائل مثل تذاكر الحفلات الموسيقية، رفع الحظر على استخدام القشات البلاستيكية، وصولاً الى ضغط المياه في دوش الاستحمام.

من إلغاء تمويل البحوث والتهديدات العلنية وحتى حظر مصطلحات تتعلق بالجنس وتغير المناخ

الرئيس الجمهوري يُعيد تشكيل المجتمع العلمي والأكاديمي

واشنطن – أ ف ب – في أقل من 100 يوم، تمكّن دونالد ترامب من إعادة تشكيل المشهد العلمي في الولايات المتحدة، الدولة الرائدة في مجال البحث العلمي في العالم، ما أثار صدمة لدى الجهات الفاعلة في هذا المجال، الأميركية منها والأجنبية.

من إلغاء مليارات الدولارات المخصصة لتمويل البحوث والتهديدات العلنية ضد الجامعات ومسح قواعد البيانات، وحتى حظر بعض المصطلحات المتعلقة بالجنس وتغير المناخ… تطول قائمة القضايا العلمية المستهدفة بقرارات ترامب التي بدأ يعلنها واحدا تلو الآخر منذ عودته إلى البيت الأبيض.

وقال بول إدواردز، مدير أحد البرامج العلمية في جامعة ستانفورد، لوكالة فرانس برس «لم أرَ شيئاً مماثلا خلال 40 عاماً من عملي في مجال البحوث في الولايات المتحدة».

وهو واقع يتشاركه المجتمع العلمي والأكاديمي على نطاق واسع. وفي نهاية مارس، أطلق أكثر من 1900 عضو من جمعيات علمية «نداء طلباً للمساعدة»، فحذروا في رسالة بأن «المشاريع العلمية للبلاد تتعرّض للتدمير»، داعين الأميركيين إلى الوقوف ضد هذا «الهجوم الشامل على العلم».

«غضب تجاه العلم»

وقالت جينيفر جونز، مديرة مركز العلوم والديمقراطية في اتحاد «يونيون أوف كونسيرند ساينتستس»، إن الرئيس الأميركي أحاط نفسه بشخصيات تتجاهل الإجماع العلمي مثله، كروبرت كينيدي جونيور المشكك في اللقاحات والذي عينه وزيراً للصحة ويتجاوز صلاحياته إلى حد كبير مع تجاهله الكونغرس.

والنتيجة هي انهيار «العقد» الضمني الذي كان يربط حتى الآن الحكومة بإنتاج المعرفة والخبرة والذي كان يعتبر «منفعة عامة»، وفق شايلا جاسانوف، أستاذة علم الاجتماع العلمي في جامعة هارفرد، إحدى الجامعات الأميركية الواقعة في مرمى الرئيس.

وذلك مدفوع بشكل رئيسي بنظرها بـ«غضب تجاه العلم» يتعارض مع «الحكم الكاريزمي» الذي يدافع عنه.

من جهتها، اعتبرت ناومي أوريسكيس، أستاذة تاريخ العلوم في جامعة هارفرد «هذا أمر غير مسبوق في ذاكرة أي مؤرخ. إن ما يفعله ترامب الآن هو دفعنا نحو (أميركا) شبه خالية من العلوم».

خسارة «جيل كامل»

وقد تترتب على ذلك تبعات وخيمة، إذ تم تسريح عدد كبير من العلماء في الوكالات الفيديرالية، وأوقفت العديد من الدراسات أو تم التخلي عنها، كما جمّدت معظم المختبرات الجامعية عمليات التوظيف.

وفي منتصف أبريل، استقال عالم بارز في الوكالة الفيدرالية المسؤولة عن البحوث (المعاهد الوطنية لشؤون الصحة) قائلاً إنه كان «ضحية للرقابة» بحيث لم تنشر نتائج دراسة كان يشرف عليها لأنها «لم تدعم الأفكار المسبقة لقادتها».

وفي السياق، يفكر عدد متزايد من الباحثين في مغادرة البلاد، وهي هجرة أدمغة تأمل العديد من البلدان بالاستفادة منها. وأعلنت جامعات أوروبية وكندية مبادرات لجذب المواهب الأميركية. وفي فرنسا، طُرح مشروع قانون يهدف إلى استحداث وضع «لاجئ علمي».

وحذر دانيال ساندويس، أستاذ العلوم المناخ في جامعة ماين، قائلاً «إذا استمر هذا الوضع، سنخسر جيلاً كاملاً» من الباحثين، مشيراً إلى خطر تخلي العديد من الباحثين الطموحين عن متابعة مسيرتهم المهنية في مجال البحوث.

وأضاف متأسفاً «هؤلاء هم الطلبة الواعدون، النجوم الذين بدأوا للتو الظهور. هم من سيحملون أفكاراً رائعة، (…) سيحققون اختراقات حقيقية. سنخسرهم».

كذلك، أعربت جينيفر جونز عن خشيتها من أن يملأ «العلم الزائف وباحثون بلا مصداقية» الفراغ، متحدثة عن عمليات الفصل الجماعي التي تجري في الوكالات العلمية الأميركية حيث يستبدل العديد من العلماء المعروفين بشخصيات بلا مصداقية.

وحذرت قائلة «سيستغرق الأمر سنوات وحتى أجيالا، لإصلاح كل ذلك».





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *