إسرائيل تُعْلي «سحب السلاح من كل لبنان»


لم يكد أن ينقشع غبارُ التفجيرِ المُزَلْزِلِ لأنفاق تلة علي الطاهر التي أعلنت إسرائيل «ضمّها» إلى منطقة الـ 700 كيلومتر المربّع التي قضمتْها من جنوب الليطاني، حتى استعادت الدينامية السياسيةُ الداخليةُ وتيرةً تشي بخروجٍ مُتَشَظٍّ لجمْر الانقسامِ حول العناوين السيادية والمالية – المعيشية إلى فوق الرماد.

وفيما تسعى الدولةُ اللبنانيةُ عبر تعزيزِ حضورِ الجيش في مدينة النبطية خصوصاً، لسحْب فتائل نياتٍ إسرائيلية تحمل نُذُرَ عمليةِ إعادةِ تشكيلٍ للميدان بالنار وجعْله مقياساً لطاولة المفاوضات المؤجّلة حتى أكتوبر، فإنّ جلسة المناقشة العامة لحكومة الرئيس نواف سلام، الثلاثاء والأربعاء، تحوّلتْ مرآةً لشدّ الحبال، وسط خشيةٍ من أن يكون ما سيشهده البرلمان على مدى يومين انعاكساً أيضاً لمحاولة طهران استخدام ساحات نفوذها لترسيم خطوط دفاعية – هجومية بوجه الإطباق المالي عليها والخروج من وضعية «المنبوذ الاقتصادي».

وتلقّت بيروت بعدم ارتياحٍ مواقف وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، التي أعلن فيها أن جيشه يستعدّ عملياتياً للسيطرة على مرتفعات علي الطاهر، مهدداً بأن تل أبيب ستمنع أي محاولة من «حزب الله» أو أي جهة أخرى للعودة والتمركز فيها، ومعتبراً أن التلة «جزء من الخط الأصفر ومن المنطقة الأمنية لإسرائيل في لبنان»، التي قال إن مساحتها تبلغ 700 كيلومتر مربع.

والأكثر تعبيراً عن التحديات الماثلة أمام المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية وتحديداً آلية المناطق التجريبية التي اعتُمدت كنموذجٍ لمسارٍ خلاصته الانسحاب التدريجي مقابل السحْب المُوازي للسلاح، تمثّل في تأكيد كاتس، مجدداً عدم رغبته ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في التحرك من المنطقة الأمنية، وقال إن «الجيش لن ينسحب أو يعيد انتشاره حتى نزع سلاح حزب الله في كل أنحاء لبنان».

وتعكس الإشارةُ الأخيرةُ جوهرَ المأزق الذي تصطدم به مساعي بلوغ حلّ نهائي بين لبنان وإسرائيل، حيث تسعى الأخيرة منذ الاندفاعة نحو علي الطاهر ثم تفجيرها إلى تكريس موقفها بأنّ لا انسحاب كاملاً، وربما من أي بلدة داخل المنطقة الأمنية، قبل أن يترسّخ لدى مَن يعنيهم الأمر في بيروت أن المقصود بسحب سلاح حزب الله تفكيكه في كل البلاد وليس فقط الجنوب، وأنه ما لم يقُم الجيش اللبناني بهذا الأمر شمال الليطاني فإنها أطلقتْ «الرصاصة الأولى» في سباقِ تنفيذ هذه المهمة بيدها عبر «التفجير المليوني» (بأكثر من مليون كيلوغرام من المتفجرات) لأنفاق علي الطاهر وأن هذا ليس إلا أول حجر في «دومينو» الإسقاط المتسلسل لمرتفعات إستراتيجية تشكل امتداداً للتلّة التي تطايرت يوم الخميس الماضي.

وفي وقت كان نتنياهو يستعيد في منشور على منصة «إكس» تصريحاً لنائب الحزب رائد برو، يقول فيه إن إستراتيجية الحزب في الردّ أو عدم الردّ تتمحور حول إذا كان ذلك يخدم مصلحة رئيس الوزراء الانتخابية واستمراره في حكْمه، ليعلّق نتنياهو «أعداء إسرائيل يريدون سقوطي، يجب ألا نجعلهم يفوزون (يحققون غايتهم)»، قبل أن يعلن «حققنا انتصارا كبيرا آخر على حزب الله ودمرنا حصنه الكبير في مرتفعات علي الطاهر»، فإن هذا الموقف عمّق الاقتناعَ بأن أي تساهُل إسرائيلي فعلي أو مرونة في ما خص المناطق التجريبية وتوسيعها بالمعنى العسكري الذي يُعتدّ به ليس مطروحاً قبل انتخابات الكنيست الشهر المقبل، وأن ما حُكي عن إمكان تسليم تلة علي الطاهر للجيش اللبناني قد يكون طرحاً مؤجّلاً.

وما عزّز هذه القراءة، إلى كلام كاتس، ما نقله موقع «واللا» العبري من انتقاداتٍ لسلوك الجيش اللبناني في ما يتعلق بالتفاهمات بين بيروت وتل أبيب، وقول مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى «مطلع على تفاصيل هذه التفاهمات» إن الجيش اللبناني قد رسب بالفعل في الاختبار؛ إذ يكتفي بتحسين المظهر في ما يتعلق بحزب الله، ولا يعالج جذور المشكلة في جنوب لبنان، بل يترك المهمة للجيش الإسرائيلي أو لعامل الوقت، أملاً في أن يؤدي سقوط النظام في طهران إلى إحداث تأثير الدومينو.

في موازاة ذلك، نفى مصدر عسكري لبناني صحة ما يتم تداوله بشأن وجود خطة لإدخال الجيش اللبناني إلى تلة علي الطاهر والمناطق المحيطة بها.

وعلى وهج ذلك، برزت أول إشارات إيرانية اعتُبرت محاولةً للتخفيف من وطأة سقوط علي الطاهر ثم تفجيرها، من دون أن تردّ طهران كما سبق أن توعّدت عبر رسائل حمّلتها إلى وسطاء، حيث أوردت«وكالة فارس للأنباء»أنه لم يُحاصر أي عنصر من الحرس الثوري و«أن 48 عنصراً لحزب الله كانوا داخل الأنفاق وقًتل 8 منهم».

«تصفيح» مسار التفاوض

في موازاة ذلك، بدت واشنطن حريصة على «تصفيح» مسار التفاوض اللبناني – الاسرائيلي ومنعه من الانهيار، ليس فقط من خلال تقييد نتنياهو في أهدافه العسكرية وجغرافيتها في لبنان، بل عبر إبقاء قنوات الاتصال المباشر سالكةً، وهو ما سيعنيه اللقاء الذي أكدت السفارة الأميركية في بيروت نقلاً عن مسؤول في الخارجية الأميركية أنه سيُعقد هذا الاسبوع بين سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة (ندى حمادة معوّض) والسفير الإسرائيلي (يخيئيل لايتر) في الخارجية – واشنطن لمناقشة التطورات الراهنة ومواصلة تنفيذ «الإطار الثلاثي» الذي وُصف بأنه «الآلية الوحيدة القابلة للتطبيق لاستعادة سيادة لبنان وأمن إسرائيل». واعتُبر الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش اللبناني الذي تستضيفه باريس الخميس على المستوى العسكري، أحد أسباب إرجاء مفاوضات روما الى أكتوبر، إلى جانب اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة والأعياد اليهودية.

مساءلة الحكومة

ومجمل هذه الملفات الشائكة، ستكون في صلب مداولات مجلس النواب في جلسة مساءلة الحكومة، وسط مناخاتٍ أشاعت بأن هناك أجواء تحمل نُذُر محاولة من «حزب الله» وحلفائه لإسقاط الحكومة بطرح الثقة بها، أو أقله إخراجها من البرلمان بندوبٍ سياسية تضعف موقعها التفاوضي، وهو ما تعتبر أوساط على خصومة مع الحزب أنه سيناريو غير قابل للتحقق لأن التوازنات النيابية تحمي التشكيلة الوزارية الحالية، ولأن الخارج لطالما اعتبر إسقاطها «ممنوعاً» إذا كان لبنان يريد بقاء رافعة عربية ودولية لانتشاله من الحفرة السحيقة.

وفي رأي هذه الأوساط أن اي تجديد للثقة بالحكومة هذه المرة سيكون على قاعدة «المانيفست» السياسي – السيادي الذي تشكله قراراتها المتعلقة بسحب سلاح حزب الله ونزعها الشرعية عن جناحه العسكري، من دون أن تستبعد أن يحاول النواب المناهضون للحزب (هم غالبية) الدفع نحو صدور توصية عن البرلمان تتعلق بالسلاح ورفض اقتياد لبنان الى حروب الآخرين، وهو ما سيضع رئيس البرلمان نبيه بري أمام اختبار إدارة الجلسة بما لا يفجّرها بالمشاحنات والشحنات الشديدة السلبية التي تسبقها، ويتشابك فيها العنوانُ السيادي مع المعيشي الذي ترتفع حماوته.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *