
يحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب استخدام استعارات البوكر، مكرراً أن خصومه “لا يملكون أوراقاً”. قال ذلك لفلوديمير زيلينسكي في مواجهة روسيا، وكرره لقادة إيران، لكن المفارقة التي يطرحها توماس فريدمان في مقاله المنشور، أمس ، بصحيفة «نيويورك تايمز» هي: أن ترامب قد يكون هو من يجلس فعلاً إلى طاولة القمار بلا أي أوراق قوية.
يوضح فريدمان أن ترامب يراهن على أن حصار إيران ومنعها من تصدير النفط سيجبرها على التفاوض بشروطه، فيما تراهن طهران على خنق مضيق هرمز ورفع أسعار الطاقة والغذاء عالميًا، بما يضغط على الداخل الأميركي وحلفائه. ويرى انها مواجهة إرادات تبدو أقرب إلى لعبة «من يختنق أولاً»، حيث يختبر كل طرف قدرة الآخر على الصمود.
لكن السؤال الأعمق الذي يطرحه فريدمان هو كيف استطاعت إيران الصمود لشهرين أمام القوة العسكرية المشتركة للولايات المتحدة وإسرائيل؟ الجواب برأيه لا يتعلق فقط بالقدرات بل بتحول أوسع في طبيعة القوة نفسها، حيث يعيش العالم في حقبة باتت فيها «الحروب غير المتكافئة» تعيد تشكيل قواعد اللعبة.
يضرب الكاتب أمثلة كاشفة: أوكرانيا نجحت في تهريب عشرات قطع الطائرات المسيّرة الرخيصة إلى داخل روسيا ثم تركيبها داخل الأراضي الروسية لتستهدف أصولاً استراتيجية باهظة الثمن.
وإيران استخدمت مسيرات «شاهد-136»، التي تبلغ كلفة الواحدة منها 35 ألف دولار لضرب مراكز بيانات متطورة في منطقة الخليج، محدثة أضراراً بملايين الدولارات وتعطيلاً واسعاً للخدمات. والخلاصة: أدوات رخيصة نسبياً قادرة على استنزاف أنظمة مكلفة ومعقدة.
لكن الأخطر، بحسب فريدمان، هو أن العالم ينتقل بسرعة من «عصر الحروب غير المتكافئة القائمة على أدوات عصر المعلومات»، القادرة على إحداث اضطراب واسع، إلى ما يسميه خبير التكنولوجيا كريغ موندي الرئيس السابق للبحوث والاستراتيجية في مايكروسوفت الى «عصر الحروب غير المتكافئة القائمة على أدوات عصر الذكاء الاصطناعي»، القادرة على إحداث اضطراب واسع النطاق بتكلفة منخفضة وفي أي مكان عند الطلب.
ويشرح أن عصر المعلومات، أي زمن الكمبيوتر والهواتف الذكية والإنترنت ونظام «جي بي اس» منحنا أدوات تضاعف قوة وتأثير المستخدم المدرّب. فقد زاد بشكل هائل من قوة أي مبرمج أو مشغّل طائرات مسيّرة أو سارق بيانات عبر برامج الفدية أو مخترق أو مؤثر على وسائل التواصل أو ناشر للمعلومات المضللة. وجعل أي مجموعة صغيرة أكثر قوة، لكن البشر كانوا لايزالون بحاجة إلى حد أدنى من المعرفة لتشغيل هذه الأدوات الرقمية، وكان القصد البشري هو الذي يوجّهها دائماً.
أما النماذج اللغوية المتقدمة ووكلاء الذكاء الاصطناعي مثل «كلود» من شركة انثروبيك، و«جيميناي» من غوغل، و«تشات جي بي تي» من «أوبن اي آيه» فباتت قادرة على تنفيذ عمليات معقدة بما فيها الهجمات السيبرانية متعددة المراحل بشكل شبه مستقل، وبأمر بسيط من المستخدم. هذا يعني أن القوة لم تعد فقط في يد الدول أو التنظيمات المدربة، بل يمكن أن تنتقل إلى أفراد أو مجموعات صغيرة بقدرات غير مسبوقة.
يوضح الكاتب أن هذا التحول يمثل قفزة نوعية: من أدوات تضاعف قدرات البشر، إلى أدوات تستبدلهم بوكلاء أكثر كفاءة واستقلالية. ومع انتشار هذه التكنولوجيا، يصبح «امتلاك الأوراق» متاحاً للجميع تقريباً، بما في ذلك جهات لم يكن لديها سابقاً أي قدرة حقيقية على التأثير.
ويستشهد المقال بتقرير لـ «نيويورك تايمز» ذكر أن الدكتور ديفيد ريلمان، وهو عالم أحياء دقيقة وخبير في الأمن البيولوجي بجامعة ستانفورد، قد كُلّف من قبل شركة ذكاء اصطناعي لاختبار منتجها قبل طرحه للجمهور، فوجئ عندما قدم له نظام ذكاء اصطناعي إرشادات مفصلة حول كيفية تنفيذ هجوم بيولوجي عبر خلف فيروس مقاوم للعلاجات ونشره عبر ثغرة أمنية في نظام نقل عام، ما يكشف حجم المخاطر المرتبطة بإتاحة هذه الأدوات.
ويتساءل فريدمان اذا كانت إيران استخدمت مسيّرة رخيصة بقيمة 35 ألف دولار لإغلاق مضيق هرمز، فما المتوقع إذا استخدمت النماذج اللغوية الكبيرة والوكلاء من الذكاء الاصطناعي بتكلفة منخفضة جداً؟
ورداً على السؤال حول كيفية حصول إيران على هذه الأنظمة، يشير فريدمان الى إعلان شركة انثروبيك قبل اسابيع أن نموذجها الجديد للذكاء الاصطناعي «ميثوس» كان بارعاً للغاية في اكتشاف الثغرات في أنظمة التشغيل وبرامج الحاسوب التي تعتمد عليها الشركات والمرافق. وبعد أيام، أعلنت «أوبن اي آيه» أمراً مشابهاً بشأن نموذجها المتخصص في الأمن السيبراني جي بي تي-5.4 سيبر». وبحسب وكالة بلومبرغ، فإن الثغرات التي اكتشفها «ميثوس» تمثل «منجم ذهب للقراصنة، لأنها تتيح لهم حرية واسعة داخل الأنظمة الضعيفة».
وقد قررت كل من انثروبيك و«أوبن اي آيه» تقييد إتاحة هذه الأنظمة المتقدمة لمجموعة محدودة من مطوري البرمجيات الأكثر مسؤولية، لكن تمكن مستخدمون غير مخولين من الوصول إلى «ميثوس» على أي حال.
ويختم فريدمان بالإشارة إلى أن خطورة هذه التطورات السريعة في الذكاء الاصطناعي تتطلب أن تعمل الولايات المتحدة والصين، أعظم قوتين في مجال الذكاء الاصطناعي، على إيجاد صيغة تسمح لهما بمواصلة التنافس الاستراتيجي، مع التعاون في الوقت نفسه لتحييد هذه التهديدات غير المتكافئة الجديدة، على غرار ما فعلته الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي للحد من انتشار الأسلحة النووية خلال الحرب الباردة.
ويختم أنه بخلاف ذلك، فلن يكون أي منهما آمناً، وكذلك أي طرف آخر.
