تكشف وثائق صادرة عن منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية وقيادة المنطقة الجنوبية في الجيش، أن فائض مئات الشاحنات يومياً يتيح لحركة «حماس» السيطرة على البضائع، فرض الضرائب على التجار وتهريب المعدات.
وتُظهر معطيات جمعها الجيش وعُرضت على المستوى السياسي أن حجم المساعدات البالغ 600 شاحنة «يتجاوز المطلوب… تحت غطاء مئات الشاحنات التي تدخل القطاع، يتم أيضاً إدخال مواد ثنائية الاستخدام، وتهريب وسائل قتالية وتبغ تستخدمها حماس لتعزيز قوتها»، وفق صحيفة «يسرائيل هيوم».
وحذرت وثيقة داخلية نقلها أخيراً منسق أعمال الحكومة في الأراضي الفلسطينية يورام هاليفي، إلى المستوى السياسي، من التداعيات الأمنية والإستراتيجية لاستمرار إدخال 600 شاحنة مساعدات وبضائع يومياً إلى غزة وهو حجم، بحسب الوثيقة، يفوق بكثير الاحتياجات الإنسانية الفعلية.
وجاء في الوثيقة أن «إسرائيل تواصل السماح بإدخال المساعدات بالحجم الحالي أساساً، بسبب التزامات تم تحديدها ضمن اتفاق وقف إطلاق النار. لكن عملياً، وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، ووفق دراسة مهنية أُجريت في منسق أعمال الحكومة بالتعاون مع جهات استخباراتية ودولية، فإن القطاع يحتاج إلى نحو 250 شاحنة مساعدات يومياً فقط لتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية».
وتحذر الوثيقة من أن الفجوة بين حجم المساعدات المطلوب والكميات التي تدخل فعلياً تخلق «فوائض كبيرة» داخل القطاع، ما يسمح لحماس بمواصلة ترسيخ سيطرتها المدنية والاقتصادية.
ووفق التقديرات المعروضة، فقد تم خلال الأشهر الأخيرة رصد محاولات ممنهجة من جانب الحركة لاستغلال حجم المساعدات لأغراض التعاظم الاقتصادي والإداري والعسكري – من بينها فرض الضرائب على التجار، السيطرة على البضائع، تخزين الغذاء في مستودعات حماس، محاولات التهريب، والتحكم بآليات التوزيع والسوق المحلية.
وجاء في الوثيقة أن «كل شاحنة تتجاوز الحاجة الإنسانية الفعلية تعزز حماس»، من خلال خلق آليات تبعية اقتصادية وسيطرة على توزيع المساعدات للسكان.
وتؤكد أن الحجم الكبير للشاحنات يضر بجودة التفتيش ويزيد من مخاطر التهريب. وتشير إلى أن غالبية عمليات التهريب التي تم ضبطها (أكثر من 75 %) احتوت على تبغ ومنتجات مرتبطة بالسجائر، إلى جانب ضبط محاولات لتهريب مواد ثنائية الاستخدام مثل الغليسرين النقي وزيوت المحركات.
انعدام المتابعة للمولدات
إلى جانب وثيقة منسق أعمال الحكومة التي وصلت إلى «إسرائيل اليوم»، هناك وثيقة أخرى لقيادة المنطقة الجنوبية نوقشت في الكنيست وتكشف حجم التهريب. أي أن الأمر لا يقتصر على مساعدات فائضة تستخدمها حماس لتعزيز قوتها اقتصادياً، بل يشمل أيضاً إدخال مواد تُستخدم لصناعة العبوات الناسفة، إضافة إلى آلات تُستخدم من جهة للمستشفيات ومن جهة أخرى لصناعة السلاح، فضلاً عن أعداد كبيرة من المولدات الكهربائية.
وقال مسؤولون أمنيون، عندما سألهم أعضاء الكنيست عما إذا كانت هناك متابعة لتلك الآلات والمولدات التي تُنقل لأغراض إنسانية مدنية،«إنه لا توجد أي متابعة كهذه».
ورداً على سؤال من «إسرائيل اليوم»، كان الجواب أن الأجهزة الاستخباراتية لم تتلق أي معلومات تفيد بأن الآلات التي أُدخلت إلى المستشفيات نُقلت لاستخدامات عسكرية تابعة لحماس.
مشكلة أخرى، تتعلق بالمواد ثنائية الاستخدام، تنبع من التنسيق مع الولايات المتحدة في غرفة العمليات في كريات غات. ففي حين تُتخذ القرارات في المناقشات بين الجيشين الإسرائيلي والأميركي، يحتفظ جهاز «الشاباك» بقائمة المواد المحدثة بشكل سري ولا يكشفها للرقابة في الكنيست.
إلى جانب مئات الشاحنات «غير الضرورية» التي تدخل يومياً، بحسب الوثيقة، هناك ثغرتان إضافيتان: تهريب المسيّرات من إسرائيل إلى غزة محمّلة بالمخدرات ووسائل قتالية، وعمليات تهريب تنفذها جهات إجرامية بعيداً عن الشاحنات.
تبغ داخل أكياس الشاي
في الأيام الأخيرة فقط، توجه الجيش إلى الشرطة بطلب المساعدة في منع تهريب المسيّرات، بعد رصد مسيّرات ضخمة تعبر إلى القطاع وهي تحمل مخدرات، خصوصاً أن منفذي التهريب هم مدنيون داخل الأراضي الإسرائيلية.
الأسبوع الماضي، وصلت الوزيرة أوريت ستروك، إلى جولة في معبر كرم أبوسالم واطلعت عن قرب على حجم المساعدات وآليات التفتيش الأمني. وهي تصف كيف اكتشف موظفو المعبر تبغاً داخل أكياس الشاي، وزيوت محركات داخل عبوات زيت عادية، وكذلك الغليسرين داخل زجاجات مياه.
عمليات التفتيش الدقيقة في المعبر تؤدي إلى ضبط 75 % من التبغ، لكن ماذا عن المواد الأخرى؟
ثغرة أخرى اكتشفتها ستروك، تتعلق بطريقة التعامل مع الشاحنات والسائقين المهرّبين، وكذلك مع المصانع التي تُعبأ فيها المنتجات المهرّبة. وهي تنوي عرض القضية على الكابينيت للمطالبة بإغلاق هذه الثغرات ومنع عمليات التهريب المقبلة.
وقد عُرض حجم المساعدات وعمليات التهريب بالفعل على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وكذلك على طاقم الوزراء المصغر.
وعلمت «إسرائيل اليوم» أنه عقب هذه المعلومات، أصدر رئيس الوزراء مساء الثلاثاء الماضي تعليمات بخفض عدد الشاحنات وفق التوصية. لكن قبل تنفيذ التعليمات صباح الأربعاء، أعلن نتنياهو، ضرورة الاستمرار بالحجم المعتاد للمساعدات.
ويفترض المستوى السياسي أن الضغوط الأميركية تدفع نحو مواصلة حجم المساعدات الحالي، رغم أن «حماس» لا تلتزم بجزء الاتفاق المتعلق بنزع السلاح، ورغم أنه خلال عملية «زئير الأسد» ضد إيران، وبسبب قيود عملياتية، تم تخفيض حجم المساعدات إلى 250 شاحنة، وهو ما لبّى الاحتياجات الإنسانية بالفعل، وتبيّن أنه لا حاجة لأكثر من ذلك.
