– الأيام المقبلة ستشهد ضغوطاً أميركية على تل أبيب للانسحاب من لبنان… وفتح آفاق سياسية مع الفلسطينيين
– بعد نوفمبر سيعرف العالم إن كانت خطة «فنزويلا الجديدة» قابلة للتطبيق أم أن المنطقة ستشهد حرباً أكبر من المتوقع
– ترامب يريد تأجيل أي تصعيد عسكري واسع ضد إيران إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي
– 5 محاور خلافية بين واشنطن وتل أبيب من غزة إلى أنقرة… ونتنياهو يريد استغلال الملف الإيراني في حملته الانتخابية قبل نوفمبر
– الولايات المتحدة لا تسعى لتحويل إيران إلى عراق أو ليبيا بل دولة تفتح اقتصادها للاستثمارات الأميركية والإسرائيلية
في غرفة العمليات السرية للإدارة الأميركية، يُعاد رسم خريطة الشرق الأوسط وفق معادلة جديدة، لا تهدف إلى تدمير إيران عسكرياً، بل إلى «تغيير نظامها مع الحفاظ على كيانها»، وفقاً لما كشفه الضابط السابق في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية المقدم عميت ياغور، في مقال مثير بصحيفة «معاريف».
وقال إن «النظرة الأعمق تكشف منطقاً مختلفاً تماماً، حيث إن الولايات المتحدة لا تتردد في تدمير النظام في إيران، بل حرصت حتى الآن على عدم تدمير هذا الأصل القيّم»، مشيراً إلى أن وزير الخارجية ماركو روبيو، قدّم نموذجاً مثيراً للاهتمام في فنزويلا، وهو «إدارة دولة متداعية عن بُعد، من وراء الكواليس، مع السيطرة على تدفقات الأموال وتراخيص الطاقة والائتمان الدولي».
وأضاف أن «تطبيق هذا النموذج على إيران أكثر تعقيداً، لأن الحرس الثوري اندمج في كل شبر من الاقتصاد والبنية التحتية، فالنظام جزء لا يتجزأ منهما، يستمد قوته من خطوط أنابيب النفط والاتصالات لتمويل القمع الداخلي والعدوان الإقليمي».
لكن ياغور، قدّم ثلاثة حلول أميركية محتملة لهذه المعضلة، وخلاصتها أن «الحذر في استهداف البنية التحتية ليس بسبب قيود تكتيكية أو عسكرية، بل هو ببساطة جزء من خطة إستراتيجية طويلة الأمد، حيث لا تسعى الولايات المتحدة إلى تحويل إيران إلى عراق أو ليبيا، بل تسعى إلى بناء دولة تُطهر من قيادتها المتطرفة، وتحافظ على بنية تحتية فعّالة، وتصبح محرك النمو الجديد للمنطقة تحت مظلة أميركية، وتعاون تكنولوجي إسرائيلي، ودعم سخي من دول في المنطقة».
وأشار إلى أن هذا هو «السر الكبير» الذي حملّه اللقاء الذي جمع الرئيس دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، في البيت الأبيض، والذي كان، بحسب المحللين، أشبه بـ«جس نبض» مؤلم لعلاقة خاصّة تهشّمت على صخور المنطقة. ففي هذه الخطة، إيران ليست عدواً يُدمَّر، بل أصلٌ قيّمٌ يُصادر، وتحويلها إلى «فنزويلا الشرق» خلال عامين هو الهدف الإستراتيجي. ولهذا يريد ترامب، تأجيل أي تصعيد عسكري واسع إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، بينما يريد نتنياهو، استعجال الملف الإيراني كـ«ورقة رابحة» في حملته الانتخابية التي تسبق انتخابات الكنيست، وهذا هو التناقض الجوهري في الجداول الزمنية، وكما تراه المصادر الإسرائيلية، بأنه محرك الأزمة الأعمق بحسب ياغور.
جنازة غراهام
وفي السياق، كشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» في مقالاتها التحليلية، وتحديداً ما كتبه كوبي باردا، المحاضر في كلية الدراسات متعددة التخصصات بمعهد حولون للتكنولوجيا وباحث في معهد سياسات الشعب اليهودي، أن اللقاء مع نتنياهو، لم يكن في جدول أعمال ترامب، المزدحم. فقد أتاحت الفرصة التي سنحت عقب وفاة السيناتور ليندسي غراهام، لرئيس الوزراء القدوم إلى واشنطن.
لكن باردا، يشير إلى أن«عقد هذا الاجتماع استلزم دفع نتنياهو، ثمناً باهضاً وهو دعوة مجلس الوزراء والموافقة على دخول القوات الدولية إلى غزة»، مضيفاً أن البيت الأبيض أبدى انزعاجاً واضحاً مما اعتبرته«محاولات إسرائيلية لفرض اللقاء عبر تسريبات إعلامية»، وهو ما دفع ترامب، للمماطلة حتى اللحظة الأخيرة.
أما عن الأجواء في الغرفة البيضوية، فيصفها المحلل أفي أشكنازي في صحيفة «معاريف» بدقة، قائلاً «لقد كسب نتنياهو، عن حق صورة المشاغب، ولعل هذا هو السبب بأنه في البيت الأبيض انتظرته في الغرفة البيضوية، كتيبة من كبار رجالات الإدارة، وكأنه لأجل التأكد من أنه لن يحاول مرة أخرى المناورة على ترامب، وكلهم وقفوا هناك – نائب الرئيس جاي دي فانس، وزير الخارجية ماركو روبيو، وزير الحرب بيت هيغسيث، رئيس سي آي إي جون راتكليف والمبعوث ستيف ويتكوف»، وكأن الحضور الأمني والسياسي رفيع المستوى، لم يكن تكريماً، بل رسالة واضحة، بحسب أشكنازي، بأن الرئيس لم يعد ينوي ترك المساحة لنتنياهو، للمناورة من خلف ظهره.
كذبة أبريل… ودفن الثقة
والجذر العميق للأزمة، بحسب كبار المحللين والمصادر الاستخباراتية، يكشف عنه البروفيسور أبراهام بن-تسفي، المحاضر بجامعة حيفا والباحث في معهد سياسات الشعب اليهودي، في مقال تحليلي عميق بصحيفة «إسرائيل اليوم»، قال فيه إن«السبب المركزي لذلك يكمن في أزمة الثقة – إيران قارة 90 مليون نسمة وهي ليست فنزويلا – التي تلقي بظلال ثقيلة أيضاً على القمة الحالية، والتي نشأت لدى الرئيس ومعظم مستشاريه الكبار بالنسبة لمصداقية رئيس الوزراء».
وأضاف أن «السيناريو المتفائل جداً الذي وضعه نتنياهو، أمام ترامب، عشية الحرب في فبراير (الماضي) عن إمكانية تحقيق نصر مطلق في الساحة الإيرانية ووضع البنية التحتية لتغيير النظام في طهران، والذي سرعان ما تبين كغير واقعي على نحو ظاهر، كان نقطة الانعطافة المركزية في منظومة العلاقات».
ويذهب بن-تسفي إلى أن إسرائيل اليوم«مكشوفة في حجرة الدبابة»، مشيراً إلى أن الرأي العام الأميركي، بما في ذلك أوساط الجالية اليهودية والحركة الجمهورية، أصبح في معظمه نقدياً، إن لم يكن معادياً، تجاه مواقف وخطى نتنياهو.
من جانبه، يصف عاموس هرئيل، المحلل العسكري المخضرم لصحيفة«هآرتس»، الأجواء في واشنطن بأنها كانت«متوترة جداً»
وقال إن«تصريحات الرئيس الأميركي، بقدر ما يمكن الاستنتاج منها، وكأنها تعكس تباعداً في المواقف بين أميركا وإسرائيل، ورغبة المستضيف في الظهور بأنه غير متأثر بشكل مفرط بمواقف الضيف».
وشدّد على أن ترامب«لا يتبنى نصائح نتنياهو، وبالتأكيد لا يتلقى منه أي توجيهات»، مشيراً إلى أن«قرار الرئيس الأميركي في نهاية فبراير شن حرب ثانية ضد إيران، بتأثير من نتنياهو، الذي روج له أيضاً خطة إسقاط النظام في طهران بمساعدة جهاز الموساد والميليشيات الكردية، قد أدى إلى تورط الولايات المتحدة لفترة طويلة في المنطقة، الأمر الذي مازال ترامب، يواجه صعوبة في الخروج منه».
وهذا ما يفسّر، بحسب المصادر، لماذا رفض البيت الأبيض هذا الأسبوع مناقشة «مسألة جبل الفأس» الاستخباراتية التي رفعتها إسرائيل.
ففي تناقض واضح مع الإحاطة الإسرائيلية، قالت المحللة حوتوفيلي إن «مسألة جبل الفأس لم تُطرح إطلاقاً» خلال اللقاء، مضيفة أن قنوات تبادل المعلومات الاستخباراتية بين إسرائيل والولايات المتحدة لا تحتاج إلى لقاء كهذا.
في المقابل، أكدت مصادر أمنية إسرائيلية لقناة «كان 11» أن «التركيز الإعلامي على موقع جبل الفأس مبالغ فيه، وإنه لا يوجد يقين بأن إيران نقلت إليه آلاف أجهزة الطرد المركزي المتطورة». هذا التضارب يعكس، بحسب المحللين، أزمة ثقة عميقة: نتنياهو، يحاول إقناع الأميركيين بجدية التهديد، بينما ترامب، يرى أن إسرائيل تسعى لجرّه إلى حرب لا يريدها.
لعبة التوقيتات
هنا يكمن جوهر الصراع الحقيقي، وفق المصادر الإسرائيلية والأميركية على السواء، حيث كتب أشكنازي، إن «مشكلة نتنياهو، هي أن نوفمبر، سيكون بعد الانتخابات في إسرائيل»، فترامب يريد تأجيل أي تصعيد عسكري واسع ضد إيران إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، بينما يريد نتنياهو، استغلال الملف الإيراني في حملته الانتخابية الداخلية التي تسبق انتخابات نوفمبر.
ويضيف بن-تسفي أن «الإحساس السائد في واشنطن أنه اليوم أيضاً، مثلما في فبراير، يتطلع نتنياهو، لأن يجر الولايات المتحدة إلى تصعيد في المنطقة… على أساس جملة اعتبارات حزبية، ائتلافية وانتخابية، تتناقض في حبلها السري سلم أولويات الرئيس (في أن حرباً عسكرية طويلة وواسعة تعتبر في نظره كالسيناريو الأسوأ من كل ناحية ممكنة)».
وتشير المصادر إلى أن نتنياهو بدأ أخيراً الحديث عن«حكومة وحدة وطنية»في محاولة لاسترضاء ترامب، لكن المحللين يرون أن ذلك قد يكون مجرد مناورة انتخابية، هذه لعبة التوقيتات هي ما يفسّر لماذا بدأ نتنياهو، حديثه عن«حكومة وحدة وطنية»في محاولة لإرضاء ترامب، ولماذا يرفض البيت الأبيض أي التزامات حربية جديدة قبل الانتخابات، فترامب يعرف أن نتنياهو سيسعى لـ «جرّه» إلى مواجهة في المنطقة، كما فعل في فبراير الماضي، ولن يسمح بذلك هذه المرة.
محاور الخلاف الخمسة
ويحدّد المحللون، استناداً إلى ما نقلته المصادر الصحافية المختلفة، خمسة محاور رئيسية للخلاف بين واشنطن وتل أبيب، تتضمن أولاً قطاع غزة – الثمن الذي دُفع لقاء اللقاء، حيث اتفقت كل المصادر، كما ذكر كوبي باردا، على أن ترامب، لم يوافق على اللقاء إلا بعد موافقة إسرائيل على إدخال «قوة الاستقرار الدولية» إلى منطقة محدودة في جنوب غزة، ضمن الخطة الأميركية ذات العشرين بنداً في شأن القطاع.
وتشير المصادر إلى أن «رجال قوة السلام سيدخلون إلى رفح وسيعملون في المجال النقي»، وأن اعتراف إسرائيل بفشلها في تحقيق أهداف الحرب في غزة«لا ينبئ بالخير بالنسبة لساحة لبنان».
كما تتضمن الخلافات لبنان وضغوط أميركية للانسحاب الإسرائيلي، حيث أكد مكتب نتنياهو أن«ترامب لم يطالب خلال اللقاء بانسحاب إسرائيلي من لبنان أو سوريا أو أي جبهة أخرى»، بينما كشفت «كان 11» أن «السفير الإسرائيلي في واشنطن وصل إلى الاجتماع حاملاً خرائط يُرجح أنها تتعلق بالوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان، وأن الإدارة الأميركية تريد انسحاباً إضافياً من مواقع هناك».
ومن المقرر عقد جولة محادثات جديدة بشأن لبنان في روما الأسبوع المقبل.
ويكمن الخلاف الثالث في رؤية ترامب، الطموحة للحصول على جائزة نوبل للسلام، حيث كتب باردا في «يديعوت أحرونوت» عن الرؤية الشاملة «لدى ترامب وهي رؤية طموحة لإنهاء صراع دام ثلاثة آلاف عام، سعياً وراء ما يأمل أن يكون إرثه، وقبل كل شيء، جائزة نوبل للسلام التي يتوق لنيلها».
ولفت إلى أن ترامب، منخرط تماماً في الساحة الإقليمية، ويشعر بالإحباط من الحكومة الحالية «التي تعرقل خططه، سواءً كان ذلك بسبب تصريحات وزير المال بتسلئيل سموتريتش، التي تتهكم على دول في المنطقة، أو بسبب اقتحامات وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، الاستفزازية إلى المسجد الأقصى».
ويتعلق الخلاف الرابع ببيع مقاتلات «إف – 35» لتركيا، حيث ذكرت حوتوفيلي، أن قضية تلك المقاتلات التي يعتزم ترامب، بيعها إلى أنقرة لم تُطرح خلال اللقاء، رغم تصريحات الرئيس الأميركي السابقة في شأن إمكان بيعها لها.
ويرى المحللون أن ترامب، اختار عدم إطلاع إسرائيل على هذه الخطوة، ما يعكس التهميش المتعمد للرأي الإسرائيلي في قضايا أمنية حساسة.
ويتعلق الخلاف الخامس بالتعاون النووي المدني مع دول في المنطقة، حيث لم يتطرق اللقاء إلى تفاصيل اتفاق نووي المدني محتمل بين واشنطن وإحدى الدول، واكتفى الطرفان بنقاش إقليمي عام حول الملف، وفق ما نقلته حوتوفيلي، ما يشير إلى وجود تفاصيل حساسة تُناقش خلف الأبواب المغلقة.
نتنياهو… خسر أكثر مما ربح
رغم الحضور رفيع المستوى والصور التذكارية، يرى المحللون أن نتنياهو، خرج من البيت الأبيض بصفعة سياسية جديدة، حيث لم يحصل على ضوء أخضر لتوجيه ضربة لإيران، ولم يضمن استمرار الدعم العسكري من دون قيود، بل اضطر إلى دفع ثمن اللقاء بموافقة ضمنية على قوات دولية في غزة، وهو ما يغضب شركاءه اليمينيين.
وخلص بن-تسفي إلى أن إسرائيل لم تعد تملك «شبكة أمان داخلية متينة وواسعة في الجمهور الأميركي»، وأن قدرة نتنياهو، على التأثير في قرارات البيت الأبيض قد تراجعت بشكل كبير منذ حرب فبراير.
أما أشكنازي، فيرى أن «بعد نوفمبر» المقبل ستكون الإدارة الأميركية أكثر حرية للتعامل مع النووي الإيراني، لكن حتى ذلك الحين، سيبقي ترامب، الخيار العسكري كـ «ورقة ضغط» في جيبه.
وتبقى الخلاصة القاسية التي اتفق عليها المحللون، أن نتنياهو، عاد إلى تل أبيب بـ «يد فارغة» من واشنطن، لكنه نجح في توجيه رسالة داخلية بأنه «ما زال قادراً على الجلوس على طاولة ترامب»، وهي رسالة انتخابية قد تنقذ حملته، لكنها تثبت أن العلاقة الخاصة لم تعد خاصة، بل أصبحت خاضعة لشروط أميركية صارمة، وأن عصر«المتغطرس»في البيت الأبيض قد ولّى.
وما حدث في البيت الأبيض لم يكن لقاءً عابراً، بل جلسة تصفية حسابات وإستراتيجياً، كما يحلله بن-تسفي وأشكنازي. الأيام المقبلة ستشهد ضغوطاً أميركية متصاعدة على تل أبيب للانسحاب من لبنان وفتح آفاق سياسية مع الفلسطينيين، في مقابل تهديدات إسرائيلية بـ «خيارات أخرى» قد تشعل الجبهات. المشهد الأهم سيكون بعد نوفمبر، حينها سنعرف إن كانت خطة «فنزويلا الجديدة» قابلة للتطبيق، أم أن الشرق الأوسط سيشهد حرباً أكبر مما يتوقعه الجميع. لكن المؤكد اليوم، وفق جميع المصادر، أن نتنياهو، خسر رهان الثقة مع ترامب، وأن البيت الأبيض يمسك بكل الأوراق، وأن إيران أصبحت هدفاً للاستيلاء، لا للتدمير.
