– إستراتيجية نتنياهو: من «إلغاء النتائج» والتشكيك بالعرب إلى إطالة حال الطوارئ
– الحل في نظر اليمين «السيناريو الإيراني» بعد الانتخابات النصفية الأميركية
– إسرائيل ليست أمام أزمة تشكيل حكومة بل أمام أزمة شرعية نظام
– الطريق الأقصر إلى «الحل» ليس صندوق اقتراع بل سماء إيران
تكشف المداولات والاجتماعات المعلنة وغير المعلنة، فضلاً عن الدراسات والتحاليل الإسرائيلية في القنوات التلفزيونية والكوابل، وفي الصحف، «يديعوت أحرونوت»، «هآرتس» و«معاريف»، عن أزمة سياسية غير عادية، بل عن لحظة انقلاب على قواعد اللعبة الديمقراطية نفسها. وجوهر ما يرشح عن هذه المداولات يمكن تلخيصه في ثلاث نقاط:
النقطة الأولى: خسر نتنياهو الانتخابات فعلياً (53 مقابل 48 + 19)، لكنه رفض الاعتراف بالخسارة، وحوّل «النتيجة» إلى «تهمة»؛ فبدلا من التفاوض على حكومة، أطلق حملة «الانتخابات مسروقة» بأدوات أمنية (الشاباك والشرطة) وإعلامية (القناة 14)، بهدف إفشال تشكيل أي حكومة منافسة.
النقطة الثانية: غادي آيزنكوت، الذي يبدو وكأنه يملك «الفرصة التاريخية»، يرفض هو الآخر الورقة الوحيدة التي تمنحه الغالبية، أي الأصوات العربية، ويسعى لجرّ الحريديم (يهدوت هتوراة وشاس) لتشكيل «حكومة صهيونية» من دون العرب، لكنه يصطدم بمعارضة أفيغدور ليبرمان ورفض أرييه درعي.
النقطة الثالثة: الهاجس الإيراني ليس تحليلاً نظرياً، بل هو سيناريو عملي يخطط له نتنياهو لإطالة حالة الطوارئ وتجميد الكنيست الجديد، وهو ما تكشفه «هآرتس» صراحة: ضغط على ترامب لضربة بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية.
وبين هذه النقاط الثلاث، تتحدد خريطة المرحلة المقبلة.
3 طرق مسدودة أمام تشكيل الحكومة
الطريق الأول: حكومة نتنياهو (53 مقعداً) مستحيلة حسابياً
لا يملك نتنياهو أغلبية حتى مع الحريديم، ناهيك عن أن ليبرمان خارج حسابه. ويحاول نتنياهو تعويض العجز بحملة «تزوير الانتخابات»، لكن «الشاباك» نفسه أصدر بياناً في الساعة الرابعة من مساء يوم النتائج، ذكر فيه ان التحقيقات «لم تكن كافية لإلغاء الانتخابات أو إلقاء اللوم على الناخبين العرب»، وهو ما وصفته «هآرتس» بأنه «قليل جداً ومتأخر جداً». فالحملة ليست لإلغاء النتائج فعلياً، بل لتسميم شرعيتها وإرباك خصومه.
الطريق الثاني: حكومة إيزنكوت «من دون العرب» (41 + يهدوت هتوراة = 48، + شاس = 54) نظرية أكثر منها عملية…
يعمل إيزنكوت، بكل قوة لإقناع الحريديم بالدخول، ومصدر مقرب منه يقول: «هذا لن يكون مع العرب. نحن نعتقد أن هذا ممكن».
لكن العائق مزدوج: ليبرمان تعهد عدم الجلوس مع الحريديم، ودرعي (شاس) يرفض أي حكومة من دون الليكود. لذلك يمارس إيزنكوت ضغطاً شديداً على ليبرمان، الذي «كان يتوقع عرضاً يتعلق برئاسة الوزراء».
وهذا الطريق يتطلب كسر تعهدين علنيين، تعهد ليبرمان وتعهد درعي، في آن واحد، وهو ما لم يتحقق بعد.
الطريق الثالث: حكومة أقلية تعتمد على دعم عربي من الخارج (48 + 19 = 67 نظرياً) – مرفوض سياسياً.
هذا هو الطريق الذي يرفضه إيزنكوت نفسه، ويرفضه جزء كبير من الجمهور اليهودي، رغم أنه قانونيا كافٍ؛ إذ إن الحكومة في التصويت على الثقة لا تحتاج إلى 61 عضواً، بل إلى أغلبية المصوّتين فقط، ويمكن للأحزاب العربية دعمها من خارج الائتلاف.
4 مسارات محتملة للمرحلة المقبلة
السيناريو الأول: «حكومة تغيير هشة» (احتمال متوسط)
يكسر إيزنكوت تعهد ليبرمان، وينضم يهدوت هتوراة، وتتشكل حكومة من 61 مقعداً بالضبط (من دون شاس)، تعتمد على دعم عربي خارجي في التصويت على الثقة.
وتكون حكومة قصيرة العمر، لكنها تسيطر على الكنيست، وتستبدل رئيس الكنيست أمير أوحانا، وتسن قوانين ضد نتنياهو (بما في ذلك تشكيل لجنة تحقيق رسمية).
وهذا هو السيناريو الذي تدعو إليه «هآرتس» و«معاريف»، وتصفه «يديعوت أحرونوت» بأنه «الخطوة الأصلية لمنع انتخابات أخرى». وعائقه هشاشتها العددية، وضغط الشارع اليميني.
السيناريو الثاني: «انتخابات ثالثة» – مخرج نتنياهو المفضل (احتمال مرتفع)
نتنياهو مقتنع بأنه لا يستطيع تشكيل حكومة، وبالتالي يعمل فقط على منع الآخرين من تشكيلها، كما تقول مصادر كتلة التغيير في «يديعوت أحرونوت». وأدواته في ذلك: رفض أوحانا طرح انتخاب رئيس الكنيست للتصويت، واللجوء إلى المحكمة العليا لإطالة النزاع، وتصوير الانتخابات على أنها «مسروقة».
وحسابه أن انتخابات جديدة قد تحسّن وضعه، خصوصاً إذا استمر زيني وليفي في منصبيهما، وهما بحسب «هآرتس» «الحارسان المخلصان لمكتب نتنياهو». لكن هذا السيناريو يصطدم بحقيقة أن الكنيست الجديدة، بمجرد أن تبدأ العمل، يمكنها سن قوانين ضده؛ لذلك يسعى نتنياهو لتقصير ولايتها أو تجميدها.
السيناريو الثالث: حرب تسبق النتائج (احتمال غير مستبعد)
تنقل «هآرتس» أن نتنياهو «يضغط على الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشن هجوم على إيران فوراً بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية»، بعد أن فشل في الضغط لضربة قبل الانتخابات الإسرائيلية، وأنه بدأ «سلسلة من الاستفزازات اللفظية والمحاولات العملية» لجرّ إيران إلى ضربة استباقية، أحبطها رئيس الأركان إيال زامير.
ويؤكد ميلشتاين في «يديعوت أحرونوت» أن الشرق الأوسط «يعتقد على نطاق واسع» أن الضربة الإيرانية متوقعة بعد 3 نوفمبر. ويقول إن الحرب تؤجل افتتاح الكنيست وأداء اليمين، وتجمّد كل خطوات كتلة التغيير. لكن هذا السيناريو ليس بيد نتنياهو وحده؛ فهو يحتاج ضوءاً أميركياً، وإيران قد لا تتعاون في «الاستفزاز».
السيناريو الرابع: «حكومة وحدة وطنية» بالتناوب احتمال منخفض لكنه ليس صفراً.
3 حقائق صامتة
الحقيقة الأولى: «رفض إشراك العرب» ليس موقفاً سياسياً عابراً، بل بنية نظام. فاليسار نفسه، كما يسخر جدعون ليفي، يعارض حكومة مع العرب، تماما كاليمين. والنتيجة، كما يوضح، أن 19 مقعداً عربياً محوّلة إلى «أصوات باطلة» في الحساب السياسي، رغم أنها قانونياً كافية لقلب المعادلة.
الحقيقة الثانية: الأدوات الأمنية (الشاباك والشرطة) خرجت من الحياد. وتورد «هآرتس» صراحة ان زيني وليفي «انكشفا كمتعاونين كاملين ولاعبين سياسيين»، وإن أي «محاولة لإعادة الديمقراطية يجب أن تبدأ بإقالة نتنياهو فوراً».
الحقيقة الثالثة: العالم يراقب. ويحذر ميلشتاين: «ليس من المؤكد أن يستمر العالم في منح إسرائيل الثقة في حال إجراء جولة انتخابية أخرى، ومن المرجح أن يزداد الضغط»، بما في ذلك عقوبات أوروبية. وبينما يضغط نتنياهو نحو الحرب، فإن صورة إسرائيل الدولية تتآكل بوتيرة أسرع من أي وقت مضى.
خريطة المرحلة المقبلة
المرحلة الأولى (3 – 10 نوفمبر): اختبار الكنيست
بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية في 3 نوفمبر، سيدخل المشهد متغيران: الضغط الأميركي (سواء لضربة إيران أو لضبط النفس)، ومشاورات الرئيس إسحاق هيرتسوغ التي تبدأ الأربعاء 4 نوفمبر. واليوم الحاسم هو 10 نوفمبر، أي جلسة أداء اليمين والتصويت على رئيس الكنيست. وإذا رفض أوحانا طرح التصويت، سنكون أمام أزمة دستورية مفتوحة قد تستغرق أسابيع.
المرحلة الثانية (نوفمبر – ديسمبر): لحظة الحقيقة لآيزنكوت
إما يكسر تعهد ليبرمان ويشكّل حكومة من 61 مقعداً هشة، أو يفشل؛ وعندها ستتجه إسرائيل إما إلى انتخابات ثالثة (سيناريو نتنياهو)، أو إلى فراغ سياسي يغذّي سيناريو الحرب.
المرحلة الثالثة (الربيع 2027): إما حكومة أو حرب
إذا لم تتشكل حكومة بحلول ذلك الحين، فإن الاحتمال الأرجح هو ضربة إسرائيلية على إيران، ليس لأنها «حل» إستراتيجي، بل لأنها أداة إرادة لنتنياهو: تجميد الكنيست، وإطالة الطوارئ، وتأجيل المحاسبة، وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية حول «التهديد الوجودي» بدل «التزوير المزعوم».
ختاماً، إسرائيل ليست أمام أزمة تشكيل حكومة، بل أمام أزمة شرعية نظام. فنتنياهو يريد انتخابات لا تنتهي؛ وآيزنكوت يريد حكومة لا تعتمد على العرب؛ والعرب يملكون 19 مقعداً لا أحد يريد الاعتراف بها.
في هذه المعادلة، قد لا يكون الطريق الأقصر إلى «الحل» صندوق اقتراع، بل سماء إيران.
