– قادة المعارضة يفضّلون الحفاظ على «النقاء الصهيوني» على إطاحة نتنياهو
أسفرت الانتخابات الإسرائيلية السادسة والعشرون عن صدمة ومفاجأة للكل، حيث حصلت كتلة بنيامين نتنياهو على 53 مقعداً، وكتلة المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، على 48 مقعداً، بينما حصدت الأحزاب العربية 19 مقعداً، وهو أعلى رقم في تاريخها، مع نسبة تصويت عربية تجاوزت 80 %.
لكن لا يمتلك أي من المعسكرين الغالبية البرلمانية اللازمة لتشكيل الحكومة (61 مقعداً)، ما يجعل الأحزاب العربية «بيضة القبان» عددياً. إلا أن ردود الفعل الإسرائيلية تجاه هذه القوة الجديدة انقسمت بشكل حاد، حيث انتقد محللون رفض التعاون مع الأحزاب العربية باعتباره «قصير النظر وخطير»، بينما يصر اليمين وقادة رئيسيون في المعارضة على استبعادها.
وكتب الكاتب المخضرم في صحيفة «يديعوت أحرونوت» ناحوم بارنياع في مقال تحليلي بعد الانتخابات بشكل مباشر، ان «معضلة القيود الثلاثة» التي تواجه معسكر آيزنكوت تتمثل في أنه «لا يمكن في الوقت نفسه رفض التحالف مع حزب ليكود، واستبعاد الأحزاب الحريدية، ورفض الاعتماد على الأحزاب العربية، حيث أن هذه القيود الثلاثة لا يمكن الوفاء بها جميعاً في وقت واحد».
وأشار إلى أن المراهنة على «انتخابات جديدة» تنطوي على مخاطر، لأن الحماس الذي دفع الناخبين العرب للتصويت قد لا يتكرر بعد بضعة أشهر. موقفه يعكس قلق النخبة الإعلامية الليبرالية: الحسابات العددية واضحة (67 مقابل 53)، لكن «التابو» السياسي لاستبعاد العرب هو الذي يمنع إسرائيل من الخروج من المأزق.
«العقدة الأساسية»
ويرى مدير الأخبار في إذاعة «الشمس» في الناصرة والكاتب في صحيفة «هآرتس» جاكي خوري، أن تصريحات رئيس الحزب الديمقراطي يائير غولان، الداعية للتعاون مع الأحزاب العربية، لا تمثل جميع أقطاب معسكر التغيير… مواقف آيزنكوت ونفتالي بينيت ويائير لايبيد هي «العقدة الأساسية».
ويطرح خوري ثلاثة احتمالات: حكومة وحدة بالتناوب (بقيادة نتنياهو أولاً ثم الانتقال إلى آيزنكوت أو بينيت)، وهو أمر صعب من دون تدخل أميركي؛ أو مبادرة آيزنكوت لتشكيل حكومة أقلية بدعم خارجي من الأحزاب العربية، لكنها تواجه رفض أفيغدور ليبرمان القاطع؛ أو استمرار المأزق والذهاب إلى انتخابات جديدة، وهو ما قد يخدم نتنياهو الذي يبقى رئيساً لحكومة تصريف الأعمال حتى مايو 2027.
وملاحظته تستند إلى الواقع السياسي الداخلي، وتشير إلى أن «قوة الأرقام العربية» و«الترجمة السياسية» أمران مختلفان.
ثلاثة إنجازات
إلى ذلك، حدّد أستاذ العلوم السياسية سهيل دياب، ثلاثة إنجازات للمشاركة العربية، هي إسقاط قائمتين يمينيتين كانتا ستتيحان لنتنياهو تشكيل حكومة أكثر تطرفاً، إجبار المعارضة على الاختيار بين «إسقاط نتنياهو» و«الانحياز إلى الرؤية الصهيونية المتشددة»، وتدويل قضية الاضطهاد القومي للفلسطينيين في الداخل.
ويطرح ثلاثة مسارات، الأكثر ترجيحاً هو «سيناريو الظل»، وهو استغلال أغلبية التغيير (67 مقابل 53) لتغيير رئيس الكنيست، وإلغاء قوانين التعديلات القضائية، وتشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر 2023، وخطوات تشريعية أخرى تُضعف نتنياهو وتمهد لحكومة تغيير أكثر ثباتاً.
كما يحتفظ دياب باحتمال «سيناريو الرعب» وهو «تصعيد عسكري واسع (ربما ضد إيران) لفرض حالة طوارئ تدفع المعارضة إلى حكومة وحدة برئاسة نتنياهو».
«قصير النظر ومتهور»
وفي مقابلة مع الإذاعة العامة الأميركية (NPR)، وصف الدبلوماسي الإسرائيلي السابق والمحلل السياسي ألون بينكاس، الذي عمل مستشاراً لإيهود باراك وشمعون بيريس، رفض المعارضة التعاون مع الأحزاب العربية بأنه «قصير النظر ومتهور».
يستند في حجته إلى نقطتين: على المستوى الحسابي، آيزنكوت، إما يشكل ائتلافاً مع الأحزاب العربية، أو يشكل حكومة أقلية تعتمد على دعمها الخارجي؛ على المستوى المبدئي، دحض الحجة القائلة بأن «الاعتماد على الأحزاب العربية سيقوض الطابع اليهودي لإسرائيل».
وتساءل «لماذا لا ينطبق المنطق ذاته على الأحزاب اليهودية الأرثوذكسية المتطرفة، التي تصف نفسها بأنها غير صهيونية»؟ تقييمه لقدرة نتنياهو على تشكيل الحكومة قاطع: «السيد نتنياهو لا يستطيع، أكرر، لا يستطيع تشكيل حكومة».
أربعة سيناريوهات
وثمة 4 سيناريوهات تلوح في الأفق:
– حكومة تغيير تعتمد على دعم خارجي من الأحزاب العربية (احتمال منخفض). 48 مقعداً لمعسكر آيزنكوت + 19 مقعداً عربياً = 67 مقعداً، وهو المسار الوحيد الحسابي القابل للحياة.
لكن بينيت وليبرمان يعارضان علناً أي حكومة «تعتمد على الأحزاب العربية»، وآيزنكوت نفسه يتردد في الترتيبات الرسمية.
إذا فُرض هذا السيناريو، فإنه سيواجه هجمات شرسة من ليكود بـ«نزع الشرعية»، وتكون حياة الحكومة هشة للغاية.
– حكومة وحدة وطنية (احتمال متوسط). حكومة تناوب مع نتنياهو أولاً ثم آيزنكوت، على غرار سابقة 2020 بين نتنياهو وغانتس. هذا المسار يتجنب «تابو» الاعتماد على العرب، لكنه يتطلب من آيزنكوت التخلي عن وعده الانتخابي الأساسي «إسقاط نتنياهو»، ما قد يؤدي إلى انشقاق داخل معسكره. موقف ليبرمان (فقط من دون نتنياهو شخصياً) يعقد الأمر أكثر.
– «سيناريو الظل»… حرب برلمانية من دون تشكيل حكومة (احتمال مرتفع نسبياً، كما يرجح دياب). رغم عدم تشكيل حكومة، إلا أن أغلبية 67 مقعداً يمكن أن تعمل في الكنيست: تغيير رئيس الكنيست، إلغاء قوانين التعديلات القضائية، إنشاء لجنة تحقيق في 7 أكتوبر، وعرقلة التشريعات الرئيسية لنتنياهو. يستمر نتنياهو كرئيس لحكومة تصريف أعمال لكنه محاصر برلمانياً.
– انتخابات جديدة (احتمال مرتفع، كما يرجح خوري). إذا لم يتمكن أي طرف من تشكيل حكومة خلال 42 يوماً، أو إذا فشل الكنيست في إيجاد أغلبية خلال 21 يوماً، فسيتم حل الكنيست تلقائياً وتُجرى انتخابات جديدة خلال نحو 90 يوماً.
مخاطر هذا السيناريو بالنسبة لمعسكر التغيير: قد لا يستمر الحماس الانتخابي للعرب؛ بالنسبة لنتنياهو: استمرار حكومة تصريف الأعمال لفترة أطول، لكنه يخاطر أيضاً بخسارة مقاعد.
– التقييم الشامل: القوة العددية للعرب (19 مقعداً) غيّرت قواعد اللعبة، لكن «الخط الأحمر الصهيوني» تجاه الأحزاب العربية لم يتحرك. المأزق الحقيقي ليس في الأرقام، بل في أن قادة المعارضة يفضلون الحفاظ على «النقاء الصهيوني» على الإطاحة بنتنياهو. كما قال بينكاس، لا يمكن «إبقاء العرب خارجاً، واستدعاؤهم فقط عند الحاجة لأصواتهم».
في المرحلة المقابلة، الاحتمال الأكبر هو صراع برلماني مفتوح حول «تفسير الأرقام»، وليس حكماً نهائياً عليها.
