– نشر 6 ألوية عسكرية على حدود القطاع تمهيداً لاستئناف الحرب
على وقع خرق يومي لاتفاق وقف إطلاق النار، تشهد الساحة الفلسطينية تحركات عسكرية إسرائيلية مكثفة ومتسارعة تنذر باجتياح واسع النطاق لقطاع غزة، حيث وصلت الاستعدادات إلى ذروتها بنشر 6 ألوية عسكرية على الحدود، وسط أنباء عن خطط لاقتحام مدينة غزة نفسها تتطلب تعبئة ربع مليون جندي احتياط.
ورغم سريان «اتفاق وقف إطلاق النار»، يواصل جيش الاحتلال خروقاته لليوم الـ220 على التوالي، ما أدى إلى استشهاد 871 فلسطينياً وإصابة 2562 آخرين منذ أكتوبر الماضي.
حشود غير مسبوقة
وتشير المعطيات العسكرية إلى أن إسرائيل تنتقل من مرحلة ما يسمى بـ«الردع» إلى مرحلة «الحسم العسكري» عبر ثلاث مراحل متوازية:
1 – نقاط عسكرية دائمة وتحويل «المنطقة العازلة»
كشفت مصادر عسكرية أن الجيش يحول مواقعه من نقاط دفاع موقتة إلى معاقل دائمة ومحصنة، تتمركز بشكل رئيسي في «المنطقة العازلة» على طول «الخط الأصفر».
وتم بناء عشرات النقاط العسكرية الثابتة خلال الأشهر الأخيرة، بهدف إنشاء «منطقة أمنية» مستقرة تسمح للجيش بشن توغلات سريعة عند الحاجة.
ويتزامن هذا مع توسيع نطاق السيطرة البرية، حيث تسيطر إسرائيل حالياً على أكثر من 60 في المئة من مساحة القطاع، بما في ذلك محور فيلادلفيا.
2 – نظام احتياطي منهار وخطط لاجتياح مدينة غزة
في تطور خطير، كشف موقع «ميليتارني» العسكري نقلاً عن قناة N12 الإسرائيلية أن جيش الاحتلال يستعد لخطة لاقتحام مدينة غزة تتطلب:
– تعبئة 250 ألف جندي احتياطي.
– إجلاء ما بين 800 ألف ومليون مدني من منطقة العمليات إلى «المنطقة الإنسانية» في المواصي.
– تطويق المدينة، وإقامة مناطق إنسانية ونقاط توزيع طعام، تمهيداً لاقتحامها.
لكن هذه الخطة تواجه معارضة داخلية، حيث أعرب رئيس الأركان إيال زامير، عن تخوفه من «الفخاخ» التي نصبها مقاتلو حركة «حماس» في الأنفاق، مشيراً إلى حاجة القوات للراحة.
أما المشكلة الأكبر، فهي رفض الاحتياطيين العودة للقتال. فقد صرّح العديد من الجنود لصحيفة «وول ستريت جورنال» بأنهم لن يعودوا إلى غزة، في ظل استنزاف طويل الأمد للحرب على جبهات عدة (غزة، لبنان، سوريا، والضفة الغربية المحتلة)، بينما تشير استطلاعات الرأي إلى أن 79 في المئة من الإسرائيليين يعتبرون إنهاء الحرب في غزة، المهمة الوطنية الأكثر إلحاحاً.
3 – نشر ستة ألوية وإعادة تموضع إستراتيجي
أكدت مصادر إعلامية عبرية أن الجيش ينشر حالياً ستة ألوية عسكرية داخل غزة، في دلالة واضحة على نيته البقاء لفترات طويلة داخل حدود القطاع. ومن المتوقع أن يدخل لواء المظليين القطاع خلال الأيام المقبلة ليحل محل أحد ألوية الاحتياط.
هذا الحشد، الذي يضم لواء 205 الذي أنهى للتو جولة قتالية استمرت شهرين في جنوب القطاع وجنوب لبنان، لا يهدف فقط للسيطرة، بل لإعادة تشكيل الواقع الميداني تمهيداً لمرحلة ما بعد الحرب، والتي قد تشمل إعادة بناء المستوطنات في غزة، كما يطالب وزراء اليمين المتطرف.
اغتيال قادة «حماس» لا يضمن النصر
في تحليل معمق نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، يرى الخبير العسكري ميخائيل ميلشتاين، أن اغتيال القائد العام السابق لـ «كتائب القسام» عزالدين الحداد (أبوصهيب)، رغم كونه «ضربة موجعة» للحركة، إلا أنه «لا يؤدي في أي حال من الأحوال إلى نتيجة حاسمة».
ويشير إلى أن «عمليات الاغتيال لم تؤدِ أبداً إلى انهيار تنظيمي أو انشقاقات جماعية»، محذراً من أن إسرائيل تتجاهل درساً مهماً: «الأعداء لا يُقضى عليهم، والمعارك الخاطفة تحولت إلى حروب استنزاف».
ويضيف أن اغتيال الحداد، الذي كان قد عُيّن رئيساً للذراع العسكرية بعد اغتيال محمد السنوار، في منتصف 2025، لن يُسهّل المفاوضات في شأن نزع السلاح، لأن «حماس تريد تنفيذ المرحلتين الأولى والثانية من الاتفاق ثم بناء الثقة وبعدها تسليم السلاح لجهة عربية أو فلسطينية»، وهي«مستعدة في أفضل الأحوال للتخلي عن الأسلحة الثقيلة فقط».
ويخلص إلى أن إسرائيل تواجه«المفترق الإستراتيجي نفسه مع لبنان حيث لا يوجد سوى خيارات سيئة».
تعافٍ عسكري وسياسي
على الجانب الآخر، تؤكد مصادر أمنية واستخباراتية إسرائيلية وأجنبية أن حماس متوجسة ولا تثق بالهدنة«الهشة»وتستعد وتعمل لإعادة بناء قدراتها العسكرية والتنظيمية بشكل مذهل.
وفقاً لتقرير صادر عن«معهد أميت للمعلومات والاستخبارات»، والذي حلله إيغال شيري، فإن«حماس»تعمل على:
– تجنيد آلاف المقاتلين الجدد وتدريبهم، والاعتماد على تصنيع أسلحة محلياً باستخدام ذخائر إسرائيلية غير منفجرة.
– تهريب الأسلحة عبر طائرات مسيّرة.
– إعادة تأهيل البنية التحتية للأنفاق، والتي لاتزال تشكل«الرئة»التي تتنفس منها، لتمكين تحرك المقاتلين والإمدادات بعيداً عن مرأى الطيران.
وقال الخبير العسكري إن«حماس تغير من تكتيكاتها في غزة – أسلوب حرب العصابات اللامركزي – وحوّلت إستراتيجيتها إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، باستخدام العبوات الناسفة محلية الصنع والكمائن، ما يستنزف القوات الإسرائيلية».
وأوضح«موقف حماس قوي، تتمسك بموقف صارم».
فقد نفى الناطق باسمها حازم قاسم، صحة التقارير التي تتحدث عن إعادة بناء قدراتها العسكرية، مؤكداً التزام الحركة الاتفاق وتريد تنفيذ كل استحقاقات المرحلتين الأولى والثانية والتي من ضمنها ترتيب وضع السلاح.
لكن تصريحات القادة الآخرين ترسم صورة مختلفة. وصرح القيادي محمود الزهار، وآخرون أن«سلاح المقاومة خط أحمر»، وهو«شأن فلسطيني داخلي»لحماية الشعب من«الاحتلال».
وقد رفضت الحركة مقترح نزع السلاح في المقدمة من دون ضمانات بوقف الاغتيالات ووقف قتل المدنيين وانسحاب جيش الاحتلال، وقدمت باقتراح«هدنة طويلة الأمد»لبناء ثقة ودخول اللجنة الفلسطينية الدولية لإدارة القطاع.
وحتى اللجنة الفنية (لجنة إدارة غزة) التي يفترض أن تحل محل حكم حماس لم تسمح قوات الاحتلال لها بدخول القطاع بعد، ما ترك فراغاً دفع الحركة لتعزيز تواجدها لمنع الفوضى وإدارة شؤون الناس بقبضتها الأمنية والمدنية، بما في ذلك ملاحقة«العملاء»وقتلهم، كما أظهر توثيق لوحدات الأمن التابعة لها.
السيناريوهات والتوقعات
يجمع المحللون السياسيون على أن إسرائيل تتجه نحو«عمل عسكري حاسم»، لكنهم يختلفون حول شكله وتوقيته:
– سيناريو الضربات الانتقائية
يرجح الدكتور أحمد رفيق عوض، أن أي تصعيد قد لا يكون حرباً شاملة كالسابق، بل«ضربات انتقائية سريعة»تهدف لتحقيق«انتصار سياسي»لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، قبل الانتخابات، مع استمرار السيطرة على المعابر وخنق المساعدات (انخفاض عدد الشاحنات من 600 إلى أقل من 50 يومياً).
– سيناريو الحرب الشاملة والتهجير
يحذر الكاتب طلال عوكال من أن«نتنياهو، يتبنى سياسة الحرب الدائمة».
ويرى أن الاحتلال يعمل على تطبيق خطة تهدف إلى«فرض السيطرة الكاملة على القطاع»، وربما تهجير السكان، مستغلاً«التواطؤ الأميركي»وانشغال العالم بأزمات أخرى.
غزة على حافة الهاوية
تستعد إسرائيل عسكرياً لاجتياح واسع وغير مسبوق للقطاع، سواء من خلال السيطرة التدريجية عبر نقاط عسكرية دائمة، أو من خلال خطة عنصرية لاقتحام مدينة غزة. لكن هذه الاستعدادات تصطدم بواقع ميداني معقد وقدرات غير متوفرة الآن:
– المقاومة لم تنهار، بل أعادت تنظيم صفوفها وإستراتيجياتها القتالية.
– الجيش الإسرائيلي يعاني من أزمة قوى بشرية واحتياط.
– المجتمع الإسرائيلي منقسم في شأن استمرار الحرب.
– الوضع الإنساني في غزة ينهار بسرعة، مما يضغط دولياً لوقف التصعيد.
المعضلة الإسرائيلية الحقيقية، كما يصفها ميلشتاين، هي أنه بين خيار الاحتلال الكامل (المكلف عسكرياً وسياسياً) وبين خيار تعزيز حكومة تكنوقراط، وحركة لاتزال حاضرة (وهو حل موقت)، لا يوجد«نصر مطلق».
تبقى غزة معلقة بين لحظة سياسية قد تنفرج أو حرب إبادة شاملة تعيد الكرة مرة أخرى إلى مربع الصفر.
