– ما يحدث في لبنان «جنون مطبق»
– الهدوء يساوي مفاوضات والمفاوضات تساوي تنازلات
هل يمكن أن تكون المذبحة لعبة، وتكون الأنقاض بطاقة اقتراع؟ في مسرحية السياسة الإسرائيلية الأخيرة، يتصدر قطاع غزة المشهد مجدداً، ليس كساحة قتال ضد «حماس»، بل كورقة رابحة في معركة وجود بنيامين نتنياهو، على كرسي الحكم.
فبينما تخفت أصوات المعارك مع إيران، يعود «الجرح الفلسطيني» ليكون محطة العبور الأخيرة نحو «النصر الوهمي». لكن السؤال الأعمق: هل ستكون هذه الحرب بمثابة «الكمبيوتر الساخر» الذي يعيد حسابات نتنياهو، أم أنها ستحول غزة إلى مقبرة لحلمه السياسي وإسرائيل في الآن ذاته؟
لماذا غزة الآن؟
بعد أن بدت المفاوضات مع إيران وكأنها تخرج من قبضة إسرائيل، وتوقفت حروب الاستنزاف في لبنان عند حدود «العبثية الإستراتيجية»، باتت غزة هي اللعبة الوحيدة المتبقية على الطاولة. هنا، يمكن صناعة «نصر» صوري، شريطة ألا تحرق الورقة بيد من يمسكها.
المحلل السياسي نداف أيال، يطرح سيناريو خطيراً: قرار شن حرب جديدة على غزة ليس عسكرياً، بل هو «استفتاء انتخابي» بامتياز. الحرب تعني تحويل الأنظار عن ملفات الإسكان والتجنيد الحريدي، وتجميد كل المشاكل الداخلية تحت وابل من القنابل. أما السلام، فسيُترجم في صورة «حماس تسيطر على غزة» في أكتوبر 2026…. أي فشل مدوٍ لنتنياهو.
السؤال الذي لا يجرؤ أحد على طرحه: ماذا يعني «النصر» هنا؟ هل هو تحرير الجنود الأسرى، أم احتلال كامل للقطاع مع حكومة عسكرية؟ الإجابة المستفزة أن «النصر» في غزة هو مجرد عنوان لفيلم رعب جديد لا نعرف نهايته.
جنون إعادة إنتاج العدو
من جانب ثانٍ، يصف المحلل العسكري ناحوم برنياع، ما يحدث في لبنان الآن، بأنه «جنون مطبق». ويتساءل بمرارة: هل نسينا أن تدمير منزل يعني خلق مئة مقاتل جديد؟ في حوار مكشوف مع مسؤول عسكري، اعترف الأخير بأن «ما يحدث مأساة»، لكنه يبرر بأن «الأسلحة كانت في كل منزل».
برنياع، يرد عليه بمقولة أينشتاين، الخالدة: «الجنون هو أن تفعل الشيء نفسه مراراً وتتوقع نتائج مختلفة».
لكن الخطر الأكبر يكمن في النتيجة الحتمية: ما يزيد على المليون لبناني، وإهالي شمال غزة الذين شُرّدوا، عندما يعودون ليروا أنقاض بيوتهم، لن يخرجوا حاملين الزهور للجيش الإسرائيلي، بل سينضمون إلى صفوف المقاومة.
وهذا ما يُسمى في الإستراتيجية العسكرية بـ «بناء العدو بأيدينا». الاستخبارات تعرف لون سرير كل قائد، لكنها جاهلة تماماً كيف تفهم نقاط قوة الخصم وقدرته على الصمود.
«الدولة العميقة» اليمينية
ليست كل الحروب في غزة ولبنان مجرد ردود فعل. المحلل ران أدليست يكشف عن اللعبة الخفية: حروب اليوم هي مجرد «عنزات» تُقدَّم لتبقي على الأساس – وهو البقاء الاستيطاني في الضفة الغربية.
هذه ليست حروب دفاع، بل هي حرب استنزاف ممنهجة هدفها:
– إبقاء الحدود مشتعلة: لأن الهدوء يساوي مفاوضات، والمفاوضات تساوي تنازلات عن الجنوب والجولان والقدس.
– تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي: تحت غطاء «الأمن»، يتم التحكم بـ 58 % من غزة، وخلق خطوط صفراء جديدة.
– إيهام الإسرائيليين بأن «النصر» ممكن، بينما الحقيقة أن الجيش يتخبط في مستنقع لا حدود له.
النتيجة النهائية التي يرفض صناع القرار رؤيتها: ان إسرائيل اليوم، في سعيها المحموم لإنقاذ نتنياهو، أو تحقيق «نصر» تلفزيوني في غزة، ترتكب خطيئة إستراتيجية قاتلة.
لا تستطيع إخفاء أعدائها من الوجود، ولا محو عدائهم، لأنها بممارساتها – التدمير الشامل والاغتيالات والاحتلال الموقت – تخلق جيلاً جديداً من الأعداء، وتعمق عزلتها الدولية، وتتحول من دولة رادعة إلى «لعبة كمبيوتر ساخرة» يتحكم بها جنون التكرار.
غزة ليست ساحة معركة؛ إنها فخ انتخابي ومرآة تعكس أزمة وجود إسرائيلية حقيقية. فإما أن تتوقف هذه الحماقة الإستراتيجية، وإما أن تشتعل المنطقة بأكملها، ليكتشف الجميع أن الحرب لعبة لا يربحها أحد، خصوصاً حين تكون رهانها كرسي رئيس وزراء متزعزع.
