لبنان المُصاب بـ «عمى الألوان»… أسير صناديق الاقتراع من تل أبيب إلى واشنطن


الانتخاباتُ في إسرائيل، وكأنها للبنان. لقاءُ دول اتفاق مكة وإيران في طهران، وكأنّه عن لبنان… هكذا بدت بيروت اليوم الاثنين، وهي ترصد باهتمامٍ بالغٍ العدَّ التنازلي الفاصل عن فتْح صناديق اقتراعٍ ستحدّد مصير بنيامين نتنياهو كرئيس للوزراء ومسار الجبهة مع «حزب الله»، ومآل الاجتماع السعودي – التركي – الباكستاني مع قيادة «الجمهورية الإسلامية» بوصْفه البابَ الأخير لبلوغِ تفاهماتٍ تُجَنِّبُ المنطقةَ فتْح بواباتِ «الحرب الأخيرة» التي كانت واشنطن تطلق إشاراتِ الجهوزية لها «ولا يبقى إلا الضغط على الزر».

انتخاباتُ الكنيست

ولليوم الثالث تَراجَعَ دويُّ الملفات الداخلية بما في ذلك ذات الصلة بجبهة لبنان، عسكرياً ودبلوماسياً، تحت وطأةِ «هديرِ» أمّ المواجهات التي تَقرع واشنطن طبولَها مع إيران والتي تُسابِق ما بدا آخِر محاولاتِ تَفاديها من خلال اجتماع دول اتفاق مكة مع المسؤولين الإيرانيين في طهران اليوم الاثنين، وتَرَقُّب ما ستحمله انتخاباتُ الكنيست الإسرائيلي اليوم وما سيَليها دستورياً، وذلك قبل أسبوع من موعد الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة في 3 نوفمبر والتي لا تقلّ أهمية بالنسبة الى بيروت.

وما يَجْمع بين هذه المحطات الثلاث أنها تتقاطع في تأثيراتها المحتمَلة على «اتجاهات النار» في المنطقة وعلى جبهة لبنان، بحيث إنّ نجاةَ الإقليم من الانفجار الكبير أو انزلاقه إليه سيرتّب انعكاساتٍ مباشرةً على «بلاد الأرز» التي تغرق في بحر من الأسئلةِ التي لا تملك الأجوبة عنها، حتى تلك المتعلقة بما يُعتبر «سؤال المليون دولار»: هل يَبقى «حزب الله» خارج الحرب إذا اندلعت على جبهة إيران أم يكرر الانخراط فيها على ما فعل في 2 مارس الماضي؟.

والمفارقةُ الأبرز التي طبعتْ المشهد اللبناني تمثّلت في الخشيةِ من أن يكون طيُّ سيناريو وقوع ضربة على إيران قبل انتخابات الكنيست مجرّد تعليقٍ لهذا الاحتمال، ما لم تنجح القنواتُ الدبلوماسية التي تم تفعيلُها في ما بدا «ربع الساعة الأخير» قبل تحديد الخيارات العسكرية «يا أبيض يا أسود»، في إحداث خَرْقٍ يَمنع الأسوأ، وسط اعتقادٍ أنه بمعزل عن عودة بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة أو فوز المعارضة، فإنّ المخاطر الأعلى ستبقى كامنة في مرحلةٍ انتقاليةٍ شديدة الحساسية.

وفي رأي أوساط سياسية أنّ خسارة نتنياهو وتَسَلُّم المعارضة مَقاليد السلطة في إسرائيل لن يبدّل كثيراً في «المتوقَّع» على جبهة لبنان، إذا تم الحؤولُ دون تحوُّل العاصفة الحالية في المنطقة إلى «إعصار نار»، بحيث إنّ أمن الدولة العبرية وسحْب سلاح «حزب الله» هما عنوانان عابران للاصطفافات السياسية في تل أبيب، وأن سلامة مستوطنات الشمال وسكانها تبقى مسألة حاكمة لأداء نتنياهو وأياً كان مَن يمكن أن يخلفه، وإن بأدواتٍ قد تكون مختلفة لبلوغ الأهداف… نفسها.

«سوء تقدير»

وإذ تُبْدي الأوساط خشيةً من أن تتسبّب خسارةُ نتنياهو، إذا حصلتْ، بـ «سوء تقدير» لدى إيران و«حزب الله» بحيث يتم التعاطي مع الأمر على أنه يتيح للأولى استعادة هوامش المناورة في الإقليم وللثاني في لبنان، تلفت إلى أنه بعد انتخابات الكنيست، خصوصاً إذا لم يَفُز بها نتنياهو، ترتسم فترةٌ انتقالية حساسة جداً، تَبرز مخاوف من أن يتم استغلالها على المستوى العسكري سواء لـ «إنهاء مَهمةٍ» قبل انتقال السلطة رسمياً إلى «الخَلف» أو لمحاولة فرض شكل الحكومة الاسرائيلية الجديدة وجعل الميدان يشكّل توازناتها.

ولم يكن عابراً انشغالُ الدوائر المراقبة في بيروت في التحرّي عن «اليوم التالي» لانتخابات الكنيست، وسط تقديراتٍ بأنّ فترة الأسبوعين الفاصلة عن أداء أعضاء الكنيست اليمين الدستورية قد تكون حبْلى بخطرِ تفعيل الجبهة عسكرياً مع إيران أو «حزب الله» بهدف فرْضِ تشكيل حكومة طوارئ على شاكلة ما حصل في اكتوبر 2023، أو حكومة وحدة وطنية قبيل اندلاع «حرب الأيام الستة» (يونيو 1967) وذلك يما يتيح لنتنياهو «إطالة عمره السياسي».

ولا يقلّ خطورةً السيناريو المتمثل في إمكان خوض مثل هذه الحرب بعد أداء الكنيست الجديد اليمين وفي الوقت الذي تَجري فيه عملية تشكيل الحكومة الجديدة عبر المرشح المكلف والتي يمكن أن تمتد أسابيع، علماً أن ما يعزز واقعية هذين السيناريوين أن حكومات تصريف الأعمال في اسرائيل غير مقيّدة في قرارات الحرب وإن من بابٍ دفاعي، نظرياً، وأن الفترة الممتدّة بين حصول الانتخابات واكتمال آليات الرقابة من الكنيست على الحكومة ليست قصيرة بما يجعل هذه الحكومات خارج «العين» الرقابية.

وما يضيف طَبَقةً من القلق أن الانتخابات النصفية الأميركية تحمل بدورها مرحلةً انتقاليةً لا تقلّ دقة، بحيث أن ترجمة نتائج صناديق 3 نوفمبر لن يكون إلا في 3 يناير المقبل (حين يبدأ الكونغرس المنتخب أعماله وتنتقل السلطة التشريعية رسمياً)، وأن خسارة الحزب الجمهوري الغالبية في غرفتي الكونغرس (مجلس النواب ومجلس الشيوخ) قد تجعل إدارة الرئيس دونالد ترامب متحررة من ضغط صناديق الاقتراع في سياق تحديدِ خياراتها تجاه إيران وتالياً يسرّع في ضربها ما لم تكن حصلت اختراقات دبلوماسية قبْل 3 نوفمبر.

«عمى ألوان»

وعلى وهج هذه المخاوف، بقيت بيروت وكأنها في «عمى ألوان» في ما خص «قرار» حزب الله بإزاء انغماسٍ جديد في حرب إسنادٍ لإيران أو امتناعٍ عن ذلك، وسط إشارات متناقضة من الحزب في هذا السياق.

وإذ نقلت «رويترز» عن مصادر «ان حزب الله يستعد لحرب إقليمية جديدة بتمويل من إيران»، أكد نائب الحزب حسن فضل الله أن «المقاومة في لبنان حالة دفاعيَّة عن بلدها، وقضيَّتها اليوم هي العمل على تحرير الأرض وعودة الأهالي وإطلاق الأسرى وإعادة الإعمار، وقرارها لبنانيّ تأخذه قيادتها، ولا أحد في الخارج ولا في الداخل يمليه عليها»، وقال: «البعض في لبنان يروّج دائماً لمقولة أن المقاومة تأخذ القرارات المتعلقة بالمواجهة مع العدو بناء على طلبات خارجية، وهذا فيه استخفاف بعقول الناس. وبمعزل عن التسريبات التي تتناول موقفنا وما هو صحيح أو غير صحيح، فإنّ هذا الموقف نابع من إرادتنا وتقديرنا وتشخيصنا للمصلحة الوطنية، وتعلنه قيادة المقاومة في وقته، ولكن كلّه تحت سقف القضية التي نقاتل من أجلها، والجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تطلب منّا في السابق ولا اليوم أن نساندها في مواجهة العدوان الأميركي الإسرائيلي، بل على العكس تماماً، فإننا عندما نلتقي بالمسؤولين الإيرانيين، يسألون عمّا نريد وما هي مصلحتنا ومصلحة لبنان من أجل دعمنا، وهذا يعني أننا نحن من نستند إلى إيران وقوتها، وإلى المعادلة التي تريد أن تكرّسها من أجل مساعدتنا على تحرير بلدنا من الاحتلال الإسرائيلي».





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *