– كاتس: لن يبقى أي حساب مفتوح
– «الخارجية» الأميركية عن قاسم: المفارقة أن يلقّننا درساً حول السيادة والاستسلام رجلٌ يتلقّى أوامره من مشغّليه الإيرانيين
هل تحاول واشنطن أن تُمْسِك بالعصا من الوسط، بوصفها الوسيط بين بيروت وتل أبيب وعرّابة مفاوضاتهما بحيث تدير تعقيدات هذا المسار بما يكرّس ثوابتها بإزاء «حتمية» نزع سلاح حزب الله وتفكيكه في إطار الانسحاب الإسرائيلي التدريجي ومن ضمن آليةِ تَحَقُّقٍ لا تحتمل التأويل، وفي الوقت نفسه بما يَحتوي جنوح بنيامين نتنياهو، نحو خوض انتخابات الكنيست في أكتوبر بحملاتٍ «بالمرقّط»؟
هذا السؤال فَرَضَ نفسه في بيروت في ضوء الموقف الشديد الوضوح الذي عمّمتْه وزارة الخارجية الأميركية على وسائل الإعلام اللبنانية والعربية عن لسان متحدث باسمها بعد ساعاتٍ من الانزلاق الأخطر لجبهة جنوب لبنان نحو تصعيدٍ هو الأخطر منذ أشهر قامت به إسرائيل حيث نفّذت السبت غاراتٍ خارج «المنطقة الأمنية» قتلت فيها 11 مواطناً وجرحت 19 آخرين بينهم قائد في وحدة «بدر» (أبوحسن علاء) وآخر في «قوات الرضوان» (علي سمير الحاج حسن) التابعتين للحزب الذي اتّهمته تل أبيب بخرق وقف النار واستهداف قوات لها في محيط مرتفعات علي الطاهر حيث أصيب 3 جنود بجروح خطيرة.
نزع السلاح
فقد قال الناطق باسم الخارجية الأميركية تعليقاً على الاعتداءات الإسرائيلية وتصريحات الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم والتي ضمّنها هجوماً قديماً جديداً على المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية والمناطق التجريبية الواردة في «الاتفاق الإطار» الموقّع بين البلدين ومعها الولايات المتحدة، وتهديده بتغيير المعادلة في الداخل اللبناني «بانفجار غضبٍ آتٍ»: «لايزال مسار المناطق التجريبية الطريق الوحيد القابل للتطبيق لتحقيق السلام والأمن على المدى الطويل للبنان وإسرائيل. ونتطلع إلى استكمال الجيش اللبناني عمليات التطهير في المناطق التجريبية الأولى، وبعد التحقق من إنجازها، سيجري توسيع هذه العملية. ويشكّل نزع سلاح حزب الله جزءاً لا يتجزأ من هذه العملية».
وأضاف «ستواصل الولايات المتحدة دعم الإطار الثلاثي، بما يتماشى مع مصلحتنا في تحقيق الاستقرار الإقليمي، ومنع اندلاع مزيد من النزاعات، ومع أجندة الرئيس دونالد ترامب، الهادفة إلى تعزيز السلام بين الدول».
وتابع «كان حزب الله العقبة الأساسية أمام التعافي الاقتصادي للبنان، والوصمة الوحيدة على سمعته الدولية، والتهديد الأكبر لأمن لبنان واستقراره. كما يتحمّل وحده المسؤولية عن الوجود الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية. ولهذا السبب تحديداً، يجب نزع سلاح حزب الله وتفكيكه».
وأشار إلى أنّ واشنطن اطّلعت على أحدث تصريحات قاسم، وردّ قائلاً «المفارقة أن يلقّننا درساً حول السيادة والاستسلام، رجلٌ يتلقّى أوامره من مشغّليه الإيرانيين، ويدير منظمة إرهابية أمضت عقوداً في تحويل لبنان إلى قاعدة عمليات متقدمة لإيران».
وسرعان ما تحوّل هذا الموقف الأميركي محطّ تدقيق في بيروت وقراءة بين سطوره، كونه أتى في غمرة مساعي واشنطن المستمرة لبلوغ تفاهماتٍ حول «المناطق التجريبية» وتثبيت خرائطها و«حدودها» الواردة في «رسمٍ تشبيهي»، والأهمّ إنجاز التوافق على آلية تَحَقُّق من الانسحاب الإسرائيلي من كل «تجريبية» ومن انتشار الجيش اللبناني داخلها وتفكيكه اي بنية عسكرية لحزب الله فيها ومنعه من العودة إليها، وهو ما ينتظر توحيد الرؤى حيال الجهة الثالثة التي ستتولى هذه المهمة (واشنطن لا تريد أي حضور عسكري ميداني لها) والدول الأخرى التي ستشارك في عملية الرقابة (أوروبية وآسيوية على الأرجح)، كما ترسيمات البحث والتحري وخصوصاً لجهة تفتيش الأملاك الخاصة والمنازل وحتى تعريفات «بنى الحزب» وهل تُعتبر المؤسسات ذات الطابع الصحي والاجتماعي والمالي من ضمنها.
وفي الوقت الذي لم يتم بعد تحديد موعد رسمي لاستئناف الجولة الثامنة من المفاوضات (مفترضة أوائل سبتمبر في روما للمرة الثالثة على التوالي) وسط رصْد لتداعيات هبّة «السبت الناري» عليها وهل تكون بمثابة «عاصفة ومرّت» أم مقدّمة لجولاتٍ جديدة من التصعيد، فإن كلام الناطق الأميركي حمل تأكيداً جديداً على أن «النظام التشغيلي» للمناطق التجريبية يعمل وفق تراتبية «التحقق أولاً» داخل المنطقة الأولى (زوطر الغربية فرون وصريفا) التي بدأ العمل فيها قبل 27 يوماً ثم توسيعها أي الانتقال الى نطاق ثانٍ ثم ثالث و… كما انطوى من خلال معادلةٍ فحواها ان «الوجود الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية سببه سلاح حزب الله» على ترسيخٍ لِما كان السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، قاله الجمعة عن أنه عندما يتم تسليم سلاح الحزب «يتوقف كل شيء» (تنتهي الحرب)، أي عملياً تكريس «ربط النزاع» بين الانسحاب وسحب السلاح.
ورأت أوساط سياسية أن موقف الخارجية الأميركية، التي شكل رأسُها أي الوزير ماركو روبيو، الرافعة الرئيسية لمسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل قبل أن يتبناه الرئيس دونالد ترامب، شخصياً، يعكس واقعياً قبولاً أو تفهُّماً لسردية تل أبيب حول التصعيد الأخير وظروف سقوط مدنيين، وهو ما برره بيان نتنياهو، بأن «الجيش لم يعلم إلا في وقت لاحق أن حزب الله تعمّد وضع مدنيين داخل مقر القيادة التابع له واستخدمهم دروعاً بشرية».
لكن الأوساط اعتبرت أن هذا التفّهم لا يعني بالضرورة غطاءً لمزيد من التصعيد بمقدار ما أنه على طريقةِ «تسليف» تل أبيب موقفاً أو ترضيتها لقاء كبْحها عن أي خروج عن الضوابط في ما خص جبهة لبنان وتالياً تفادي كل ما من شأنه التخريب على مسار المفاوضات أو تطييرها، وهو ما تدركه إسرائيل التي تمتنع عن أي استهدافات للحزب في الضاحية الجنوبية لبيروت مثلاً.
كما أن الأوساط نفسها رأت أن طبيعة الموقف الأميركي الذي عبّر عنه الناطق يؤشر الى رغبةٍ في تثبيت رسم «الأرض التي تقف عليها» واشنطن في ما خص جبهة لبنان وتوجيه رسالةً برسْم تهديد قاسم للداخل اللبناني والذي بدا وكأنه ربْطٌ مع طلائع «عقيدة تحركٍ» موحّدة لأذرع إيران في المنطقة بنى من خلاله الحزب «توازياً» – وإن مع وقف التنفيذ – مع سلوك الحوثيين داخل اليمن.
وإذ حسمت واشنطن أن ملف السلاح ونزْعه يشكل ركيزة لمسار الحل على جبهة لبنان، فإنّ هذا الأمر اكتسب أبعاداً أعمق كونه سيضغط على السلطة اللبنانية، كما لِتزامُنه مع مناخاتٍ عن أن الحزب ومعه حركة «حماس» يعملان على زيادة مستوى الاحتكاك مع الجيش الإسرائيلي، «بتنسيق ومساعدة من إيران، في وقت تواجه إسرائيل قيوداً على حرية ردها بسبب الضغوط الأميركية المرتبطة بالمفاوضات مع لبنان» كما نشر موقع «واللا» العبري.
وقد تقاطع ذلك مع أجواء قريبين من المحور الإيراني عن أن طهران لن تسلّم بأي عملية ضد موقع علي الطاهر وبنيته التحتية حيث توجد منشأة إستراتيجية للحزب وأنها ستتولى الردّ على إسرائيل في هذه الحال مستفيدة من تقييد ترامب لنتنياهو، وعدم رغبة الأول في قفل «النوافذ» التي قد توصل الى اختراقاتٍ دبلوماسية يحتاج إليها، في لبنان وغزة، لتعويض الأفق المسدود حتى الساعة على جبهة إيران.
«الضرب بقوة»
وفي حين لم يُعرف إذا كانت القيود الأميركية على نتنياهو، ستمنعه من محاولة الإطباق على موقع علي الطاهر بالقوة ليكون ذلك «ثمن» تراجعه بعدها نحو التزام جدي بوقف النار وأعمال الحرق والتجريف والتدمير داخل المنطقة الأمنية، أم أنه قد يضطر إلى استمرار محاصرة الموقع حتى «استسلام» عشرات عناصر حزب الله والحرس الثوري في بنيته السفلية، هدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، بـ«الضرب بقوة» بعد التصعيد الكبير في جنوب لبنان.
وكتب على منصة «إكس»: «لن يبقى أي حساب مفتوحاً في أي ساحة. سنضرب بقوة دفاعاً عن جنودنا ومواطنينا».
أما وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، فقال «آمل أن نكون مقبلين على تصعيد مع لبنان ويجب وقف لعبة القط والفأر وسحقهم أيضا في بيروت».
في المقابل، وعلى وقع غارات عنيفة أشبه بحزام ناري نفذها الطيران الإسرائيلي على علي الطاهر ومحيطها وتفجيرات عنيفة في عدة بلدات جنوبية، وتحليق «المسيّر» فوق الضاحية الجنوبية لبيروت و«الحربي» فوق أكثر من منطقة لبنان، لم يكن ممكناً الجزم بالخطوة التالية للحزب ومن خلفه إيران خصوصاً بعدما بدت مجاهرة رئيس مجلس الشورى الإيراني كبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، باستمرار التواصل المباشر مع عناصر «حزب الله» على الخطوط الأمامية في لبنان، بالتوازي مع تهديد قاسم بـ «برميل بارود الغضب»، وكأنها إعلان بأن طهران تُمْسِك بجبهة الجنوب عسكرياً والحزب بـ «الجبهة الداخلية»، بما يعمّق المخاوف من أن تكون المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية باتت بين مطرقة فتيل التصعيد القابل للإشعال من اتجاهين (إسرائيل وإيران) وسندان «ساعة التوقيت» التي أعلن الحزب وضْعها على «قنبلة الغضب» ولو على طريقة… «وبعدي الطوفان».
