لبنان في عين «النورماندي الاقتصادي» بوجه إيران


– الفاتيكان يعرب عن قلقه حيال تطبيق «اتفاق الإطار» بين لبنان وإسرائيل

فيما كانت المنطقة مشدودةً إلى «النورماندي الاقتصادي» الذي أعلنه الرئيس دونالد ترامب، بوجه إيران مستحضراً «يوم الصفر» التاريخيّ (6 يونيو 1944)، يزداد تَمَسُّك لبنان بما يَعتبر أنه «قارب النجاة» من أي عواصف جديدة في الإقليم الذي يشكّله مسارُ مفاوضاته المباشرة مع تل أبيب الذي ترعاه واشنطن ويواجه رياحاً معاكسة من اتجاهات عدة (إسرائيلية كما إيرانية) تَضعه على كفّ الانهيار «الممنوع» أميركياً.

وفي الوقت الذي بدا ترامب وكأنه قام بـ «نَقْلَةٍ» على جبهة إيران يَعتقد أنها على طريقة «كش ملك» ولو بعد حين، سواء تداعى معها الهيكل السياسي للنظام أو اضطُر للتسليم بشروط واشنطن في ما خص النووي ومضيق هرمز، فإنّ بيروت شدّت الأحزمةَ وهي ترصد كيف ستتكيّف طهران مع هذا المعطى الذي فَرَضَ معه الرئيس الأميركي قواعد لعبةٍ جديدة ساوى، في معرض التشدّد في تطبيقها، بين الجميع والذي يحرم «الجمهورية الاسلامية» واقعياً من أي «اوكسيجين احتياطي» يُعينها في كَسْر الحصار المطبَق.

وإذ يَرتبط لبنان بما سيكون على جبهة إيران عبر «التحكّم والسيطرة» اللذين تَملكهما على قرار الحرب فيه من خلال «حزب الله»، وسط خشية من أن تكون جبهة الجنوب جزءاً من أي إستراتيجيةِ «هروبٍ إلى الأمام» جديدة لطهران من سياسةِ «الخنْق» الاقتصادي نحو لفّ «حَبْلِ نارٍ» حول عنق المنطقة برمّتها، فإنّ مَسارَ التفاوض بين بيروت وتل أبيب والذي تَعتبره «بلاد الأرز» منصة إمساكِها بـ «قرار السلم» تَحوّل وفق أوساط مطلعة بمثابة درع واقية تتيح بالحدّ الأدنى أمرين:

– أن تمتص الدولةُ اللبنانية ومَرافقها ومؤسساتها «صدمة» أي انفجارٍ قد يَضغط الحزب على زرّه لاعتبارات إيرانية.

– والإبقاءَ على «جغرافية مفيدة» تشكّل أرضية لملاقاة ما بعد الحرب، وفي الوقت نفسه منْح واشنطن «حوافز» تسهّل الضغط الأميركي على إسرائيل للجْمها عن اندفاعةٍ تَحرق خريطة طريق «اليوم التالي» لبنانياً والتي تُرسَّم دبلوماسياً وصولاً لحلٍّ سلمي شامل.

من هنا يصبح مَفْهوماً، بحسب الأوساط المطلعة، سبب تَمَسُّك السلطة اللبنانية بمسار التفاوض رغم مشقّاته وتَكاتُف إسرائيل و«حزب الله»، كلٌّ لاعتباراته على تفخيخه، تل ابيب استئخاراً له بفعل تَعارُض مرتكزاته (الانسحاب التدريجي من الجنوب) مع اللحظة الانتخابية الحرجة لبنيامين نتنياهو ولتأكيد الربط مع السحب الكامل لسلاح الحزب من كل لبنان، والأخير في إطار الإصرار على «استئثار» إيران بالورقة اللبنانية سواء في أي مواجهةٍ على طريقة «وبعدي الطوفان» أو في أي مفاوضات جديدة مع واشنطن ستشكّل امتداداً لمذكّرة التفاهم (المعلَّقة) ولو «مطوَّرة».

عون في الفاتيكان

وفي وقت تُواصل واشنطن مَساعيها لتوفير ظروف انعقاد الجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في روما، بعدما أُقر مبدأ التئامها في سبتمبر، وسط تركيز على كيفية تدوير زوايا عقدة المناطق التجريبية التي لن يكون ممكناً توسيعها قبل إقرار آلية تحقُّق من الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني وسحْبه سلاح الحزب في كل رقعةٍ محرَّرة، فإنّ هذا الملف حَضَر في زيارة الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون، لإيطاليا حيث التقى الخميس البابا ليو الرابع عشر، على أن يجتمع الجمعة بنظيره الإيطالي سيرجيو ماتاريلا ورئيسة الوزراء جورجيا ميلوني.

واكتسبتْ هذه المحطة أهميتها لأنها تأتي على وقع تَزايُد المؤشرات إلى أن روما قد تضطلع بمَهمة بـ «قبّعتين» كمضيفةٍ للمفاوضات التنفيذية للاتفاق الإطار الموقّع بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة وكـ «زعيمة» للجنة التحقق متعددة الجنسية التي يُعمل عليها، إلى جانب الدور الوازن للفاتيكان ودبلوماسيته في دعْم موقف بيروت من وجوب التزام تل أبيب بمندرجات الاتفاق الإطار خصوصاً لجهة وقف النار وعمليات الحرق والجرف والتدمير في الجنوب.

وقد شكر عون، البابا خلال الخلوة التي عقدها معه «على كافة الجهود التي يبذلها لدعم لبنان لتحقيق مطالبه لإزالة الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية على أرضه، ودعاه إلى مواصلة دعمه لهذه المطالب، وعلى رأسها إلزام إسرائيل تنفيذ بنود صيغة الاطار، والوقف الفوري لاعتداءاتها على القرى والبنى التحتية في الجنوب وعلى المدنيين، وانسحابها الكامل من المناطق التي تحتلها تمهيداً لإعادة إعمار ما هدمته إسرائيل، وإعادة النازحين الى أرضهم وقراهم».

وأكد رئيس الجمهورية أن هذه الخطوات يجب أن تتزامن مع بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها وحصر قرار الحرب والسلم بيدها، كسبيل وحيد لتحقيق الأمن والاستقرار على الحدود.

وأفاد بيان صادر عن دار الصحافة التابعة للكرسي الرسولي بأن «المحادثات الودية ركّزت بشكل أساسي على«اتفاق الإطار الثلاثي»الرامي إلى تثبيت الحدود الجنوبية للجمهورية اللبنانية وتحقيق سلام عادل ودائم. وإذ أعرب الكرسي الرسولي عن ارتياحه لتوقيع هذه الوثيقة، أبدى في الوقت نفسه قلقاً جاداً في شأن الصعوبات التي تواجه تنفيذها، مؤكداً دعمه للجهود التي تُبذل في هذا الاتجاه».

«حزب الله»

في موازاة ذلك، كانت كتلة نواب «حزب الله» تصعّد بوجه «أركان السلطة» في لبنان، معتبرة «أن نهجهم وسلوكهم يغريان العدو بمواصلة احتلاله للبنان وممارسة التوحش والإبادة لإعدام الحياة في قراه الجنوبية بموافقة ودعم من الإدارة الأميركية المجرمة»، مجددة دعوة السلطة «لإعلان موت«الاتفاق الإطار»والانسحاب من المفاوضات وجولاتها المخزية».

أما نائب الحزب علي عمّار، فتوجّه إلى «أصحاب الفخامة والدولة»، داعياً إياهم «إلى توصيف المرحلة على حقيقة الوصف، وألاّ يهربوا من مسؤولياتهم، ويحاولوا الاحتماء بمن يظنون أن الاحتماء بهم هو حماية لهذا البلد، ولا سيما أن الأميركي والصهيوني لا يريدان خيراً لهذا البلد (…)».

وقال: «لا مقام ولا كرامة ولا عزّة لأي كان منصبه ورتبته ومقامه في الداخل إلّا بهذه المقاومة وسلاحها»، منبهاً «البعض في الداخل اللبناني إلى سياسات الولايات المتحدة التي لم تكن يوماً حريصة على كرامة الشعوب وسيادتها (…)».

وتم التعاطي مع بيان كتلة نواب الحزب وكلام عمار، خصوصاً إشارته الى «أصحاب الفخامة والدولة» (أي بالجمْع، وفي لبنان هذه الصفة تُستخدم فقط لرئيس الجمهورية ورئيسيْ الحكومة والبرلمان) على أنها بمثابة غَمْزٍ ضمني مما أعلنه رئيس البرلمان نبيه بري، الأربعاء، أمام وفد «مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان» مُناقِضاً كل مواقف الحزب، حيث «استنجد» واقعياً بالولايات المتحدة و«ائتَمَن» ترامب، بوصفه «الوحيد الذي باستطاعته إلزام إسرائيل إنهاء حربها ووقف النار والانسحاب إلى الحدود الدولية في الجنوب»، مغطّياً آلية «المناطق التجريبية» التي نُقل عنه «أنه يريد شخصياً أن يراها تنجح» وأنه مستعدّ للتحدث مع الحزب للقبول بأن ينتشر الجيش اللبناني في تلة علي الطاهر (شمال الليطاني) إذا جاهرتْ تل أبيب بالرغبة والموافقة على ذلك.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *