لبنان: لا تدخّل سورياً ولا تطيير للحكومة



لا يزال لبنان يترقب توقيع مذكرة التفاهم الإطارية بين طهران وواشنطن، لا سيما الصيغة التي ستُعتمد فيما يتعلق بالملف اللبناني، وسط رهان من حزب الله على أن تتمسك إيران بتثبيت وقف نار كامل يترافق مع انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان خلال مهلة الستين يوماً. 

إلا أن هذا الرهان يصطدم بوقائع ميدانية وسياسية توحي بأن إسرائيل غير معنية بالتقيد الكامل بأي تفاهم، وأنها ستسعى إلى الإبقاء على هامش واسع لمواصلة عملياتها العسكرية، في ظل نفي أميركي لتضمين المذكرة الإطارية أي نص واضح يربط وقف النار بانسحاب إسرائيلي من المناطق التي لا تزال تحتلها.

وفي وقت تستعد واشنطن لجولة جديدة من المفاوضات بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، بدأ الاهتمام الدولي بالملف اللبناني يستعيد زخمه تدريجياً، عبر سلسلة زيارات مرتقبة لوفود بريطانية وفرنسية وقطرية، بالتزامن مع الزيارة التي بدأها رئيس الحكومة نواف سلام لباريس أمس للقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حيث سيبحث معه سبل وقف الحرب الإسرائيلية، إضافة إلى مقترحات تتصل بنشر قوات دولية في الجنوب.

في المقابل، لا تزال تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن لبنان، لا سيما حديثه عن دفع سورية إلى التدخل، تتفاعل داخلياً وخارجياً، خصوصاً أنها المرة الخامسة التي يكشف فيها عن مطالبته الرئيس السوري أحمد الشرع بالتحرك ضد حزب الله.

وعندما يقول ترامب إن «الحرب في لبنان مسألة ثانوية» فهو يختصر إلى حد بعيد مقاربته للملف اللبناني، فالرجل يتعامل مع لبنان بوصفه تفصيلاً ضمن مشهد إقليمي أوسع، متجاوزاً الدولة اللبنانية نفسها، سواء حين يتحدث عن منح إسرائيل حرية مواصلة الحرب أو الضغط عليها لوقفها، أو عندما يكشف رغبته في دفع دمشق إلى التحرك ضد حزب الله، أو حتى عندما يلمّح إلى احتمال التواصل مع الحزب، بعدما كان قد أشار سابقاً إلى حصول اتصالات بالفعل.

وفي المؤشرات الثلاثة، تغيب الدولة اللبنانية تماماً عن خطاب ترامب، فهو يضغط على إسرائيل لوقف الحرب ليس حرصاً على لبنان، بل لتفادي تقويض الاتفاق مع إيران، أما لبنان نفسه فلا يبدو أن واشنطن تمانع في «تلزيمه» لدمشق أو تركه عرضة لمسار فوضوي قد يعيد إنتاج خطوط الانقسام السني ـ الشيعي في المنطقة.

وفي موازاة ذلك، تتكثف اتصالات إقليمية تضم باكستان والسعودية وإيران وقطر ومصر، لبحث إمكان توفير مظلة حماية سياسية وأمنية للبنان، ومعه سورية، عبر التوافق على مجموعة مبادئ أساسية، من بينها منع أي تدخّل سوري في الداخل اللبناني أو ضد أي طرف لبناني، بالتوازي مع العمل على بلورة مقاربة «واقعية ومقبولة» لمعالجة ملف سلاح حزب الله.

وتندرج في هذا الإطار اللقاءات التي جمعت في الأيام الماضية مسؤولين قطريين وسعوديين، لا سيما بين وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية محمد بن عبدالعزيز الخليفي، والموفد السعودي إلى لبنان يزيد بن فرحان، حيث تركز البحث على إمكان الوصول إلى تسوية سياسية لبنانية تحافظ على التوازنات الداخلية، وتطرح مقاربة تدريجية لمعالجة عقدة سلاح حزب الله، بما يحمي توازنات السلطة والدولة ومؤسساتها.

في هذا السياق، يجري التداول بطرحين أساسيين، الأول: الحفاظ على حكومة نواف سلام وتركيبة السلطة الحالية، مع احتمال إجراء تعديل وزاري محدود، والثاني: وضع خطة لحصر السلاح بيد الدولة، انطلاقاً من مبدأ «احتواء السلاح»، وفق المبادرة المصرية والنموذج الأيرلندي.

وفي خضم هذه التطورات، جدد رئيس الجمهورية جوزيف عون أمس تمسك الدولة اللبنانية بمسار تفاوضي مستقل، مؤكداً تقدير لبنان لأي دولة تساعد في تثبيت وقف النار، بما في ذلك إيران، لكنه شدد في المقابل على أن «التدخل في الشؤون الداخلية للبنان غير مسموح به».

وأكد عون أن «الدولة اللبنانية سيدة قرارها، ولأول مرة هي التي تقوم بالتفاوض، ولا أحد يفاوض عنها»، مضيفاً: «أطمئن اللبنانيين إلى أنه لا أحد يربطنا بأي دولة أخرى، وأي تسوية ستتم من خلالنا لا على حسابنا».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *