على طريقة «أخاطب حماس وليسمع حزب الله»، جاء وقْعُ إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو «بالفم الملآن» أن لا انسحاب من قطاع غزة قبل النزع الكامل لكل سلاح الحركة، في موقفٍ ترَكَ ارتداداتٍ على مستوى لبنان الذي يخوض مفاوضات شاقة مع تل أبيب برعاية أميركية محورها الترسانة العسكرية للحزب التي باتت تحكمها كما في القطاع معادلة «الأرض مقابل السلاح».
وعَكَسَ سلوك نتنياهو، بإزاء ملف غزة و«حماس» سياسة «شدّ الحبل» التي سيلجأ إليها في الطريق إلى انتخاباته في أكتوبر المقبل، والتي بات لبنان في أجوائها، رغم رهانه على دورٍ تؤديه الولايات المتحدة لإقناع إسرائيل بحتمية تقديم شيء ما على مسار المفاوضات مع بيروت لإبقائه قائماً وبما يتجاوز التَقَدُّم «الدفتري» الذي تحقق خلال جولة «روما 2» الأخيرة في ملفاتِ بَحْثٍ «بعيدة المدى» (الحدود البرية والأسرى).
وإذ بدا نتنياهو، وكأنه «ختم بالشمع الأحمر» إمكان الانسحاب من أي منطقة لبنانية تقع ضمن «الخط الأصفر» قبل انتخابات الكنيست، فإن بيروت تعوّل على واشنطن التي توفد الجنرال جوزيف كليرفيلد، قريباً إلى لبنان، لمحاولة كسْر الحلقة المفرغة التي يدور فيها العنوانان الأكثر إلحاحاً (المناطق التجريبية الجديدة وآلية التحقق من الانسحاب وسحب سلاح الحزب) وذلك في الفترة الفاصلة عن الموعد المفترض لطاولة «روما 3» أوائل سبتمبر.
وترى أوساط واسعة الاطلاع أن مصلحة لبنان والولايات المتحدة تتقاطعان على مدّ مسار المفاوضات بـ «مقوّياتٍ» عمليّةٍ تزيد من «تصفيحها» بحيث:
– يوفّر ذلك للسلطة السياسية في بيروت عناصر دفاع ملموسة بوجه «الانقضاض» التصاعدي من «حزب الله» على المفاوضات المباشرة بوصفها بـ «صفر فائدة» حتى الآن وتالياً ضرب سرديته هذه، واستطراداً مضيّ الدولة بالقضم المضاد التدريجي لأدوات القرار و«التحكم والسيطرة» عليه بعدما انتزعه الحزب من يدها بقوة الأمر الواقع.
– ولأن استمرارية المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية تشكّل بالنسبة إلى الولايات المتحدة جزءاً من الصورة الأكبر التي تحوط بجبهة لبنان حيث تكتمل عناصر معاودة تشكيل المنطقة برمّتها سياسياً وأمنياً واقتصادياً بما يعكس واقعياً نظاماً إقليمياً جديداً بكل الأبعاد يبدو أن مفاعيله بدأت تتكامل ولو كان بعضها استباقياً لمآلات جبهة إيران… أياً تكن.
من هنا يزداد الترقب لكيفية إدارة واشنطن الجمود الذي اصطدمت به مفاوضات لبنان – إسرائيل ومعاودة تحريك عجلتها بحيث لا تدفعها إلى الوراء «العاصفة الانتخابية» لنتنياهو، وبما يراعي أيضاً أفق جبهة إيران التي تترنّح بين هبات فاترة وساخنة وكأنها تتحضّر لانفجار قريب أو بعد الانتخابات النصفية الأميركية (اوائل نوفمبر)، أو تقف على حافة انفراجٍ ولو انتقاليّ ابتداءً.
وبات معلوماً أن دينامية «المناطق التجريبية» (بدأت مرحلتها الأولى قبل 3 أسابيع من زوطر الغربية وفرون وصريفا) وانتقالَها إلى مرحلة تالية، تمرّ حُكْماً – وهو الموقف الذي جاهرتْ به واشنطن – بإقرار آلية التحقق من تنفيذ الاتفاق الإطار الذي وُقّع بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، وتشكل «التجريبية» أحد عناصره الرئيسية، ومن أبرز مرتكزاتها انتشار الجيش اللبناني في المناطق التي تنسحب منها تل أبيب تدريجاً وتفكيك البنية العسكرية للحزب فيها وضمان منْع عودة مقاتليه إليها.
وإذ تتمسك إسرائيل بأن يكون لها دور رقابي في هذه الآلية، ترفض بيروت في شكل قاطع هذا الأمر، وهو ما يفسّر السعي لإيجاد جهة ثالثة تقبل بها كل الأطراف المعنية (واشنطن لا تريد أن يكون لها أي دور في الميدان) «سواء عبر قوة متعددة الجنسية أو مفتشين تابعين للأمم المتحدة أو دول أوروبية مثل إيطاليا وفرنسا (تعترض عليها تل أبيب)، على أن تؤدي واشنطن دور الحكم النهائي من دون نشر قوات على الأرض» وفق ما أوردت صحيفة «هآرتس».
ولأنّ هاتين النقطتين شائكتان، ومن شأن جعْلهما «سلّم قياسٍ» لتقدّم مسار المفاوضات أو تعثّرها أن يوصل إلى خلاصات محبطة أو مخيبة للآمال تقوّض الأهمية الإستراتيجية لهذه المحادثات المباشرة غير المسبوقة منذ نحو 42 عاماً، فإنّ الأوساط المطلعة تتساءل هل يكون بالإمكان اللجوء إلى عناوين آنية أقلّ تعقيداً ويستطيع الأطراف الثلاثة لطاولة روما تحقيق اختراقٍ فيها يصبّ مجدداً في رصيد «قوة الدبلوماسية».
وفي هذا الإطار، يفترض أن يتم التركيز على مسألتي الوقف الكامل للنار من جانب إسرائيل، ووقف الخروق خارج «المنطقة الأمنية» من توغلات واستهدافات بالمسيّرات وغيرها، ووقف عمليات التجريف والحرق والتدمير داخل القرى المحتلة، بالتوازي مع استكشاف إمكان الدفع لإقرار جدْولة للمناطق التجريبية، أي انسحاب التدريجي، ولو مع ترْك المدى الزمني رهن إنجاز آلية التحقق أولاً وما سيتطلّبه في ضوء التجربة من وقتٍ، وذلك بما يمنح لبنان على الأقلّ «إقراراً بمبدأ» الانسحاب ونطاقاته.
تشدّد لبناني
ولم يكن عابراً في هذا السياق، الجو الذي نُقل عن مصادر مقربة من رئاسة الوفد اللبناني إلى المفاوضات أبلغت إلى قناة «الحدث» أن هناك «تشدداً وتحفظاً لبنانياً في العودة إلى المفاوضات قبل تحقيق تقدم في 3 قضايا: وقف نار كامل على الأراضي اللبنانية، منطقة تجريبية تضم بنت جبيل والخيام، وقف الهدم والجرف والحرق».
وقبْلها نقلت قناة «الجديد» عن مصادر رئاسة الوفد اللبناني مناخات مماثلة و«ألّا تعويل على مسارات أخرى أثبتت هشاشتها، والمفاوضات صعبة في ظل عدم رغبة إسرائيل في اتخاذ أي خطوة حالياً خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية».
وأوضحت المصادر أنّ «الوفد العسكري بحث ملفات عدة تتعلق بالمناطق التجريبية وترسيم الحدود، لكنه لم يتلقَّ حتى وعوداً بشأنها، ونحن نثق بالجيش وعمله وهو ليس بحاجة إلى من يدقّق خلفه، أما إسرائيل فتريد استبعاد جميع الدول الأوروبية حتى إيطاليا، وترفض المشاركة العربية ولبنان يرفض استبعاد الدول العربية والغربية من أي مسار».
وعن الموعد المرتقب في سبتمبر للجولة المقبلة، أجابت المصادر «لا مواعيد حتى الآن ونحن في حال انتظار لمتابعة السلوك الإسرائيلي».
ولم يكن ممكناً حَسْم إذا كانت هذه الأجواء التي ستخيّم بالتأكيد على مهمة كليرفيلد في بيروت، تعبيراً عن استعداد فعلي لوقف المفاوضات ما لم يحقق لبنان شروطه أم جزءاً من تظهير السلطة حزماً بإزاء التمادي الإسرائيلي في الخروق والتعنت، وجعْل الحصول أقله على وقفِ نارٍ فعلي وإنهاءٍ لعمليات الجرف والتدمير وإقرار بالمناطق التجريبية ونطاقاتها ولو «بالأحرف الأولى» بمثابة جرعةِ إنعاشٍ لمسار التفاوض وإسنادٍ للدولة بوجه الهجمة الشرسة من «حزب الله» عليهما في معرض رغبته في استرهان الواقع اللبناني بالكامل لجبهة إيران ومسار محادثاتها مع الولايات المتحدة.
لا مقاطعة
وما عزّز هذه الضبابية ما نُقل عن مصدر سياسي لبناني من أنه على عكْس المتداوَل، فإن الجانب اللبناني لا ينوي مقاطعة المفاوضات ويصرّ على استكمال هذا المسار حتى النهاية «لأن البديل عنه سيكون كارثياً بالنسبة للبنان وشعبه، لكنه، في الوقت نفسه متمسك بمواقفه ومطالبه التي عرضها الوفد اللبناني في الجلسات الأخيرة، والتي ستُنقل إلى رئيس لجنة التنسيق العسكرية الجنرال كليرفيلد، خلال زيارته المرتقبة قريباً إلى بيروت لبحث وقف النار والمناطق التجريبية».
ولم يُعرف إذا كان كلام نتنياهو، عن «أن إسرائيل عملت بقوة في لبنان خلال الأيام الماضية»، مضيفاً أنه لا يستطيع الكشف عن مزيد من التفاصيل في شأن طبيعة العمليات الجارية، بمثابة تمهيدٍ لتخفيف التصعيد الميداني الذي بدأ قبيل انتهاء مفاوضات «روما 2» وألقى بظلالٍ قاتمة عليها، أم لمزيد من التسخين، وسط التعاطي مع الأمر على أنه سيكون اختباراً للدور الأميركي في تثمير التقاطعات بين ثلاثي المسار التفاوضي الخاص بجبهة لبنان على حساب تناقضاتٍ يُخشى أن يستفيد منها «حزب الله» ومن خلفه طهران.
وقد أكد نتنياهو، أن إسرائيل تنفذ ما وصفها بـ«عملية بالغة الأهمية» في لبنان، مشيراً إلى أن الجيش الإسرائيلي نفذ خلال الأيام الأخيرة عمليات مكثفة قال إنها استهدفت من وصفهم بـ «الإرهابيين»، بمن فيهم عناصر في مرتفعات علي الطاهر.
وأضاف: «نحن في خضم عملية بالغة الأهمية، ونتصرف بحكمة وتقدير سليم، وبإصرار وحذر، بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي، ونعمل على إزالة التهديدات».
