– إيران لم تيأس من محاولة القبض على «الورقة اللبنانية»
على وقع دخول المنطقةِ في مدار «عاصفة قادمة» لوّح بها الرئيس دونالد ترامب، وحُبستْ الأنفاسُ في انتظار انقشاع الرؤية عن ماهيتها، ازدادتْ مؤشراتُ وقوع الدولة البنانية بين ضغوط واشنطن لاحتواء حزب الله – العسكري وبلوغ حلّ مستدامٍ مع إسرائيل عبر مسار المفاوضات المباشرة، وبين ضغوط الداخل، وخصوصاً الحزب ومن خلْفه طهران، لتقويض الجهود الدبلوماسية للسلطة وتجويف مسعاها لاستعادة سيادتها بأبعادها كافة وإبعاد يد إيران عن «التحكم والسيطرة» على الملف اللبناني عبر الزناد الذي تملك الإمرة عليه من خلال ذراعها الأقوى في الإقليم.
وفي الوقت الذي يسود تَرَقٌّب لإمكان انطلاق المفاوضات المباشرة الرسمية على خط لبنان – إسرائيل في الولايات المتحدة خلال الأسبوعين ونيف المتبقييْن من الهدنة 2 التي أعلنها ترامب، شخصياً وهو ما يتطلّب إسناداً للدولة بقيادة الرئيس جوزاف عون، على قاعدة سحْب الذرائع من يد المعترضين على مبدأ التفاوض والذين يجدون في قفز تل أبيب المتمادي فوق مندرجات وقف النار متراساً لإطلاق النار على عون والرئيس نواف سلام، يَرتسم في الميدان «تَخادُمٌ» غير مباشر جديد بين حزب الله وعدوّته:
– الأول عبر الاستفادة من خروق إسرائيل للهدنة و«تغذيته» إياها في مكان ما بعملياته على شمال إسرائيل لتعويض «الخطوة الهائلة» التي سَبَقَ معها لبنان إيران عبر فصل المساريْن برعاية أميركية، وتالياً تقويض عمليةِ إدارة الملف اللبناني في كنف مصالح بلاد الأرز العليا وليس وفق مقتضيات تنظيم طهران أوراقها من ضمن ما يشبه «ماتريوشكا» شروط على طاولة إسلام أباد تتيح لها «الدفع من كيس الآخرين» قبل أن يصل الأمر إلى جيْبها الفعلي.
كما أن تسخين ورقة لبنان يساهم في تظهير مزيد من إشكالية أن وقف النار حصل بين إسرائيل والطرف الذي لا تقاتله أي الدولة اللبنانية، وليس «حزب الله».
ورغم أن هذا يتعارض في جانب منه مع تعمُّد طهران وحزب الله تكرار أن هدنة لبنان جاءت في سياق وقف النار على الجبهة الأم وبفعل اشتراطٍ إيراني، فإن الإشعال المضادّ والمدوْزن من الحزب يخدم تظهيرَ أن مَن يجلس على الطاولة في واشنطن باسم لبنان هو كمن يملك حبراً فقط ولكن الورق الذي سيُكتب عليه «سطر النهاية» هو في يد إيران و«لتُقرأ الرسالة من عنوانها».
– أما إسرائيل فتعتمد التصعيدَ جنوباً لتكريس صورة «المشكلة مع حزب الله الذي نتقاتل معه ويَقتلنا» وليس مع الدولة اللبنانية التي نتفاوض معها، وهي الصورة التي تُخْفي مجموعةَ أزماتٍ تواجه تل أبيب مع النسَق الذي حدّدته واشنطن لجبهة لبنان «الممنوعةِ من انفجارٍ» جديدٍ يهدّد ما يُرسَم على جبهةِ إيران، وذلك على قاعدة فرْض تَزامُنٍ في أي عودةٍ للقتال على الجبهتيْن وتكريس فصْلهما في المسار الديبلوماسي.
قضم الخطوط الحمر
وتحاول إسرائيل في هذا الإطار قضْمَ الخطوط الحمر المتكرّرة التي يَرسمها لها ترامب، في ما خص «بلاد الأرز» عبر السعي إلى الإيحاء بأن حَصْرَ عملياتها يَقتصر على جنوب منطقة الدفاع الأمامي التي لا تنفكّ توسّعها مع «تطهيرٍ جغرافي» مرعب تُمحى معه عشرات البلدات عن الخريطة وذلك استباقاً لأي انفراج ولو صعب جداً على جبهة إيران أو إبقاءً للجهوزية لملاقاة أي انفجار جديد من موقع أقرب لتحقيق الأهداف العسكرية الأعمق تجاه «حزب الله».
وفي حين كانت بيروت تترقب إمكان زيارة السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، للرئيس عون، وسط أسئلة حول هل سيحمل معه دعوة من ترامب، لزيارة البيت الأبيض، لم يكن عابراً في الساعات الماضية إضاءة الرئيس الأميركي الذي نَقَل الملف اللبناني إلى مكتبيه البيضوي وإلى يده شخصياً عبر رعايته حضورياً الجولة الثانية من المحادثات التمهيدية بين لبنان وإسرائيل على مستوى السفراء، على إستراتيجية بلاده الناظمة للرغبة في إبقاء جبهة لبنان قيد الانضباط بإعلانه «إيران دمرت لبنان. وَكِيلُها حزب الله دمّر لبنان. عندما يُقضى على إيران سيُقضى على حزب الله تلقائياً».
ضربات “جراحية”
وأوضح ترامب، لـ «اكسيوس» أنه طلب من بنيامين نتنياهو ضرورة أن تقتصر الهجمات على لبنان على ضربات «جراحية» وتجنب استئناف الحرب بشكل كامل.
وقال: «أخبرت نتنياهو أنه يجب أن ينفذ الأمر بحذر أكبر، لا أن يدمّر المباني. لا يستطيع فعل ذلك. إنه أمر مريع للغاية ويسيء إلى صورة إسرائيل». وأكد «إعجابه بلبنان وقيادته، وإيمانه بقدرة البلاد على النهوض من جديد».
وترافق ذلك مع نفي مسؤول في إدارة ترامب، انهيار وقف النار في لبنان، معلناً «حزب الله ليس طرفاً في وقف النار، وهو يسعى إلى إفشاله»، وأضاف ان «إستراتيجية الحزب واضحة: الاستفزاز، ثم الهجوم، ثم إلقاء اللوم على إسرائيل لإفشال المفاوضات وتشويه صورة الحكومة اللبنانية. لا يمكننا أن نتوقع من إسرائيل أن تتحمل الضربات وحدها. هذه ليست إدارة بايدن».
وإذ أكد المسؤول أن إدارة ترامب، طلبت من إسرائيل «ضبط النفس» وإفساح المجال أمام العملية الديبلوماسية الجديدة مع لبنان، كشف «اننا سنكثف حملتنا السياسية ضد الحزب بشكل كبير، ونسعى لإيجاد سبل لمساعدة القوات المسلحة اللبنانية على تجاوز التحديات التي تواجهها، ونعتزم القيام بذلك في أسرع وقت».
وفي الوقت الذي نقلت القناة 12 الإسرائيلية صباح الخميس أن الجيش الإسرائيلي تلقى تعليمات بضبط النفس وتجنب الهجمات شمال نهر الليطاني، كاشفة أن إسرائيل طلبت من أميركا حصر محاولاتها للتفاوض مع الحكومة اللبنانية في فترة تراوح بين أسبوعين وثلاثة أسابيع حتى منتصف مايو «وإذا لم تثمر المحادثات مع لبنان في الوقت المحدد، فإنها ستطلب العودة إلى الخطة الأصلية»، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس «يتعين علينا استكمال العمل ضد حزب الله لضمان إزالة التهديد عن سكان الشمال وعن دولة إسرائيل، وسندمر بنية الحزب تحت الأرض وفوقها كما فعلنا في غزة».
إنذارات إسرائيلية
وفي حين نقلت «سكاي نيوز» عن مصدر أمني «ننفذ التعليمات، سواء المتعلقة بالانسحاب الشامل من لبنان أو بالتقدم حتى بيروت»، وهدفنا «نزع سلاح حزب الله»، واصل الجيش الإسرائيلي عملياته في منطقة خط الدفاع الأمامي وبلدات عدة جنوب الليطاني في اقضية صور وبنت جبيل والنبطية خصوصاً حيث وجّه الخميس، إنذارات متوالية لـ 23 بلدة جديدة بالإخلاء الكامل قبل بدء قصفها، وذلك على وهج تفاعُل ما اعتُبر بمثابة عيّنة من «مترو حزب الله» في جنوب لبنان، والأرجح البقاع، الذي ظهّره التفجير المزلزل لنفقين بعمق 25 متراً وطول نحو كيلومترين في القنطرة، واللذين يشكلان نموذجاً لمدن أنفاق في «الجبهة السفلية» للحزب التي تمت هندستها على مدى أكثر من ربع قرن بمساعدة مهندسين من دول صديقة لإيران.
وفي موازاة إعلان وزارة الصحة اللبنانية «أن العدوان الجوي الذي نفذته الطائرات الحربية الإسرائيلية قبل الظهر أدى إلى استشهاد 3 مواطنين في بلدة جبشيت وجرح 7 اخرين وتدمير مبنى سكني، واستشهاد 4 في تول ايضا وجرح 6 اخرين، واستشهاد مواطنيْن في بلدة حاروف وتدمير منزل»، أعلن حزب الله إسقاط طائرة مسيّرة إسرائيلية نوع«هرمز 450 – زیك»في أجواء مدينة النبطية بصاروخ أرض جو، في الوقت الذي أدت مسيرة أطلقها في اتجاه منطقة شوميرا في الجليل الغربي إلى اصابة 12 جندياً – قبل أن يُعلن عن مقتل جندي في هجوم مسيّرة – في تطور عَكَس عدم نجاح تل أبيب في إيجاد حلّ لمشكلة«المسيّرات الشَبَحية»(تعمل بالأليف الضوئية) التي تباغت جنودها أينما كان.
العلاقة الرئاسية
في هذا الوقت، استمرت في بيروت محاولة ترميم ما انكسر على صعيد العلاقات الرئاسية ولا سيما بين عون ورئيس البرلمان نبيه بري، الذي عَكَس حَرَجه بإزاء المشاركة في لقاء ثلاثي في قصر بعبدا يضم ايضاً رئيس الحكومة نواف سلام، في ظلّ الخروق الإسرائيلية لوقف النار وإصرار رئيس الجمهورية على التفاوض المباشر واندفاعه لردٍّ غير مألوف على عون لامس حافة اتهامه بمعاكسة الحقيقة، الواقع السياسي الحَرِج للدولة اللبنانية المطالَبة بوضع إستراتيجيةٍ متفاهَم عليها وتحظى بالنصاب الكافي لتمنح المفاوض اللبناني ثِقْلاً تنفيذياً لأي التزامات يقدمها على طاولة واشنطن.
وفيما أشارت تقارير إلى أن التواصل بين بعبدا وعين التينة (حيث مقر بري) قائم والقنوات مفتوحة بين الجانبين، لم يكن عابراً أن يسارع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إلى الاتصال ببري على وهج التوتر الذي طفا على السطح بينه وبين وعون، والذي يرتبط في جانب منه بالحملة الشعواء التي يشنها حزب الله على رئيس الجمهورية على خلفية التفاوض المباشر وتخوينه وردّ الأخير التهمة بمثلها للحزب«لاقتياده البلاد إلى حرب لمصلحة الآخرين».
وأعلنت الخارجية الإيرانية، أن عراقجي «شدد خلال اتصاله برئيس البرلمان اللبناني على أن وقف اعتداءات إسرائيل على لبنان مشمول بالاتفاق بين طهران وواشنطن»، وأنه أكد لبري «أن هذا الملف سيظل محل اهتمام إيران في أي مسار مستقبلي، مودعم طهران الثابت للشعب اللبناني في مواجهة الهجمات الإسرائيلية».
وغداة تأكيده أن التزام إسرائيل وقف النار أولاً يفترض ان يسبق بدء المفاوضات الرسمية، شدد عون، أمام وفد الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر على «وجوب الضغط على إسرائيل كي تحترم القوانين والاتفاقيات الدولية والكف عن استهداف المدنيين والمسعفين والدفاع المدني والهيئات الإنسانية الصحية والاغاثية».
وقال إن «الانتهاكات الإسرائيلية مستمرة في الجنوب رغم الإعلان عن وقف النار، وكذلك هدم المنازل وأماكن العبادة وجرفها، فيما اعداد الضحايا والجرحى يرتفع يوما بعد يوم».
من جهته، أكد بري، لمناسبة عيد العمال «أن الأول من مايو هذا العام بكل ما يحمله من ألم ووجع، يجب أن يكون دعوة وطنية مفتوحة للدولة بكل سلطاتها، وللمجتمع الدولي ومنظماته الحقوقية والعدلية للتحرك لإلزام إسرائيل وقف عدوانها فوراً قبل اي شيء آخر، والاسراع لتشكيل لجنة تقصي حقائق دولية حول الجرائم الذي تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي تنفيذها وتوثيقها بالصوت والصورة على نحو ممنهج بحق العمال وأماكن عملهم لاسيما المزارعين منهم في المناطق الحدودية الجنوبية وجنوب نهر الليطاني».
