– بينيت: عندما تذكر إيطاليا يتبادر إلى الذهن المعكرونة والسباغيتي… أما عند ذكر إسرائيل فيتبادر إلى الذهن «قتلة الرضع»
– العمل العسكري ضد الفلسطينيين قادر على كبح التصدعات الداخلية وتهميش المعارضة وحشد قطاع واسع من المجتمع الإسرائيلي خلف العلم
– لا توجد إستراتيجية تواصل قادرة على فصل صورة الدولة بشكل دائم عن العواقب الملموسة لسياساتها
أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت، بأن إسرائيل قد تحولت – للمرة الأولى منذ تأسيسها – إلى «علامة تجارية سلبية» في الولايات المتحدة؛ إذ أشار إلى أن اسم إسرائيل بات يستحضر في أذهان الطلبة الأميركيين، مفاهيم مثل «الإبادة الجماعية» و«قتلة الرضع» بالسهولة ذاتها التي تستحضر بها إيطاليا صورة «المعكرونة».
ورغم وصف بينيت، لهذا الارتباط الذهني بأنه مجحف، إلا أن صحافياً إسرائيلياً كان قد رصد – قبل ذلك بكثير- أمراً أكثر قتامة: ألا وهو العلاقة بين قتل الأطفال الفلسطينيين واستعادة الوحدة الوطنية الإسرائيلية.
في 11 مايو 2023، وقبل خمسة أشهر من هجوم حركة «حماس» في 7 أكتوبر، نشر يوسي كلاين، الكاتب في صحيفة «هآرتس»، مقالاً حمل عنواناً صادماً: «قتل الأطفال يوحّد الإسرائيليين». وقد جرى تغيير العنوان لاحقاً ليصبح: «أطفال غزة القتلى سيظلون يطاردوننا إلى الأبد».
لم يكن كلاين، يحتفي بتلك الوفيات، بل كان يكتب بنبرة مشوبة بسخرية مريرة عقب غارات جوية على غزة أودت بحياة قادة من حركة «الجهاد الإسلامي» ومدنيين، بمن فيهم أطفال. كانت إسرائيل تعيش حالة انقسام حاد استمرت 18 أسبوعاً بسبب خطة حكومة بنيامين نتنياهو، للإصلاح القضائي.
وهنا رأى كلاين أن العملية العسكرية في غزة أعادت فجأةً شعوراً بالوحدة الجماعية.
وكتب «لا شيء يوحّد القلوب والعقول مثل قتل الأطفال»، واصفاً كيف تراجعت الانقسامات الداخلية موقتاً لصالح الحملة العسكرية.
أثار المقال موجة غضب واتهامات بمعاداة السامية وترويج «فرية الدم»؛ ومع ذلك، كان كلاين، قد كشف عن آلية سياسية متكررة: فالعمل العسكري ضد الفلسطينيين قادر على كبح التصدعات الداخلية، وتهميش المعارضة، وحشد قطاع واسع من المجتمع الإسرائيلي خلف العلم.
لم يكن طرحه يشير إلى أن الإسرائيليين يرغبون بوعي في موت الأطفال، بل إلى أن مقتل المدنيين الفلسطينيين يُدمج بسهولة في السردية الوطنية القائمة على الأمن والردع والتضامن.
«الحكومة الفاشلة»
وبعد عامين، ذهب يائير غولان – وهو لواء متقاعد وشغل سابقاً منصب نائب رئيس هيئة الأركان في الجيش الإسرائيلي – إلى أبعد من ذلك بكثير. إذ قال في مايو 2025: «الدولة السوية لا تشن حرباً على المدنيين، ولا تقتل الرضع كهواية، ولا تضع طرد السكان هدفاً لها».
لم يكن غولان، ناشطاً خارجياً يفتقر إلى المعرفة بالشأن الأمني؛ فقد تولى قيادة لواء «ناحال»، وفرقة «يهودا والسامرة»، وقيادة الجبهة الداخلية، والقيادة الشمالية، قبل أن يصبح نائباً لرئيس هيئة الأركان. وبالتالي، جاء انتقاده من داخل المؤسسة ذاتها التي كان يشكك في سلوكها.
وعقب رد فعل سياسي عنيف، أوضح غولان، أنه كان ينتقد حكومة نتنياهو، ووزراءها المتطرفين، مشيراً إلى أن كلماته كانت موجهة إلى «هذه الحكومة الفاشلة».
وفي وقت لاحق، أعرب عن خشيته من أن الوزراء الذين يدعون إلى التجويع والتهجير الجماعي واستخدام القوة المفرطة من دون قيود، يدفعون البلاد نحو هذا النوع من الانحدار الأخلاقي تحديداً. ورغم ضرورة أخذ هذا التحفظ بعين الاعتبار، إلا أنه لا يلغي تحذيره الجوهري: وهو أن السياسة الإسرائيلية تحوّل البلاد إلى ما وصفه بـ «دولة منبوذة».
لقد شخص كلاين«طبيعة العملية السياسية الداخلية، بينما حدد غولان السلوكيات والمخاطر المترتبة عليها، ليأتي الآن بينيت، ويصف التبعات الدولية لهذا الوضع.
«الإبادة الجماعية»
وفي حديثه مع الصحافي الإسرائيلي إيتاي سيغال، طرح بينيت، تساؤلاً حول الصورة التي تتبادر إلى ذهن الطالب الأميركي عند ذكر إسرائيل، قائلاً«إذا سألت طالباً أميركياً: إسرائيل، ما الذي يخطر ببالك؟ فسيجيب: الإبادة الجماعية».
ثم اختزل التباين في السمعة في مقارنة قاسية ومباشرة:«عندما تذكر إيطاليا، يتبادر إلى الذهن المعكرونة والسباغيتي، أما عند ذكر إسرائيل، فيتبادر إلى الذهن قتلة الرضع».
لقد كان بينيت«يقر بأن هذه الصور الذهنية قد التصقت بالبلاد بالفعل». والسؤال المهم هنا ليس ما إذا كان بينيت، يقبل هذه الأوصاف، بل لماذا يدرك رئيس وزراء سابق أنها أصبحت راسخة بهذا الشكل الواسع؟
قياس هذا الانهيار
لم يعد هذا التحول مجرد حالات فردية أو مقتصراً على التظاهرات الجامعية؛ ففي مارس 2026، كانت نسبة البالغين الأميركيين الذين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل تبلغ 60 في المئة، مقارنة بـ 42 في المئة في عام 2022. وقد أبدى 80 في المئة من الديمقراطيين والمستقلين المائلين للحزب الديمقراطي وجهة نظر سلبية تجاه إسرائيل. وحتى بين الجمهوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عاماً – وهم تقليدياً جزء من القاعدة الأميركية الأكثر ولاءً ودعماً لإسرائيل- عبّر 57 في المئة عن رأي سلبي.
كما رصدت مؤسسة«غالوب»تغيراً تاريخياً لا يقل أهمية؛ إذ صرح 41 في المئة من الأميركيين بأنهم يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، مقابل 36 في المئة يتعاطفون أكثر مع الإسرائيليين.
ورغم أن الفارق يقع ضمن هامش الخطأ في الاستطلاع، إلا أنها كانت المرة الأولى في سلسلة استطلاعات«غالوب»الممتدة منذ فترة طويلة التي لا تحظى فيها إسرائيل بأفضلية واضحة. وبين الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً، أبدى 53 في المئة تعاطفاً أكبر مع الفلسطينيين، مقابل 23 في المئة فقط مع الإسرائيليين.
أما بين الديمقراطيين، فقد مالت الكفة لصالح الفلسطينيين بنسبة 65 في المئة مقابل 17 في المئة للإسرائيليين.
وكشف استطلاع للرأي أجراه مركز«AP-NORC» في يونيو 2026 أن نحو ثلث البالغين الأميركيين يعتقدون أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية ضد الفلسطينيين. وشملت هذه النسبة قرابة نصف الديمقراطيين و30 في المئة من المشاركين اليهود الأميركيين.
وفي المقابل، رفض نحو أميركيين اثنين فقط من كل 10، هذا الاتهام، بينما قال نصفهم تقريباً إنهم لا يتبنون هذا الرأي…. يمتلكون ما يكفي من المعرفة لاتخاذ قرار. وتُظهر هذه الأرقام أن بينيت، كان يصف تحولاً سياسياً عميقاً، وليس مجرد مشكلة معزولة بين طلبة معادين.
اللغةُ تواكب الأدلةَ المتاحة
غالباً ما تعزو إسرائيل وداعموها – وهو أمر غير مستغرب – هذا الانهيار في صورتها إلى فشل الدبلوماسية العامة، أو التلاعب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو معاداة السامية، أو الإعلام الأجنبي المعادي، أو دعاية«حماس». غير أن الدعاية وحدها لا تكفي لتفسير حجم هذا التغيير؛ فسمعة الدولة لا تتحدد فقط بما تقوله الحكومة عن نفسها، بل تتشكل بناءً على ما حدث فعلياً، وما وُثِّق، ومن قام بالتحقق منه، وما إذا كانت التفسيرات الرسمية قد حافظت على مصداقيتها عند مقارنتها بالأدلة المادية الملموسة.
صحيح أن الصور لا تثبت وجود نية جنائية، وأن أعداد الضحايا لا تبرهن بمفردها على وقوع إبادة جماعية، إلا أن مشاهد الأطفال القتلى، والأحياء المدمرة، والتهجير المتكرر، والهجمات على البنية التحتية المدنية، وتجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، والمجاعة، وتصريحات المسؤولين التي تدعو إلى الطرد أو حرمان السكان من الإمدادات الأساسية؛ كل ذلك يخلق بيئة واقعية وأخلاقية تكتسب فيها مصطلحات مثل«الإبادة الجماعية»و«قتلة الرضع»زخماً وقبولاً.
لم تظهر هذه الاتهامات من فراغ أدلّاتي؛ بل انتشرت مع تعذر فصل اسم إسرائيل عن مشهد الدمار في غزة. إذ تُعد عمليات تسوية قرى بأكملها بالأرض في غزة ولبنان دليلاً دامغاً على حجم الدمار الذي تسببه إسرائيل، وعلى حالة الإفلات من المساءلة التي تتيح للجيش الإسرائيلي فعل أي شيء وتنفيذ كل ما يمليه عليه خياله.
ما قررته المحاكم وما لم تقرره
تُعد الدقة القانونية أمراً جوهرياً هنا، نظراً لأن المؤسسات المختلفة قد وصلت إلى مراحل متفاوتة وطبقت معايير متباينة. فقد فرضت محكمة العدل الدولية تدابير موقتة متعددة في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية؛ وتتعلق هذه الأوامر بحماية الحقوق إلى حين صدور قرار نهائي.
علاوة على ذلك، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 مذكرات اعتقال بحق نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت. وتشمل التهم المنسوبة إليهما جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك استخدام التجويع كوسيلة من وسائل الحرب. وتؤكد هذه المذكرات أن قضاة المحكمة الجنائية الدولية وجدوا أسباباً معقولة للمضي قدماً في النظر في هذه المزاعم.
وفي سبتمبر 2025، توصلت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى استنتاج مختلف؛ إذ أفادت بأن السلطات وقوات الأمن الإسرائيلية ارتكبت أربعة من أفعال الإبادة الجماعية الخمسة المحددة في اتفاقية منع الإبادة الجماعية، وخلصت إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة.
أكد«التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»أيضاً وقوع مجاعة في محافظة غزة في أغسطس 2025. إن المجاعة تصنيف فني يستند إلى عتبات محددة تتعلق باستهلاك الغذاء وسوء التغذية الحاد ومعدلات الوفيات، وليست مجرد وصف بلاغي يختاره نشطاء الحملات.
ولا تُضعف هذه الفروق الدقيقة الحجة، بل تعززها؛ إذ لا يرتكز انهيار سمعة إسرائيل على شعار أو صورة أو مؤسسة واحدة، بل على تراكم للأدلة والشهادات والتصريحات الرسمية والنتائج الإنسانية والإجراءات القانونية.
لا يمكن للدبلوماسية محو آثار السياسات
تواصل مؤسسة الدبلوماسية العامة الإسرائيلية التعامل مع انهيار السمعة باعتباره فشلاً في التواصل في المقام الأول. وهذا التشخيص يقلب العلاقة بين السبب والنتيجة؛ فلا توجد إستراتيجية تواصل قادرة على فصل صورة الدولة بشكل دائم عن العواقب الملموسة لسياساتها. قد يجادل المرء في أعداد الضحايا، أو يندد بالتغطية الإعلامية المعادية، أو ينفق الملايين على الإعلانات وحملات وسائل التواصل الاجتماعي، لكن لا يوجد شعار يمكنه جعل المدن المدمرة تبدو سليمة، أو العائلات النازحة تبدو آمنة، أو الأطفال الجياع يبدون ممتلئي البطون، أو محو الأطفال القتلى من الذاكرة العامة.
لقد أدرك يوسي كلاين، جزءاً من هذا الأمر قبل السابع من أكتوبر؛ إذ كان من الممكن أن يموت أطفال فلسطينيون، وأن يتحد الإسرائيليون خلف عملية عسكرية أخرى، وأن تُطمس التبعات الأخلاقية تحت غطاء لغة الأمن. وحذّر غولان، لاحقاً من أن هذه العملية تحوّل إسرائيل إلى دولة منبوذة.
أما بينيت، فقد أقرّ الآن بالارتباط الذهني الراسخ في عقول جيل أميركي شاب. لا تقول هذه الأصوات الإسرائيلية الثلاثة الشيء نفسه تماماً، ولهذا السبب تحديداً تكتسب أهمية عند النظر إليها مجتمعة.
لقد وصف كلاين، كيف يمكن استيعاب موت الفلسطينيين ضمن حالة الوحدة الإسرائيلية، وحذّر غولان، من أن سلوك الحكومة يدمر الحدود الأخلاقية للبلاد، بينما وصف بينيت، الهوية الدولية التي تشكلت وسط الأنقاض.
قد يكون بينيت، محقاً في أن وصفي «الإبادة الجماعية» و«قتلة الرضع» يمثلان تبسيطاً مخلّاً للأمور، لكنه يجانب الصواب إذا تعامل معهما باعتبارهما مجرد حملة تشويه متعمدة. فالناس لم يختاروا الكلمات أولاً ثم اختلقوا الدمار؛ بل رأوا الدمار وجثث الأطفال والنزوح والجوع والأنقاض، واختاروا الكلمات التي اعتقدوا أنها تصف بدقة ما كانوا يشاهدونه.
لم يختلق أعداء إسرائيل سمعتها؛ بل شاهد العالم إسرائيل وهي تصنعها بنفسها.
