من «التفاهم» والعشق المتبادل إلى «التباعد»… تفتّت العلاقة بين ترامب ونتنياهو


لم تعد الخلافات الأميركية – الإسرائيلية في الأشهر الأخيرة، تُدار في الغرف المغلقة، كما اعتاد البيت الأبيض، بل باتت تظهر علناً على شاشات التلفزة وفي عناوين الصحف. فالرئيس دونالد ترامب، الذي بنى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سرديته الانتخابية على أنه «الرجل الوحيد القادر على التعامل معه»، لم يعد يخفي بروده. والسؤال اليوم: هل تغيّر موقف ترامب تجاه نتنياهو؟ وهل تتراجع مكانة إسرائيل لدى واشنطن؟

يرصد د. شاي هار تسفي، رئيس قسم الشؤون الدولية والشرق الأوسط في معهد السياسة والإستراتيجية (IP) بجامعة رايخمان، في تحليل له، أن العلاقة بين ترامب ونتنياهو شهدت «تدهوراً» تجلّى في انخفاض ملحوظ في وتيرة الاجتماعات والمحادثات، وامتناع ترامب، عن إبداء دعمه لنتنياهو، قبيل الانتخابات الإسرائيلية، وانتقادات علنية من الرئيس الأميركي والمقربين منه لسياسات نتنياهو، وسلوكه.

ويشير إلى أن هذا يمثل «خروجاً عن النهج الذي اتبعه البيت الأبيض سابقاً، حين كان يسعى إلى التقليل من شأن الخلافات وحل المشاكل في الخفاء».

ويعدّد هار تسفي القضايا التي تتخذ فيها واشنطن قرارات «من دون تنسيق مسبق ومعمّق» مع رئيس الوزراء:

– الملف الإيراني: اتفاقية النقاط الـ 14 الموقعة مع إيران.

– خطة مجلس السلام لتفكيك حركة «حماس».

– تسريع وتيرة إعادة إعمار قطاع غزة.

– محاولات تعزيز الاتفاقيات الأمنية بين إسرائيل وسوريا.

– العلاقات الوثيقة بين ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

– استعداد ترامب لبيع مقاتلات من طراز «إف – 15»، لتركيا والسعودية.

– الانتقادات اللاذعة للإرهاب القومي الذي يقوم به المستوطنون ضد الفلسطينيين وسياسة إسرائيل تجاه السلطة الفلسطينية.

«ساعة الأفول»

في مقال بعنوان «ساعة الأفول» في صحيفة «معاريف»، يذهب الكاتب أفرايم غانور إلى أبعد من ذلك، واصفاً زيارة نتنياهو العاجلة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بأنها «الأقصر له كرئيس للوزراء، زيارة بلا لقاء مع الرئيس دونالد ترامب وبلا لقاء مهم واحد مع رئيس دولة».

ويضيف: «كيفما غلّفوا هذه الزيارة، فإنه لا يمكن لأي غلاف لامع أن ينجح في إخفاء، نزاع موت ولاية نتنياهو».

ويخلص غانور إلى أن «تغيير موقف ترامب هذا تجاه نتنياهو يجب أن يقلق كل إسرائيلي ويهودي بصفتهم هذه. فالولايات المتحدة وترامب لايزالان المرسى الأهم لدولة إسرائيل، وهما يُعتبران عن حق الصديقين الأكبر والأهم لنا».

وتكشف تقارير إسرائيلية متعددة عن حجم العزلة التي يعيشها نتنياهو:

– القناة 13 العبرية: «تحذيرات استخباراتية وأمنية دفعت المسؤولين الأمنيين للتوصية بتقليص إقامة نتنياهو في الولايات المتحدة وتجنب المبيت في نيويورك».

– «معاريف»: «رئيس الوزراء سيمكث 6 ساعات فقط في الولايات المتحدة، ولن يرافقه هذه المرة صحافيون إسرائيليون على متن طائرته».

– «يديعوت أحرونوت»: «نتنياهو سيتحدث في الأمم المتحدة إلى الإسرائيليين بالدرجة الأولى، لأن العالم لم يعد يريد الإصغاء له».

إسرائيل تفقد الشباب الأميركي

ويستعرض هار تسفي سلسلة استطلاعات رأي تكشف تراجعاً حاداً في تأييد إسرائيل داخل الولايات المتحدة:

استطلاع «أسوشيتدبرس» ومركز نورك (يونيو 2026): 58 % من الديمقراطيين يرون أن الولايات المتحدة تدعم إسرائيل «بشكل مفرط» (بزيادة 13 نقطة عن يناير 2024).

استطلاع صحيفة «بوليتيكو» (ابريل 2026): 32 % من مؤيدي ترامب تحت 35 عاماً يرون أن الإدارة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحكومة الإسرائيلية (مقابل 11 % فقط فوق 55 عاماً).

استطلاع مؤسسة غالوب (فبراير 2026): للمرة الأولى منذ ربع قرن، تجاوز الدعم للفلسطينيين الدعم لإسرائيل: 41 % مقابل 36 %.

ويعلّق هار تسفي: «لا يقتصر الأمر على تغيرات في موقف الديمقراطيين فحسب. تشير استطلاعات الرأي إلى أن إسرائيل بدأت تفقد الدعم الواسع الذي كانت تحظى به سابقاً، حتى بين الجمهوريين الشباب».

وفي الكونغرس، يشير هار تسفي إلى أنه «في ابريل، رفض مجلس الشيوخ قرارين قدمهما السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز لوقف بيع الأسلحة والمعدات العسكرية لإسرائيل، لكن المثير للقلق هو أن نسبة غير معتادة بلغت نحو 80 % من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين أيدوا كلا المقترحين».

وفي الانتخابات، «تمكن مرشحون ذوو آراء مناهضة لإسرائيل من الفوز في الانتخابات المبكرة التي أجراها الحزب الديمقراطي قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. ومن أبرز مظاهر ذلك انتخاب عبدالرحمن السيد مرشحاً للحزب الديمقراطي لأحد مقعدي مجلس الشيوخ عن ولاية ميتشيغن».

ويحذر هار تسفي: «هذا يعني أن الانتخابات النصفية قد تُشكّل اختباراً حاسماً لمكانة إسرائيل لدى الرأي العام الأميركي».

المرسى باقٍ… لكن الحبال تتفكك

ويؤكد هار تسفي، أن «الولايات المتحدة ركيزة أساسية للأمن القومي لدولة إسرائيل، ويتجلى ذلك في المساعدات المتعددة الأوجه التي قدمتها الإدارة لإسرائيل منذ 7 أكتوبر (2023)، والعمليات العسكرية المشتركة ضد إيران».

ويشدد غانور في «معاريف» على أن «الولايات المتحدة وترامب لا يزالان المرسى الأهم لدولة إسرائيل، وهما يُعتبران عن حق الصديقين الأكبر والأهم لنا، ولا يهم أي حكومة تقوم هنا بعد 27 أكتوبر» المقبل.

ويدعو هار تسفي إسرائيل لاستغلال وجود رئيس متعاطف معها في البيت الأبيض لصياغة خطة محدّثة لتجديد الاتفاقية متعددة السنوات (مذكرة التفاهم)، المقرر انتهاؤها عام 2028.

خلاصة التقارير الإسرائيلية والأميركية، أن الولايات المتحدة لا تزال المرسى الأهم لأمن إسرائيل القومي، وأن الحفاظ على التحالف الاستراتيجي يجب أن يبقى الهدف الأسمى للحكومة الإسرائيلية.

لكن المؤشرات المتسارعة – تراجع الدعم الشعبي، تباعد المسافات مع الإدارة الحالية، تصويتات الكونغرس، وصعود جيل شاب أميركي غير متعاطف مع إسرائيل – تشير إلى أن هذا المرسى لم يعد مضموناً تلقائياً، كما كان في الماضي.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *