أزال بنيامين نتنياهو، الكثير من الغموض المحيط بنوايا إسرائيل في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة وجنوب لبنان وسوريا. وتزعم حكومته حقها في البقاء داخل الأراضي المجاورة حتى يتم نزع سلاح أو القضاء على جميع المنظمات التي تعتبرها إسرائيل خطرة. ولأن إسرائيل هي من تحدد متى يتحقق هذا الشرط، فإن هذه الترتيبات لا تخضع لأي حد زمني أو موعد نهائي محدد.
في اجتماع حكومي عُقد في 9 أغسطس 2026، أعلن نتنياهو أنه لن يتم إنشاء أي دولة فلسطينية في عهده، سواء في غزة أو في ما أسماه يهودا والسامرة، أي الضفة الغربية المحتلة. ورفض البدائل واصفاً إياها بـ«فتحستان» و«حماسستان»، مصوّراً كلاً من السلطة الفلسطينية وحركة «حماس» على أنهما أساسان غير مقبولتين للسيادة.
كما رفض إطار غزة المكون من 15 بنداً، المدعوم من الولايات المتحدة والذي روّج له مجلس السلام برئاسة الرئيس دونالد ترامب، مُصراً على أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب حتى يتم نزع سلاح «حماس» بالكامل وتدمير أنفاقها.
هذا ليس مجرد خلاف حول ترتيب الخطوات. فحتى لو سلّمت الحركة أسلحتها، فإن إعلان نتنياهو يستبعد قيام دولة فلسطينية تحكمها «حماس» أو «فتح». ويصبح نزع السلاح شرطاً لانسحاب محتمل وغير مُجدول من دون أي اعتراف مُقابل بالسيادة الفلسطينية.
خلاف جوهري
ربط الإطار الأميركي، نزع السلاح الفلسطيني بالانسحاب الإسرائيلي ونقل الحكم إلى لجنة فلسطينية مدعومة بقوة دولية. رفض نتنياهو هذا التبادل. وتصر «حماس» على أن نزع السلاح لا ينفصل عن إنهاء الاحتلال والتوصل إلى تسوية سياسية ذات مصداقية. ويكمن الخلاف في ما إذا كان نزع السلاح سيؤدي إلى الانسحاب وحق تقرير المصير أم إلى ترسيخ السيطرة الإسرائيلية في إطار هيكل آخر.
كان الهدف من وقف إطلاق النار المُعلن في 10 أكتوبرالعام 2025 هو تعليق العمليات، والسماح بإيصال المساعدات الإنسانية، وبدء مرحلة انتقالية مستدامة. إلا أن العنف استمر طوال الـ 300 يوم التالية.
فقد أفاد المكتب الإعلامي لحكومة غزة بوقوع 4091 انتهاكاً إسرائيلياً خلال تلك الفترة، أسفرت عن مقتل أكثر من 1254 فلسطينياً وإصابة 4121 آخرين.
وأعلنت منظمة «اليونيسف» مقتل ما لا يقل عن 300 طفل خلال أول 300 يوم. وتزعم إسرائيل أن العديد من العمليات جاءت رداً على انتهاكات «حماس»، ونشاط الأنفاق، ومحاولات إعادة بناء القدرات العسكرية، أو التهديدات التي تواجه قواتها. ومع ذلك، فإن وتيرة الهجمات الإسرائيلية وعواقبها تجعل من الصعب وصف هذا الاتفاق بأنه وقف فعلي لإطلاق النار.
البنود الإنسانية
كما لم تُنفذ البنود الإنسانية. فقد نصّ الاتفاق على دخول ما لا يقل عن 600 شاحنة محملة بالمواد الأساسية يومياً. ووجدت منظمة «أوكسفام» أن هذا المستوى لم يُحافظ عليه، بينما وثّقت تقارير الأمم المتحدة رفض شحنات، وتأخيرات في العبور، وقيوداً على الإمدادات الأساسية.
وأفاد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في يوليو الماضي، بأن ربع شاحنات المساعدات الإنسانية التي وصلت عبر معبر رفح قد أُعيدت أو رُفضت خلال فترة إعداد التقارير. ما هو مؤكد هو أن الحد الأدنى اليومي لم يُحقق باستمرار، وأن الشحنات المسموح بها غالباً ما كانت تعجز عن تلبية الاحتياجات العاجلة لغزة.
وأفاد مسؤولون عسكريون إسرائيليون بأن القوات الإسرائيلية سيطرت على ما بين 67 و70 في المئة من غزة، مقارنةً بنحو 53 في المئة في ظل خط وقف إطلاق النار الأصلي. وأفادت «اليونيسف» بوجود عائلات مكتظة في نحو ثلث القطاع وسط الدمار، وانعدام المياه الصالحة للشرب، وانتشار الأمراض، وسوء التغذية الحاد.
المناطق الأمنية
وتمتد هذه العقيدة إلى ما هو أبعد من غزة. فقد صرّح وزير الدفاع يسرائيل كاتس بأن القوات الإسرائيلية ستبقى في المناطق الأمنية في غزة ولبنان وسوريا من دون أي حد زمني. وأكد نتنياهو وكاتس أن القوات ستبقى في جنوب لبنان وتواصل عملياتها ضد ما تعتبره إسرائيل «بنية تحتية إرهابية». ويبقى الانسحاب مشروطاً بقرار إسرائيل بأن «حزب الله لم يعد يشكل تهديداً لمستوطناتها الشمالية».
وفي سوريا، توسعت إسرائيل خارج مرتفعات الجولان المحتلة بعد سقوط نظام بشار الأسد، واتخذت مواقع في جبل الشيخ وأجزاء من القنيطرة. وتصف هذا الانتشار بأنه دفاعي، بينما تعتبره دمشق وجزء كبير من المجتمع الدولي «احتلالاً إضافياً».
ويجادل نتنياهو بأن عملية فض الاشتباك عام 2005 أظهرت خطورة التخلي عن الأراضي من دون الاحتفاظ بالسيطرة العسكرية. فقد قامت إسرائيل حينها بإخراج مستوطنيها وقواتها البرية الدائمة… فازت «حماس» بانتخابات عام 2006، وسيطرت على قطاع غزة بشكل كامل عام 2007، ثم شنت هجمات 7 أكتوبر 2023.
ويرى نتنياهو أن الانسحاب أزال الحاجز بين منظمة مسلحة وإسرائيل. وبالتالي، تعتبر حكومته العمق الإستراتيجي أكثر موثوقية من الاتفاقيات أو المراقبة الدولية. وتحظى هذه العقيدة بتأييد محلي كبير بعد 7 أكتوبر 2023، في حين يعارض شركاء نتنياهو في الائتلاف إقامة دولة فلسطينية والانسحاب من الأراضي.
سياسياً، تكمن المشكلة في أن اشتراط الغياب التام لكل تهديد محتمل لإتمام الانسحاب قد يعني عدم حدوثه على الإطلاق؛ إذ يمكن للجماعات المسلحة إخفاء أسلحتها، أو إعادة تنظيم صفوفها تحت مسميات جديدة، أو الظهور مجدداً نتيجة لتغير الظروف. وبالتالي، يمكن لإسرائيل دائماً أن تخلص إلى أن الخطر لم يزل بعد.
إن المنطقة الأمنية التي لا ترتبط بجدول زمني محدد تتحول فعلياً إلى احتلال؛ فمنطقة عازلة يمكن توسيعها كلما تغيرت التقديرات العسكرية، بينما يمكن تأجيل الانسحاب كلما أشارت المعلومات الاستخباراتية إلى تجدد الأنشطة المسلحة.
وهكذا، فإن ما يبدأ كإجراء طارئ قد يتحول إلى سيطرة دائمة من دون الحاجة إلى ضم رسمي للأراضي. ولا تبرر المخاوف الأمنية -بحد ذاتها- استمرار الاحتلال لفترات طويلة، أو الاستيلاء على الأراضي، أو حرمان الفلسطينيين من حق تقرير المصير.
ديناميكية مفرغة
يخلق هذا الوضع ديناميكية مفرغة؛ فإسرائيل تحتفظ بالأراضي لوجود مقاومة مسلحة، بينما تبرر الجماعات المسلحة احتفاظها بالسلاح بوجود الاحتلال. وتطالب إسرائيل بنزع سلاح حماس قبل الانسحاب، في حين تربط الحركة هذه الخطوة بالانسحاب والحصول على ضمانات تمنع تجدد الحرب، بينما يرفض نتنياهو قيام دولة فلسطينية قد تشكل سلطة بديلة. وهي شروط يستحيل التوفيق بينها.
تزعم إسرائيل أن القطاع لم يعد خاضعاً للاحتلال بعد عام 2005، وتصف مواقعها الحالية بأنها مناطق دفاعية موقتة. في المقابل، يعتبر الفلسطينيون ولبنان وسوريا وهيئات الأمم المتحدة أن الأراضي الخاضعة للسيطرة الفعلية لإسرائيل هي أراضٍ محتلة. وقد صنّف الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر عام 2024 كلاً من الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة باعتبارها أراضي فلسطينية محتلة، وخلص إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي فيها يُعد غير قانوني.
إن إطلاق مسمى «منطقة عازلة» على أرض ما لا يعفي من الالتزامات القانونية المترتبة على السيطرة العسكرية الفعلية، و المخاوف الإسرائيلية لا تمنحها حقاً مطلقاً في السيطرة على الأراضي المجاورة أو حرمان الفلسطينيين من حقوقهم السياسية.
لقد أوضح نتنياهو موقفه: لا دولة فلسطينية طالما بقي رئيساً للوزراء، ولا انسحاب كاملاً قبل نزع السلاح بالكامل، ولا سقف زمنياً للسيطرة على الأراضي التي تعتبرها إسرائيل ضرورية لأمنها. قد يوفر هذا النهج حرية تكتيكية ويؤجل التهديدات المباشرة، لكنه لا يمكن أن يرسخ الشرعية أو يحقق المصالحة أو يبني نظاماً إقليمياً مستداماً؛ فالعقيدة التي تهدف إلى القضاء على كل خطر قبل السماح بالانسحاب تنطوي على مخاطر تحويل الاحتلال إلى واقع دائم وجعل السلام أمراً مستحيلاً من الناحية الهيكلية.
