– واشنطن أبلغت دمشق بأن التعامل مع التوترات قد يصبح أسهل بعد الانتخابات الإسرائيلية
رجح المحلل العسكري في صحيفة «يديعوت أحرونوت» رون بن يشاي، أن الهجوم الإسرائيلي في شمال شرقي سوريا ليل الإثنين – الثلاثاء، كان يهدف إلى تحقيق أهداف إستراتيجية، على غرار ما حدث في أبريل من العام الماضي، حين قصف الجيش الإسرائيلي مطار T4: «تذكير (الرئيس التركي رجب طيب) أردوغان بالحدود التي لا ينبغي تجاوزها، وتوضيح لـ (الرئيس السوري أحمد) أحمد الشرع بأنه لا ينبغي له أن يذهب بعيداً. فمنذ سقوط (نظام بشار) الأسد، تعمل أنقرة على إنشاء منظومات دفاع جوي داخل الأراضي السورية، من شأنها تقييد حرية العمل الإسرائيلية».
في مطلع أبريل 2025، هاجمت طائرات سلاح الجو الإسرائيلي مدارج ومنشآت مطار T4 في سوريا. وكما يبدو، لم تكن تلك المرة الأولى التي يتعرض فيها المطار لهجوم إسرائيلي. فخلال سنوات الحرب الأهلية، لم يستخدم المطار العسكري من قبل سلاح الجو السوري فحسب، بل استخدمه الإيرانيون أيضاً، الذين حاولوا عبره نقل منظومات دفاع جوي متطورة إلى «حزب الله» ودمشق.
لذلك، ووفقاً للتقارير، تعرض المطار لهجمات إسرائيلية مرات عدة. إلا أن هجوم أبريل 2025 كان مختلفاً بعض الشيء. فقد ذكرت وسائل إعلام عربية ودولية أن سلاح الجو الإسرائيلي قصف مدارج T4 لأن الأتراك، بعد سقوط نظام الأسد، حاولوا السيطرة على المطار وإقامة منظومات دفاع جوي ورادارات إنذار وكشف فيه.
وقررت إسرائيل حينها رسم خط أحمر أمام أنقرة. وبينما كانت قوات تركية، برفقة مهندسين ومقاولين، في طريقها إلى المطار، قصف سلاح الجو الإسرائيلي المدارج ومحيط المطار، في رسالة مفادها بأن إسرائيل لن تقبل بتمركز تركي في موقع استراتيجي من هذا النوع. إذ إن إقامة منظومات رصد واعتراض متطورة للطائرات والصواريخ هناك من شأنها أن تلحق ضرراً بالغاً بحرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء السورية، وكما اتضح لاحقاً، أيضاً بالمسار الجوي المستخدم لمهاجمة غرب إيران.
هذه التفاصيل لم تحظَ يوما بتأكيد رسمي في إسرائيل، لكنها لم تُنفَ أيضا.
ومن المعقول جداً الافتراض أن قصف الأخير، المنسوب إلى سلاح الجو الإسرائيلي، لمدارج ومنشآت مطار أبوالضهور، نُفذ لأسباب استراتيجية مشابهة. فقد كان المطار مستخدماً من قبل سلاح الجو السوري في عهد الأسد، وانتقلت السيطرة عليه مرات عدة بين قوات المعارضة والجيش السوري، خلال الحكم السابق.
وبعد انهيار نظام الأسد واستبداله بالشرع، الذي قاد قوات المعارضة، ضرب سلاح الجو الإسرائيلي ودمر جميع طائرات سلاح الجو التابعة للجيش السابق، إلى جانب منشآت ومخزونات استراتيجية أخرى. وهكذا بقي أبوالضهور، وهو مطار كبير يضم 22 مدرجاً ويمتد على مساحة واسعة، من دون استخدام فعلي في ظل غياب سلاح جو سوري.
وأخيراً، أفادت وسائل إعلام بأن تركيا تحاول تثبيت وجودها في المطار ونشر منظومات رادار للكشف وبطاريات لاعتراض الصواريخ والطائرات. ومن خلال النظر إلى الخريطة، يمكن فهم أن وجوداً تركياً مزوداً بمثل هذه الوسائل في المطار يشكل، وفق «يديعوت أحرونوت»، خطراً كبيراً ليس فقط على حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي في مختلف أنحاء سوريا، بل أيضاً في سياق احتمال تجدد القتال مع إيران.
ولذلك، من المحتمل جداً أن تكون هذه مرة أخرى ترسم فيها إسرائيل، من خلال قصف جوي، خطاً أحمر لمنع تمركز عسكري تركي يقيّد حرية عملها الجوية في المجال الاستراتيجي الممتد عبر شمال شرقي سوريا وشمال العراق (المنطقة الكردية) وغرب إيران.
تحذير للشرع
مع ذلك، تحاول إسرائيل تجنب التسبب في مواجهة مباشرة مع الأتراك. ولهذا نُفذ القصف ليلاً في مناطق لا يوجد فيها أشخاص، وبالتأكيد لا يوجد فيها أتراك، سواء جنوداً أو مدنيين، كما تلتزم إسرائيل رسمياً الصمت في شأن الهجوم نفسه.
وعلى الرغم من هذا الصمت، قال مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى لشبكة «فوكس نيوز» إن اسرائيل شاركت واشنطن، قبل الهجوم، «معلومات استخباراتية حساسة».
وأضاف أن المعلومات نُقلت «على أعلى المستويات في الوكالات والهيئات المختلفة (لدى البلدين)»، وأن «الشرع يدرك أنه لا يستطيع التصرف كما كان يفعل النظام السوري السابق».
وفي امتداد مباشر لتصريحات المسؤول، فإن الرسالة الناتجة عن قصف المطار موجهة أيضاً إلى الشرع، بهدف توضيح أن إسرائيل لن تقبل بسيطرة الأتراك على نقاط استراتيجية في سوريا بطريقة تهدد ليس فقط حرية عملها الجوي، وإنما مصالح إسرائيلية أخرى أيضاً.
وعليه، فالرسالة موجهة إلى تركيا، ولكنها موجهة كذلك إلى سوريا: ألا تذهب بعيداً في السماح للأتراك باستخدام أراضيها.
وفي الواقع، تسيطر تركيا على منطقة واسعة في شمال سوريا بمحاذاة الحدود، وأنشأت ما يشبه حزاما أمنيا ضد الأكراد داخل الأراضي السيادية السورية، وهي تحاول الآن توسيع تمركزها الاستراتيجي في سوريا باتجاه الجنوب، في مواجهة إسرائيل.
ويسمح الشرع لهم بذلك، بحسب الصحيفة الإسرائيلية، لأن الأتراك كانوا رعاته وزودوه بالسلاح والتدريب والحماية عندما كان لا يزال مع قواته المتشددة في منطقة إدلب جنوب شرقي حلب، قبل أن ينطلق للسيطرة على دمشق. ويرى الكاتب أن الشرع مدين لهم، وأن إسرائيل تحذره من الذهاب بعيداً في هذا الاتجاه.
ومن الطبيعي أن وسائل الإعلام الرسمية السورية دانت القصف، وأعلنت أن طائرات إسرائيلية هي التي قصفت المطار. كما دانت تركيا الهجوم بشدة ونسبته إلى إسرائيل، وكذلك فعل السفير الأميركي لدى تركيا توم باراك، الذي يشغل أيضاً منصب مبعوث الرئيس دونالد ترامب إلى سوريا.
في إسرائيل لم يفاجئهم ذلك كثيراً، إذ يصف المقال، باراك، وهو من أصول لبنانية، بأنه معروف بتأييده القوي لأردوغان وبدعمه للشرع.
من وجهة النظر الأميركية، بحسب المقال، فإن أي هجوم إسرائيلي في سوريا يعرقل جهود إدارة ترامب لتنفيذ سياستها الرامية إلى إرضاء أردوغان وضم سوريا إلى المعسكر الموالي للولايات المتحدة الذي يسعى الرئيس الأميركي إلى تشكيله في الشرق الأوسط.
وبتأثير من أردوغان، قرر ترامب احتضان الشرع، الذي كان حتى وقت قريب متشدداً، فيما ينظر مبعوث ترامب إلى تركيا وسوريا إلى قصف سلاح الجو الإسرائيلي في سوريا باعتباره مساساً بالمصالح الأميركية.
وفي السياق، يرى بعض كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية أن الهجوم ربما كان مدفوعاً، من بين عوامل أخرى، بالانتخابات الإسرائيلية المقبلة في أكتوبر المقبل، وفق موقع «أكسيوس».
وبحسب هؤلاء المسؤولين، حاولت سوريا خفض حدة التوتر وإنشاء آلية تنسيق مع إسرائيل بدعم أميركي، إلا أن تل أبيب رفضت تطبيق ذلك، وبدلًا منه صعّدت عملياتها العسكرية في جنوب سوريا.
ويخشى مسؤولون أميركيون من أن يؤدي ذلك إلى دفع دمشق نحو تبني موقف أكثر تشدداً وعدوانية.
وقد دعت إدارة ترامب، سوريا إلى ضبط النفس، ووفقاً للتقارير، أبلغت مسؤولين بأن التعامل مع التوترات قد يصبح أسهل بعد الانتخابات الإسرائيلية.
