أفادت تقارير عسكرية إسرائيلية، بوجود حال من التخبط الإستراتيجي الحاد والانقسام غير المسبوق بين القيادة السياسية بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والقيادة العسكرية الممثلة برئيس الأركان اللواء إيال زامير، مشيرة إلى تصاعد الخلافات في شأن إدارة الحرب على قطاع غزة ومراحلها التالية، بينما يعاني الجنود على الأرض من انهيار معنوي وأخلاقي، حيث يهدد هذا التمزق يهدد بتحويل المعركة إلى فشل إستراتيجي.
وذكر تقرير لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، أن زامير، تحدث في جلسة سرية أمام اللجنة الفرعية للاستخبارات، التابعة للجنة الخارجية والأمن بالكنيست، عن غياب تام للرؤية السياسية لما بعد الحرب.
وأشار إلى وجود زمة التخطيط الإستراتيجي، مضيفاً أن «رئيس الوزراء لا يقول لنا ما هي المرحلة التالية، نحن لا نعرف لما نستعد، إذا كانوا يريدون حكماً عسكرياً فليقولوا حكماً عسكرياً»، حيث أشارت الصحيفة إلى أن هذا الاعتراف يكشف أن الجيش يعمل في فراغ إستراتيجي، حيث تفتقد القيادة السياسية لخطة واضحة لإدارة ما بعد العمليات العسكرية.
ولفتت إلى أن زامير وصف خطة مراكز توزيع الغذاء بأنها «فشل ذريع»، متسائلاً عن سبب زيادة عددها إلى 12 مركزاً بينما فشلت عندما كانت 4، ما يظهر انفصاماً بين القرارات السياسية والواقع الميداني.
وحذّر من أن التقدم إلى مخيمات وسط غزة سيفرض حكماً عسكرياً بحكم الواقع على مناطق شاسعة، وهو ما لا يريده الجيش، ما يؤكد أن القيادة السياسية تدفع بالجيش إلى مستنقع لا يعرف كيفية الخروج منه.
انهيار معنوي في الميدان
وبحسب التقرير، فإن في الوقت الذي تعاني فيه القيادة من انقسامات، يعاني الجنود على الأرض من تبعات هذه الفوضى، موضحاً أن الآلاف منهم قد غادروا الخدمة القتالية بسبب الإرهاق النفسي والإصابات الأخلاقية، حيث لم يعد بإمكانهم تحمل القتل العشوائي أو المشاهد المروعة.
وأشار إلى فشل في تحقيق الأهداف، إذ إنه بعد مرور عام من الحرب، لم تحقق إسرائيل أي من أهدافها المعلنة، لاسيما بتحرير المخطوفين، أو القضاء على حركة «حماس» أو حتى تحقيق الأمن، وبدلاً من ذلك، تواجه أزمة إنسانية ودولية متصاعدة، وانهياراً داخلياً في الجيش.
وأكد التقرير وجود صدام بين الجانبين السياسي والعسكري، موضحاً أن تصريحات زامير، تؤكد أن الجيش يُجبر على تنفيذ أوامر سياسية من دون اقتناع، كما قال وزراء ليديعوت أحرونوت: «رئيس الأركان ينفذ فقط ما يأمره به المستوى السياسي وليس لقناعته بأن هذا صحيح»، ما يذكر بـ«صفعة حرب أكتوبر 2023»، عندما فشلت القيادة السياسية في قراءة التحذيرات الأمنية.
كما أن تحذيرات زامير من أن الاستمرار في التوسع العسكري سيفرض حكماً عسكرياً على غزة يعيد إسرائيل إلى مربع الوجود المكلف وغير المجدي الذي عاشته في لبنان وغزة سابقاً وفقاً للصحيفة.
«الإصابات الأخلاقية»
وفي سياق متصل، كشفت تحقيقات داخلية في الجيش الإسرائيلي عن ظاهرة متصاعدة لانسحاب آلاف الجنود النظاميين من الخدمة القتالية في غزة، بسبب إصابات نفسية وما يُعرف بـ «الإصابات الأخلاقية»، في مؤشر صارخ على الانهيار المعنوي الذي تعانيه القوات بعد عام كامل من الحرب المستمرة.
ووفقاً لتقديرات مصادر رفيعة المستوى في قسم القوة البشرية «أغاف» في الجيش، والتي تم الحصول عليها حصرياً، فإن أعداد الجنود الذين أوقفت خدمتهم أو نقلوا إلى وظائف غير قتالية منذ بداية الحرب تفوق الآلاف، مشيرة إلى أن الأرقام الفعلية «أعلى بكثير» من التقديرات الرسمية، التي يعلنها الناطق العسكري.
ورسم ضباط في تقرير بُني على مقابلات مع عشرات الجنود والعسكريين من ألوية مشتركة مثل «الناحل» و«جفعاتي»، صورة قاتمة تتناقض تماماً مع الخطاب الرسمي المتصلب.
شهادات من الداخل
وذكر التقرير، نقلاً عن أحد هؤلاء الجنود، الذي فضل استخدام الاسم المستعار «يوني» من لواء الناحل، روَى لحظة تحولت فيها خدمته إلى كابوس أخلاقي، خلال عملية تمشيط في بيت لاهيا شمال غزة، حيث أطلق النار بشكل مكثف بعد أن صرخ زميله «مخربون»، ليكتشف لاحقاً أن ضحاياه كانا «طفلين ربما في سن 8 أو 10 سنوات».
وتابع «كل شيء كان مغطى بالدماء… عرفت أن كل شيء كان بسببي، أنا الذي فعلت ذلك، رغبت في التقيؤ»، مشيراً إلى أن الرد من قائده كان ببرود: «لقد دخلوا إلى منطقة تدمير، هذا ذنبهم، هكذا هو الأمر في الحرب».
ولفت إلى أن هذه الحادثة دفعت يوني لطلب المساعدة من ضابط الأمن، الذي شخص حالته بأنها «إصابة أخلاقية» وهي إصابة نفسية عميقة ناتجة عن «القيام بعمل يناقض القيم والأخلاق التي يؤمن بها الشخص»، وفقاً للتعريفات النفسية العسكرية، فيما تم نقله إلى وظيفة مساندة، لكنه لايزال يعاني من ذكريات الماضي التي تلاحقه.
«لعبة القط والفأر»
وروى جندي آخر واسمه المستعار «بني»، كان قناصاً في اللواء مهمته اليومية في تأمين دخول المساعدات في شمال غزة بأنها «لعبة قط وفأر» مروعة.
وأضاف أنها تبدأ قبل الفجر، حيث ينصب موقعاً للقنص، مع وصول الشاحنات، يتجمع المدنيون اليائسون للحصول على الطعام، وأمامهم «حدود خفية» إذا اجتازوها يُسمح له بفتح النار.
وتابع «أطلق من 50 – 60 رصاصة في اليوم، توقفت عن العد. لا توجد لدي فكرة عن عدد الذين قتلتهم، كثيرين، أطفال».
وأشار إلى أن «الضباط يصرخون في جهاز الاتصال: لماذا لا تقتلون؟ هم يتقدمون نحونا وهذا خطير… لا يهم الضباط أن يموت الأطفال، ولا يهمهم أيضاً ماذا يفعل ذلك بنفسيتنا. بالنسبة لهم، أنا مجرد أداة».
وحاول «بني» الذي يحاول الآن الحصول على تسريح كامل من الجيش تلخيص حالته، قائلاً «أنا لا أصدق الضباط أو الحكومة بعد الآن».
«ظاهرة خرجت عن السيطرة»
إلى ذلك، قال ضابط في قيادة أحد ألوية المشاة لـ «هآرتس»، «لدينا عشرات الجنود الذين أرادوا الانسحاب من القتال… وهذه ظاهرة كانت موجودة دائماً، لكن ولا مرة كانت بهذه الأرقام، هذا الأمر خرج عن السيطرة فالجنود متعبون ولا يستطيعون المواصلة».
كما كشفت ضابطة في كتيبة مدرعات عن حجم الظاهرة اليومي، قائلة «لا يوجد تقريباً أي يوم لا أسمع فيه عن جندي يتوسل كي يسمحوا له بالانتقال من وظيفته القتالية».
«جرس إنذار»
وذكرت الصحيفة أن مثل هذه الشهادات والتقديرات ترسم واقعاً مختلفاً تماماً عن صورة «الجيش الأخلاقي» التي يروج لها الناطق العسكري الإسرائيلي.
وأشارت إلى الإرهاق المزمن من طول أمد الحرب والخدمة المتواصلة من دون أفق واضح للنصر أو الانسحاب استنزفت القدرة النفسية والجسدية حتى للنخب القتالية.
ولفتت إلى طبيعة القتال، حيث تجري العمليات في بيئة حضرية مكتظة ضد خصم غير تقليدي، والمواجهة اليومية مع معاناة المدنيين، تضع الجنود في مواقف أخلاقية مستحيلة.
وتطرقت إلى فشل القيادة مع تصرفات بعض الضباط، كما ورد في الشهادات، والتي تتعامل مع الجنود كـ «أدوات» وتتجاهل العبء النفسي والأخلاقي لأفعالهم، تزيد من حدة الأزمة.
وتحدثت عن الإصابة الأخلاقية وهي مفهوم نفسي جديد نسبياً في الخطاب العسكري، يشير إلى عواقب أعمق من «اضطراب ما بعد الصدمة»، حيث يتصدع النظام القيمي للفرد نفسه، مشيرة إلى أن اعتراف الجيش الإسرائيلي بهذه الحالات يُعد إقراراً غير مباشر بفظاعة المهام الموكلة للجنود.
ولفتت إلى أن الانهيار المعنوي في صفوف الجيش الإسرائيلي لم يعد مجرد ادعاءات من خصومه، بل أصبح حقيقة تؤكدها تقارير صحافية مستقلة وشهادات جنود ومصادر داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
وتابعت هناك «آلاف الجنود الذين يغادرون خطوط القتال يمثلون أعلى نسبة انسحاب في تاريخ الحروب الإسرائيلية، وهو جرس إنذار ليس فقط للقيادة العسكرية، أيضاً للمجتمع الإسرائيلي ككل حول الثمن البشري والأخلاقي الباهظ لحرب لا تبدو لها نهاية».

