– الدمار في جنوب لبنان وغزة و«الإرهاب اليهودي في الضفة»… «لا منطق له إلا الانتقام»
– «الإبادة» أصبحت جزءاً من الخطاب الرسمي… وإسرائيل لن تحقق أبداً «النصر المطلق»
– بقاء حالة «الأمن الدائم» تخدم أجندة نتنياهو… لا يستطيع البقاء في الحكم من دون حرب… وسيدفع الجميع «الثمن»
تواصل آلة الحرب الإسرائيلية – المدعومة أميركياً – حصد الأرواح وتهجير الشعوب وحرق المنطقة الممتدة من جنوب لبنان إلى قطاع غزة، مروراً بجبهة مفتوحة مع سوريا وإيران. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة اليوم، وسط بحر من الدماء والخراب، ليس فقط عن حجم الجرائم، بل عن المحرّك الحقيقي لها: هل هو «المشروع الإسرائيلي الإقليمي» الطامح لإعادة رسم خرائط الشرق تحت مسمى «إسرائيل الكبرى»، أم أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، المتهم بالفساد والهارب من قفص الاتهام، يواصل حرق المنطقة فقط ليبقى في كرسيه؟
تحليل معمق لأقوال وزراء إسرائيليين، وخطاب رسمي متطرف، وتقارير ميدانية موثقة، يكشف عن حقيقة مروعة: ما يحدث ليس حرباً دفاعية، بل إبادة جماعية ممنهجة، يغذيها الانتقام الأعمى، ويُسَيِّسها قائد يوظف «الأمن الدائم» ذريعة لارتكاب جرائم حرب متكاملة الأركان.
في تحليل صادم نشرته صحيفة «هآرتس»، يفضح الكاتب نير حسون، التحول الخطير في دوافع الجيش الإسرائيلي: «لم يعد الأمر مجرد رد عسكري، بل عقيدة قائمة على الانتقام كهدف أول وأخير».
ويقول بوضوح إن «الدمار في غزة، والإرهاب اليهودي للمستوطنين في الضفة الغربية، وتدمير القرى في جنوب لبنان… لا منطق لها إلا الانتقام».
هذه العقيدة لم تعد هامشية، بل تجسّدت رمزياً في شخصية إبراهام زربيب، الذي أصبح«بطلاً ثقافياً» في إسرائيل، بعد أن اخترع مصطلحاً عسكرياً جديداً هو «ليزرف» (أي العزف على آلة الجرافة)، حيث يهدم وحده نحو 50 مبنى أسبوعياً في غزة.
وحسب تحقيق لقناة «JFeed» الإسرائيلية، وصف زربيب، جرافاته بأنها«آلة موسيقية»، بينما كانت المنازل تتهاوى على رؤوس المواطنين الغزيين.
أما المحلل يهودا شليتزينغر، فلم يتردد في وصف كل السكان، بأن «لا أبرياء بينهم»، والأطفال بأنهم «إرهابيون في حاضنات».
هذه التصريحات، التي كانت ستُعتبر وصمة عار في أي مجتمع، أصبحت اليوم خطاباً رسمياً يصدح به وزراء وأعضاء كنيست من دون خجل.
كيف أصبح استهداف النساء والأطفال نظرية أمنية؟
جرائم الحرب في جنوب لبنان وقطاع غزة لم تأتِ نتيجة «أخطاء تكتيكية»، بل كانت جزءاً من تطبيق نظري متعمد لما يعرف بـ «نظرية الأمن الدائم»، التي وضعها الباحث دريك موزيس.
هذه النظرية تبرر استهداف كل فرد في غزة أو الجنوب باعتباره «تهديداً أمنياً دائماً» – حتى الأطفال والنساء.
وقد تجسدت هذه النظرية على لسان وزير الدفاع السابق بيني غانتس نفسه، الذي وصف الفلسطينيين علناً بأنهم «حيوانات بشرية»، وهو ذات الخطاب العنصري الذي استخدمته النظم النازية لتبرير الإبادة.
لكن الفارق أن هذا الخطاب اليوم يُصدر من على منصات رسمية، بل ويُدرّس داخل الكليات العسكرية الإسرائيلية.
«تسييس الإبادة»
المحلل الإستراتيجي يورام بيري، الخبير في العلاقات المدنية-العسكرية والمستشار السابق لرئيس الوزراء إسحق رابين، يفضح في «هآرتس» الآلية السياسية التي يستغلها نتنياهو.
ويصف إسرائيل بأنها «دولة أمن قومي» بامتياز، حيث يتم «تأمين» أي قضية (تحويلها إلى تهديد وجودي) لتبرير الحرب الدائمة.
وهنا يكمن الخطر: نتنياهو، وفريقه نجحوا في تفكيك الرقابة على السلطة التنفيذية عبر «الإصلاح القضائي» (الذي يصفه بيري، بالثورة الدستورية) والسيطرة على الإعلام، ليصبح الأسلحة أداة شخصية لخدمة ثلاثة أهداف وحيدة:
– تأجيل محاكمته بتهم الفساد، عبر إبقاء البلاد والمنطقة في حالة حرب دائمة.
– تفكيك المعارضة ووصف كل ناقد بـ«الخائن».
– البقاء في السلطة، لأن أي «نصر»مزعوم في غزة أو هدنة شاملة سيعني انهيار ائتلافه الحاكم المتطرف.
تطبيق نظرية «الانتقام» و«الأمن الدائم» في جنوب لبنان لم يحقق سوى فشل ذريع.
فقد أدى تدمير القرى اللبنانية وتهجير أهاليها إلى تقوية المتطرفين وتأجيج نيتهم للتسلح. والنتيجة «حلقة مفرغة من العنف لا تنتهي، تدفع ثمنها الشعوب، بينما يستفيد منها سياسي واحد على وشك السقوط».
حتى الداخل الإسرائيلي يعترف بالأزمة:«بحسب استطلاعات الرأي، فقط 38 في المئة من اليهود يثقون بحكومتهم، بينما تصل الثقة بالجيش إلى 92 في المئة – أي أن الشعب يؤمن بالحرب، لكنه لم يعد يثق بقائد الحرب».
التي تؤكدها كل التحليلات الميدانية والأكاديمية، هي أن حرب نتنياهو، متعددة الجبهة ليست خطة إستراتيجية لـ «إسرائيل الكبرى» بقدر ما هي وصفة انتخابية للإبادة يجري تغليفها بغطاء أمني.
دوافعه مزيج سام من:
– أهداف شخصية ضيقة: البقاء في كرسي السلطة والهروب من السجن.
– أيديولوجية انتقامية عاتية: تحويل الألم الوطني إلى عدوان أعمى على المدنيين.
– نظرية «الأمن الدائم» المستحيلة: محاولة فرض سيطرة أمنية مطلقة عبر جرائم حرب مكتملة الأركان.
وكما خلص حسون في تحليله «إسرائيل التي تتبع هذه السياسة لن تحقق أبداً النصر المطلق، لأن ديناميكية الانتقام اليوم تخلق جيلاً جديداً من الأعداء غداً. المشكلة ليست أن نتنياهو، يخوض للحرب، بل أنه لا يستطيع البقاء في الحكم من دونها – وسيدفع الجميع الثمن، لبنانيين وفلسطينيين وإيرانيين وإسرائيليين، لعقود قادمة، من أجل أن ينام رئيس وزراء واحد ليلة بلا قيود المحكمة».
