الماء… مفتاح تعزيز التعلُّم وتنشيط الذاكرة في الدماغ


في اكتشاف بحثي جديد يُلقي ضوءاً جديداً على واحدة من أعقد آليات التعلم والتذكر في الدماغ البشري، نجح فريق بحثي من مختبر «كولد سبرينغ هاربور» في الولايات المتحدة في كشف كيفية تمييز مستقبلات «NMDAR» العصبية بين أيوني الكالسيوم والمغنيسيوم، وهما عنصران متشابهان كيميائياً إلى حد كبير.

وقاد البحث البروفيسور هيرو فوروكاوا بالتعاون مع باحث ما بعد الدكتوراه روبين شتيغرفالد، ونُشرت النتائج في دورية «Nature Neuroscience».

وأوضح فوروكاوا، أن المغنيسيوم يجذب الماء بقوة أكبر من الكالسيوم، ما يجعل نزع جزيئات الماء المحيطة به أكثر صعوبة، وهنا يكمن السر الذي حيّر العلماء منذ ثمانينيات القرن الماضي.

وركز شتيغرفالد ، جهوده على جزء من القناة العصبية يُعرف باسم «قفص Asn»، وهو مرشح جزيئي لا يسمح إلا للجزيئات الصغيرة بما يكفي بالمرور. وباستخدام تقنية متطورة تُدعى «المجهر الإلكتروني فائق التبريد للجسيمات المفردة»، تمكّن الفريق من مراقبة المغنيسيوم وهو محاط بغلاف مائي يسد القناة، بينما يتمكّن الكالسيوم من المرور بعد نزع الماء عنه. وشبّه فوروكاوا، العملية بأنها «مصفاة سباغيتي»، حيث لا تعبر إلا الجزيئات القادرة على الانضغاط ضمن الحجم المناسب.

واستلزم هذا الإنجاز العلمي موارد تقنية هائلة، تمثلت في التقاط 50 ألف فيلم فائق الدقة من زوايا متعددة لتتبع الحركة المستمرة لجزيئات الماء حول الأيونات المعدنية، واستخدام نوى الحوسبة عالية الأداء في مختبر «كولد سبرينغ هاربور» لمعالجة ملايين الصور المجهرية وإعادة بنائها، إضافة إلى تأكيد الملاحظات المجهرية باستخدام تقنيات الفيزيولوجيا الكهربية لضمان دقة النتائج وصحتها العلمية.

وإلى جانب كشفها عن آلية أساسية من آليات التعلم والذاكرة، تحمل هذه الدراسة أهمية طبية استثنائية، إذ تبيّن أن «قفص Asn» عرضة لطفرات جينية تلقائية مرتبطة بما يُعرف باضطرابات «GRIN»، وهي حالات نمائية شديدة تؤدي إلى إعاقات ذهنية عميقة ونوبات صرع حادة. ويعاني كثير من المصابين بهذه الطفرات من فقدان القدرة على الكلام والمشي. ويمنح هذا الاكتشاف العلماء أوضح صورة حتى الآن للبنية الجزيئية لهذه القناة العصبية، ما يفتح الباب أمام تطوير علاجات موجهة لهذه الاضطرابات المستعصية.

وفي المُحصّلة، يذكّرنا هذا البحث بأن أبسط الجزيئات في الطبيعة – الماء – يؤدي أدواراً بالغة التعقيد في أعقد عضو في الكون المعروف، ألا وهو الدماغ البشري.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *