نجح فريق دولي من الباحثين في حل لغز طبي ظل يُحير أطباء الأسنان لعقود، والمتعلق بمرض «التهاب ما حول الزرعة» (Peri-implantitis)، وهو التهاب مدمر يُصيب الأنسجة المحيطة بزرعات الأسنان ويتسبب في فشلها وسقوطها، ما يُكلف نظم الصحة العالمية مليارات الدولارات سنوياً.
ووفق التقرير الذي نشره موقع «scitechdaily.com» فإن الدراسة التي نُشرت في دورية «ساينس ترانزليشنال ميديسن» كشفت عن آلية بيولوجية غير متوقعة تُفسر لماذا يرفض جسم بعض المرضى زرعات التيتانيوم، رغم أن هذا المعدن يُعتبر مثالياً للتوافق الحيوي.
واستناداً إلى الموقع، فإن زراعة الأسنان تُعد من أكثر الإجراءات الطبية نجاحاً، بمعدل نجاح يتجاوز 90 في المئة على مدى 15 عاماً. ومع ذلك، يُعاني نحو 20 في المئة من المرضى من التهاب ما حول الزرعة، وهو رقم هائل بالنظر إلى أن أكثر من 3 ملايين شخص يتلقون زرعات أسنان جديدة كل عام في الولايات المتحدة وحدها.
وأشار التقرير إلى أن الأطباء كانوا يعتقدون أن هذا الالتهاب ينجم بشكل رئيسي عن تراكم البكتيريا وسوء نظافة الفم، لكن الدراسة الجديدة أثبتت أن السبب أعمق من ذلك بكثير.
وأورد التقرير أبرز النتائج التي توصل إليها فريق البحث من جامعة «غوتنبرغ» السويدية، ومنها:
• اكتشف الباحثون أن الجهاز المناعي لدى بعض المرضى يتعرف على جزيئات التيتانيوم الدقيقة التي تتآكل من سطح الزرعة بفعل الاحتكاك والسوائل الفموية، ويُخطئ في تصنيفها على أنها «جسم غريب معادٍ» يُشبه البكتيريا.
• يُطلق هذا الخطأ المناعي استجابة التهابية مفرطة تُسمى «الالتهاب المناعي الذاتي»، حيث تهاجم الخلايا المناعية الأنسجة السليمة المحيطة بالزرعة، ما يُؤدي إلى تآكل العظم الداعم وفشل الزرعة في النهاية.
• تمكن الفريق من تحديد جين معين يُدعى «IL-1RN» يلعب دوراً محورياً في تنظيم هذه الاستجابة، وتبيّن أن المرضى الذين يحملون طفرة في هذا الجين هم أكثر عرضة للإصابة بالمرض بـ4 أضعاف مقارنة بغيرهم.
• بناءً على هذا الاكتشاف، يُمكن الآن تطوير فحص جيني بسيط قبل إجراء زراعة الأسنان لتحديد المرضى الأكثر عرضة للخطر، واتخاذ تدابير وقائية مبكرة مثل استخدام زرعات من مادة «الزركونيا» بدلاً من التيتانيوم.
ونقل التقرير عن البروفيسور أندرياس بيترسون، رئيس الفريق البحثي، قوله: «لقد كنا نلوم البكتيريا طوال هذه السنوات، بينما كان الجهاز المناعي هو المحرك الخفي لهذه الكارثة. هذا الاكتشاف لا يُفسر فقط سبب فشل الزرعات، بل يفتح الباب أمام طب أسنان شخصي قائم على الجينات».
وخلص التقرير إلى أن هذا الإنجاز العلمي قد يُوفر على أنظمة الصحة مليارات الدولارات التي تُنفق حالياً على إعادة زراعة الأسنان الفاشلة وعلاج المضاعفات، والأهم من ذلك أنه سيُجنب ملايين المرضى حول العالم معاناة الألم المزمن وفقدان الأسنان.
وأكد الباحثون أن الخطوة التالية هي بدء تجارب سريرية على الفحص الجيني التنبؤي بحلول العام 2027.
