دروس الغزو أكثر حضوراً من أي وقت مضى


في حياة الأمم، ثمة أيام لا يطويها الزمن لأنها لا تنتمي إلى الماضي وحده بل تمتد لتشكل وعياً وطنياً يرافق الأجيال. والثاني من أغسطس هو أحد تلك الأيام في تاريخ الكويت؛ يومٌ لم يكن مجرد احتلال لأرض، بل هو اعتداء على الشرعية، ومحاولة لاغتيال الدولة، ويعد اختباراً قاسياً لإرادة شعب رفض أن تتحول بلاده إلى غنيمة في مشروع توسعي لا يعترف بالحدود ولا بالقانون.

‏ستة وثلاثون عاماً مرت على الغزو العراقي الغاشم، لكن الزمن لم ينجح في تبديد دلالاته السياسية. فما وقع في عام 1990 لم يكن نزاعاً حدودياً، ولا خلافاً عابراً بين دولتين بل كان إعلاناً صريحاً بأن أطماع القوة، إذا لم تواجه بحزم، تتحول إلى خطر يهدد النظام الإقليمي بأسره.

‏ومن رحم تلك المحنة، خرجت الكويت أكثر إيماناً بأن السيادة ليست مفهوماً قانونياً فحسب، بل منظومة متكاملة من الوحدة الوطنية، والجاهزية الأمنية، والدبلوماسية الحكيمة، والتحالفات الإستراتيجية، والقدرة على قراءة التحولات قبل أن تتحول إلى أزمات.

‏واليوم، وبينما يشهد الشرق الأوسط إعادة تشكيل لموازين القوى، تبدو دروس الغزو أكثر حضوراً من أي وقت مضى. فالمنطقة لا تزال تواجه مشاريع تتجاوز منطق الدولة الوطنية، وتسعى إلى إعادة رسم خرائط النفوذ عبر أدوات متعددة؛ تارة بالسلاح، وتارة بالميليشيات، وتارة بالحرب الإعلامية والسيبرانية، وتارة بالضغط السياسي والاقتصادي.

‏ومن بين أبرز هذه التحديات، تبرز السياسات الإيرانية التي أثارت قلقاً متزايداً لدى دول الخليج على مدى سبعةً وأربعين عاماً، فكلما تراجع مبدأ احترام سيادة الدول، واتسعت دوائر التدخل في شؤونها الداخلية، ودُعمت جماعات مسلحة خارج مؤسسات الدولة، تضاءلت فرص الاستقرار، وازدادت احتمالات التصعيد. وليس لنا خلاف مع الشعب الإيراني، الذي تربطه بجيرانه أواصر التاريخ والجوار، وإنما مع سياسات النظام الإيراني الذي تتعارض مع قواعد حسن الجوار والالتزام بعدم التدخل واحترام سيادة الدول.

‏إن ما تشهده المنطقة اليوم من أزمات متلاحقة يؤكد أن الأمن لا يتجزأ، وأن أمن الكويت جزء أصيل من أمن الخليج، كما أن أمن الخليج يمثل ركيزة للاستقرار العربي والدولي. ومن هنا، فإن أي تهديد يستهدف أمنه أو ممراته البحرية أو استقراره السياسي لا يمكن التقليل من شأنه أو التعامل معه باعتباره حدثاً عابراً.

‏لقد أثبتت الكويت، منذ التحرير، أنها لا تؤمن بسياسة المغامرات، بل بسياسة الدولة؛ دولة تحترم القانون الدولي، وتدعو إلى الحوار، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن السلام الحقيقي لا يقوم على حسن النوايا وحده، وإنما يحتاج إلى قوة تحميه، ووحدة تصونه، وردع يمنع الاعتداء عليه.

‏إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الأمم هو أن تظن أن التاريخ قد انتهى، أو أن المخاطر التي واجهتها لن تعود بأشكال جديدة. فالتاريخ لا يكرر نفسه، لكنه يعيد إنتاج أدواته، ويختبر يقظة الدول واستعدادها. ومن هنا، فإن ذكرى الغزو ليست مناسبة للبكاء على الماضي، بل لتجديد العهد بأن الكويت ستبقى عصية على كل مشروع يستهدف سيادتها أو وحدتها أو قرارها الوطني.

‏لقد انتصرت الكويت عام 1991 لأنها كانت صاحبة حق، ولأن شعبها التف حول قيادته، ولأن العالم أدرك أن السكوت على العدوان يعني سقوط النظام الدولي بأسره. واليوم، فإن الرسالة ذاتها مازالت صالحة: لا أمن في المنطقة ما لم تُحترم سيادة الدول، ولا استقرار مع استمرار سياسات التدخل وفرض النفوذ، ولا مستقبل مزدهراً لشعوب الشرق الأوسط إلا بقيام علاقات تقوم على الندية، واحترام الحدود، وعدم استخدام القوة أو الوكلاء لفرض الإرادات.

‏وفي الذكرى السادسة والثلاثين، تنحني الكويت إجلالاً لشهدائها، وتعتز بصمود شعبها، وتستذكر مواقف الأشقاء والأصدقاء الذين وقفوا إلى جانب الحق. لكنها في الوقت نفسه تنظر إلى المستقبل بعين الدولة التي تعلمت من التاريخ، وأدركت أن حماية الوطن ليست مسؤولية جيل واحد، بل رسالة تتوارثها الأجيال.

‏سيبقى الثاني من أغسطس شاهداً على أن الكويت لا تُنسى مآسيها، لكنها لا تسمح لها بأن تكسر إرادتها. وسيبقى أيضاً شاهداً على أن الدولة التي تعرف قيمة سيادتها، وتحافظ على وحدتها، وتقرأ التحولات بعين الحكمة، قادرة على أن تعبر الأزمات مهما تعاظمت التحديات.

‏رحم الله شهداء الكويت، وحفظ وطننا وقيادتنا وشعبنا من كل سوء، وأدام علينا نعمة الأمن والاستقرار.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *