رغم التطورات الخطيرة التي شهدتها حركة الإمدادات النفطية، وما ترتب على إغلاق مضيق هرمز من اضطراب كبير في تدفقات النفط الخام والمشتقات النفطية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا لم ترتفع أسعار النفط إلى مستوى 100 دولار للبرميل أو أكثر؟ وكيف استطاعت الأسواق العالمية حتى الآن امتصاص هذا الاضطراب الكبير من دون أن نشهد نقصاً حاداً في المعروض أو أزمة وقود واسعة النطاق؟
إن أكثر من 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمشتقات النفطية كانت تمر عبر هذا الممر الإستراتيجي إلى الأسواق العالمية، وهي كمية تمثل نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، وتقترب من 20 إلى 25 % من الاستهلاك العالمي. ومن الناحية النظرية، فإن توقف مثل هذه الكميات يفترض أن يؤدي إلى صدمة كبيرة في الأسواق، وإلى ارتفاع سريع وحاد في أسعار النفط. لكن ما نشهده حتى الآن يبدو مختلفاً، وهو ما يطرح العديد من التساؤلات حول قدرة الأسواق على امتصاص الصدمة.
هل السبب هو وجود كميات ضخمة من المخزونات النفطية الإستراتيجية لدى الدول الكبرى؟ وهل تستطيع هذه المخزونات بالفعل تعويض جزء كبير من النقص في الإمدادات لفترة طويلة؟ وإذا كانت المخزونات هي أحد أهم العوامل التي حالت دون وصول الأسعار إلى مستويات أعلى، فإلى متى يمكن استخدامها قبل أن تبدأ في الانخفاض إلى مستويات مقلقة؟
هناك عامل آخر يتمثل في قدرة بعض الدول المنتجة على إعادة توجيه جزء من إنتاجها إلى الأسواق التي تعاني نقصاً في الإمدادات. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، تمتلك إنتاجاً نفطياً كبيراً، ويمكنها زيادة أو إعادة توجيه صادراتها إلى أوروبا وأسواق أخرى، وهو ما قد يخفف جزئياً من تأثير انخفاض الإمدادات الآتية من منطقة الخليج العربي.
لكن المشكلة الحقيقية تظهر عند النظر إلى القارة الآسيوية، التي تمثل مركز الثقل الأكبر في الطلب العالمي على النفط، والتي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات النفط من منطقة الخليج.
فالصين تستورد نحو 14 مليون برميل يومياً، والهند قرابة 7 ملايين برميل يومياً، بينما تستورد كوريا الجنوبية نحو 3.5 ملايين برميل، واليابان نحو 3.2 ملايين برميل يومياً، إضافة إلى تايوان وسنغافورة وبقية الدول الآسيوية التي تعتمد بصورة كبيرة على استيراد النفط الخام والمشتقات النفطية.
والسؤال هنا ليس فقط: هل تمتلك هذه الدول مخزونات كافية؟ وإنما أيضاً: إلى متى يمكن أن تكفي هذه المخزونات في حال استمرار توقف الإمدادات الآتية من الخليج العربي؟ وهل تستطيع هذه الدول الاستمرار في تأمين احتياجاتها لمدة ستة أشهر أو أكثر إذا بقيت حركة الصادرات النفطية من المنطقة متوقفة أو محدودة؟ إذا أخذنا في الاعتبار احتمال انخفاض الصادرات النفطية العالمية بأكثر من 65 % نتيجة استمرار تعطل الإمدادات، فإن حجم التحدي يصبح واضحاً للغاية. فمن أين سيأتي العالم بهذه الكميات الهائلة من النفط؟ ومن هي الدول التي تمتلك القدرة الإنتاجية واللوجستية على تعويض هذا النقص؟
المشكلة لا تتعلق بالنفط الخام وحده، بل تمتد إلى المشتقات النفطية. فعدد من الدول الآسيوية لا يمتلك طاقات تكريرية كافية لتلبية كامل احتياجاته، وبالتالي يعتمد على استيراد المنتجات المكررة مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات. ولذلك فإن توقف صادرات دول الخليج لا يعني فقط نقص النفط الخام، بل قد يعني أيضاً نقص المنتجات النفطية الجاهزة التي تحتاجها الأسواق بصورة يومية.
كما أن تأثير إغلاق مضيق هرمز لا يقتصر على النفط والغاز وحدهما. فتعطل حركة الملاحة يؤثر كذلك على صادرات عدد من المواد والمنتجات الصناعية والبتروكيماوية، ومنها الميثانول والألمنيوم والكبريت والغرافيت الموصل للكهرباء وغيرها من المواد التي تدخل في صناعات إستراتيجية. ومع ذلك، يبقى السؤال الأساسي: لماذا لم يتجاوز سعر النفط حاجز 100 دولار حتى الآن؟ ربما تكمن الإجابة في أن الأسواق لا تعتمد فقط على حجم الإمدادات المفقودة، وإنما تعتمد أيضاً على حجم الطلب الفعلي. ففي أوقات الأزمات، قد ينخفض الطلب نتيجة ارتفاع الأسعار أو نتيجة الإجراءات التي تتخذها الحكومات والشركات والمستهلكون لترشيد الاستهلاك.وقد تلجأ بعض الدول إلى تقليص استهلاك الوقود، أو إغلاق بعض محطات التوزيع موقتاً، أو تقليل ساعات عملها، أو تشجيع المواطنين على استخدام وسائل النقل العام، أو فرض إجراءات أخرى تهدف إلى تخفيض الطلب والمحافظة على المخزونات المتاحة لأطول فترة ممكنة، وبالتالي فإن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يؤدي إلى نقص في هذه المواد وارتفاع أسعارها، وهو ما سيضيف ضغوطاً جديدة على الاقتصاد العالمي.
وقد يؤدي ذلك في بعض الدول إلى تراجع القدرة على شراء النفط، ليس بسبب انخفاض الحاجة إليه، وإنما بسبب عدم القدرة المالية على دفع ثمنه.
ومن هنا فإن المرحلة المقبلة قد تكون شديدة الحساسية، خصوصاً إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة.
فهل ستتمكن الأسواق من الحفاظ على أسعار النفط في نطاق يتراوح بين 75 و80 دولاراً للبرميل؟ أم أن استمرار اضطراب الإمدادات وانخفاض المخزونات سيؤديان إلى ارتفاع الأسعار تدريجياً نحو 100 دولار وربما أعلى من ذلك؟
كاتب ومحلل نفطي مستقل
