– المستوطنون استولوا بالقوة على ما يقارب 20 في المئة من مساحة الضفة… وتهجير أكثر من 120 تجمعاً سكانياً فلسطينياً
كشفت حركة «السلام الآن»، أكبر منظمة سلام في إسرائيل وأبرز المراقبين لسياسة الاستيطان التوسعي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، عن وثيقة إستراتيجية حددت فيها خريطة طريق واضحة لتفكيك البنية التحتية لإرهاب المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة.
وتأتي هذه الخطة بعد أن وثّقت الحركة تحولاً نوعياً في هجمات المستوطنين من مضايقات متفرقة إلى أعمال إرهابية منظمة تشمل القتل والحرق والتهجير القسري يمارسه المستوطنون ضد الفلسطينيين العزل، في ظل صمت حكومة اليمين المتطرف وتمويل رسمي ممنهج لهذه البؤر التي تقوض فرص السلام وتلحق الضرر بمكانة إسرائيل الدولية.
وأكدت الحركة في تقريرها الميداني، أن ما كان يُعتبر سابقاً تصرفات فردية لـ«عدد قليل من المارقين» تطور ليصبح سياسة حكومية مدعومة بتمويل عام، تهدف إلى فرض الأمر الواقع وتهجير الفلسطينيين.
وكشفت الوثيقة، التي اطّلعت عليها «الراي»، عن إحصاءات صادمة تشير إلى أنه منذ تولي حكومة بنيامين نتنياهو، مهامها في ديسمبر 2022، تم إنشاء 231 بؤرة استيطانية ومزرعة جديدة، استولت بالقوة على ما يقارب 20 في المئة من مساحة الضفة (أكثر من مليون دونم)، وأدت إلى تهجير أكثر من 120 تجمعاً سكانياً فلسطينياً، مع التركيز بشكل خاص على المناطق الحيوية التي تعترض طريق التوسع الاستيطاني.
تعزيز الأمن الميداني وحماية الفلسطينيين
ترى الحركة أن الخطوة الأولى لوقف العنف تكمن في منع الهجمات قبل وقوعها، عبر إنشاء مركز قيادة مشترك بين القيادة المركزية للجيش الإسرائيلي وشرطة «يهودا والسامرة» و«الشاباك»، يعمل على توحيد المعلومات الاستخباراتية ويوظف كوادر ناطقة بالعربية لتلقي البلاغات من الفلسطينيين، مع نشر القوات فوراً للقبض على المشتبه بهم.
كما تطالب الخطة بتصنيف حماية المدنيين الفلسطينيين كمهمة ذات أولوية قصوى للجيش، ونشر قوات لحماية المزارعين الفلسطينيين ومرافقتهم في المناطق عالية الخطورة، بالإضافة إلى حل وحدات الدفاع الإقليمية التابعة للمستوطنات، والتي يُتهم أفرادها بالانخراط في أعمال العنف.
تجفيف منابع التمويل الحكومي
تصف الحركة التمويل الحكومي بأنه «شريان الحياة» لهذه البؤر الإرهابية، وتكشف أن مئات الملايين من الشواكل تُصرف لدعمها بطرق مباشرة وغير مباشرة. وتشمل الإجراءات المقترحة إلغاء التمويل المباشر للمزارع الاستيطانية، بما في ذلك الميزانيات الأمنية وبرامج وزارة الزراعة ومنح الرعي، مع الإشارة إلى أن الحكومة خصصت أخيراً 50 مليون شيكل إضافية من «الأموال الائتلافية» لتوفير معدات أمنية للبؤر غير القانونية.
كما تطالب الخطة بمحاسبة السلطات المحلية التي تمول البناء غير القانوني، وإلغاء جميع مخصصات الرعي في الضفة، وإلغاء أهلية المنظمات غير الربحية التي تجمع التبرعات لإنشاء بؤر استيطانية، خاصة منظمة «أمانا» الاستيطانية التي استثمرت ملايين الدولارات في هذا المسار.
تطبيق القانون وإنهاء الإفلات من العقاب
تشير معطيات الحركة إلى أن الإفلات من العقاب هو العامل الأبرز في تشجيع استمرار الإرهاب، وتدعو إلى تعزيز القدرات الاستخباراتية والتحقيقية عبر إضافة وظائف شرطية وتعيين مدعٍ عام للتحقيقات في الجرائم ذات الدوافع السياسية.
وتتضمن الخطة إصدار أوامر استبعاد تمنع المستوطنين العنيفين من دخول الضفة، وضمان وصول الفلسطينيين إلى مراكز الشرطة عبر زيادة عدد المحققين الناطقين بالعربية، ونقل لقطات الكاميرات العسكرية إلى الشرطة كأدلة حاسمة في الملاحقات القضائية.
إزالة البؤر الاستيطانية غير القانونية
تؤكد الخطة أن إزالة البؤر الاستيطانية غير القانونية هي خطوة جوهرية لاستعادة هيبة القانون، وتدعو إلى تطبيق قوانين التخطيط والبناء وتنفيذ أوامر الهدم الصادرة بحق البناء غير القانوني، مع إعطاء الأولوية للمزارع التي تتحول إلى مراكز عنف، ووضع خطة تدريجية لإخلائها ومنع إعادة إنشائها.
برامج علاجية وتأهيلية للشباب
تدرك الحركة أن معالجة جذور الظاهرة تتطلب برامج اجتماعية للشباب المعرضين للتطرف، وتكشف بيانات وزارة المستوطنات أن نحو 650 شاباً يعيشون في البؤر الاستيطانية غير القانونية، ما يستدعي وضع خطة حكومية تشمل وزارات الرعاية والتعليم والأمن والعدل، وإنشاء أطر علاجية خارج الضفة لإعادة تأهيلهم وإبعادهم عن مراكز العنف والتطرف.
اختبار الدولة والقانون
ترى «السلام الآن» أن هذه الخطة هي اختبار حقيقي لإرادة الحكومة في اختيار مسار الدولة والقانون بدلاً من الفوضى، محذرة من أن استمرار دعم هذه البؤر يُعد سرقة للمال العام ويخدم أجندة متطرفة على حساب الأمن القومي، ويدفع إسرائيل إلى عزلة دولية ويقوض فرص السلام ويدمر النسيج المجتمعي والأخلاقي للدولة، مؤكدة أن «التغيير ممكن في هذا العالم الديناميكي، ولا يمكننا الاستسلام».
