– يوسف السريع: أم كلثوم صوت القوة والامتلاء والسلطنة… وفيروز صوت الصفاء والحنين والضوء الهادئ
– أيوب خضر: أم كلثوم تمتلك مساحة صوتية أوسع… وخصوصية فيروز بصوتها وهويتها الغنائية
– محمد المسباح: كل واحدة تمثل هرماً فنياً ومدرسة موسيقية لها لونها وخصوصيتها
– فراس التتان: فيروز تمثل مساراً موسيقياً مختلفاً عن أم كلثوم
– جمال عبدالقادر: أفضّل الاستماع إلى أم كلثوم… «بحس إنها بتاعتنا»
– محمد العلايلي: فيروز الصبح صوت نقي… وأم كلثوم تُسمع ليلاً «في الروقان والسلطنة»
– وليد توفيق: فيروز ترافقني في الصباح مع فنجان القهوة… بينما أستمع في المساء إلى الطرب الذي تمثله أم كلثوم
– نور الملاح: أم كلثوم تغني لوناً واحداً… وفيروز كل الألوان
– جاهدة وهبة: صوت «سفيرتنا إلى النجوم» أقرب إلى الصفاء والحميمية… وأم كلثوم حوّلت القصيدة أو الأغنية إلى حدث كامل واحتفالية كونية
بين «كوكب الشرق»، و«جارة القمر»… رحلة طويلة بـ«البوسطة» لأكثر من «ألف ليلة وليلة»، تتوقف على «الأطلال»، وتضيع فيها «أسامينا».
حالة الضياع، تأتي من عظمة التاريخ لصاحبتي اسمين، تملكان صوتين، لكل منهما سحره، وقدمتا على مدار مسيرتهما الفنية أعذب الكلمات والجمل اللحنية.
وبين من يجد أن فيروز «قهوة الصباح» فيما أم كلثوم «مزاج المساء»، فتحت «الراي» الباب على سؤال «أيهما أفضل… ولمن ينحاز المستمع العربي؟ بعد أن تخلّد صوت الراحلة أم كلثوم و(الفيروزيات) الماثلة على قيد الحياة مثل صاحبتها».
وتوقفت المحطات في كل من الكويت والقاهرة وبيروت، استطلاعاً لآراء نقاد وأكاديميين وموسيقيين وفنانين، في محاولة لإيجاد إجابة لهذا السؤال المحيّر.
استهل الحديث مدير عام إذاعة الكويت الدكتور يوسف السريع، قائلاً: «حين نتحدث عن أم كلثوم وفيروز، فإننا لا نقارن بين صوتين عاديين، بل نقف أمام مدرستين فنيتين شكّلتا جانباً مهماً من الذاكرة العربية. لكل واحدة منهما عالمها الخاص، ولونها المميز، وقدرتها المختلفة على الوصول إلى وجدان المستمع. لذلك لا يصح أن يكون السؤال: أيهما أفضل؟ بل الأجمل أن نسأل: متى نحتاج إلى أم كلثوم، ومتى نلجأ إلى فيروز؟».
ومضى «أم كلثوم صوت القوة والامتلاء والسلطنة. تمتلك حضوراً صوتياً استثنائياً، وقدرة كبيرة على أداء الجمل اللحنية الطويلة، والتحكم في التنفس، والتنقل بين المقامات، وإعادة الجملة الواحدة بصور متعددة، فتمنحها في كل مرة إحساساً جديداً. كانت لا تكتفي بأداء اللحن كما كُتب، بل تعيد خلقه فوق المسرح من خلال الارتجال والتفاعل المباشر مع الجمهور».
وأشار إلى أن صوت أم كلثوم لا يصل إلى الأذن وحدها، بل يفرض على المستمع حالة كاملة من التركيز والانفعال. أغنياتها الطويلة تشبه الرحلة، تبدأ بهدوء، ثم تتصاعد شيئاً فشيئاً حتى تبلغ ذروة الطرب. ولهذا كانت حفلاتها أحداثاً عربية كبرى، تجتمع حولها الجماهير وتتابعها عبر الإذاعة في أنحاء الوطن العربي.
وزاد السريع: «كما تميّزت أم كلثوم بوضوح مخارج الحروف، وفهمها العميق للنص الشعري. كانت تعرف كيف تمنح الكلمة وزنها ومعناها، وكيف تجعل الحرف جزءاً من الموسيقى. وحين تغني قصائد أحمد شوقي أو إبراهيم ناجي أو غيرهما، يشعر المستمع بأن القصيدة لم تعد نصاً مكتوباً، بل أصبحت حياةً مسموعة».
وفي ما يتعلّق بفيروز، فقال: «هي صوت الصفاء والحنين والضوء الهادئ. لا تعتمد تجربتها على الاستعراض الصوتي أو التطريب الطويل، بل على التكثيف والشفافية والقدرة على اختصار مشاعر كثيرة في أغنية قصيرة. صوتها لا يقتحم الوجدان، وإنما يتسلل إليه برفق، مثل نسمة الصباح أو ضوء يدخل من نافذة قديمة».
وأكمل: «يمتاز صوت فيروز بنبرة متفردة يصعب أن تتكرر أو تُقلَّد. ففيه رقة ظاهرة، لكنها ليست رقة ضعيفة، بل تحمل في داخلها قوة خفية وعمقاً إنسانياً كبيراً. تستطيع أن تغني للحب والقرية والمدينة والوطن والأم والانتظار والفراق، وأن تجعل التجربة الخاصة شعوراً عاماً يجد كل مستمع نفسه فيه».
ولفت إلى أن أعمال الأخوين الرحباني أسهمت، ثم ألحان وتجارب زياد الرحباني، في بناء عالم فيروزي متكامل يجمع بين الشعر والمسرح والموسيقى والتراث والحداثة، مضيفاً «ففي أغنياتها نسمع حكايات الناس البسطاء، وأصوات القرى، وشوارع المدن، وذاكرة بيروت، والشوق إلى القدس ودمشق وبغداد ومكة وسائر المدن العربية».
وأردف السريع «إذا كانت أم كلثوم تجعل المستمع يجلس أمامها منصتاً بكل جوارحه، فإن فيروز تمشي إلى جانبه في تفاصيل يومه. أم كلثوم صوت المساء الطويل، والحفل الكبير، والانتظار، والوجد المتصاعد، وفيروز صوت الصباح، والطريق، والنافذة، والقهوة، والذكرى الهادئة».
وذكر أن أم كلثوم تبني الأغنية مثل صرح موسيقي ضخم، تتجاور فيه المقامات والارتجالات والقصائد والجمل المطولة. أما فيروز، فترسم أغنيتها مثل لوحة رقيقة، قد لا تحتاج إلى مساحة كبيرة، لكنها تترك أثراً ممتداً في الذاكرة. الأولى تأخذ المستمع إلى ذروة الطرب، والثانية تعيده إلى نفسه.
وبيّن السريع أنه في الأداء العاطفي، تبوح أم كلثوم بالمشاعر بقوة وتصاعد، وكأنها تخوض معركةً بين الحب والكبرياء والغياب والاشتياق. أما فيروز فتقدم الحزن بنبرة هادئة، وكأن الألم أصبح ذكرى جميلة يمكن احتمالها. حزن أم كلثوم عاصفة، وحزن فيروز مطر خفيف، كلاهما يلامس القلب، ولكن بطريقة مختلفة.
ورأى أن أم كلثوم مثلّت عصر القصيدة والفرقة الموسيقية الكبيرة والحفلات الممتدة والتفاعل الجماهيري المباشر، بينما أسست فيروز، مع الرحابنة، شكلاً غنائياً أكثر اختصاراً ومسرحيةً وحكائية، يحمل روح المكان والإنسان العربي. ولذلك فإن المقارنة بينهما لا ينبغي أن تكون بحثاً عن فائزة، لأن كل واحدة منهما حققت الكمال داخل عالمها الخاص.
وختم السريع «في النهاية، لكل جميل حلاوته، ولكل صوت زمانه ومكانه ومزاجه. هناك لحظات لا تليق بها إلا أم كلثوم، ولحظات لا يكتمل معناها إلا بصوت فيروز. وبين صوت كوكب الشرق وصوت جارة القمر، تمتد مساحة واسعة من الجمال العربي الذي لا يشيخ، ولا ينتهي أثره، ولا تستطيع الأجيال أن تستغني عنه».
مدرستان مختلفتان
بدوره، تحدّث المايسترو الدكتور أيوب خضر، قائلاً: «بالنسبة إليّ، أحب الاستماع إلى الاثنتين، فالسيدة فيروز والسيدة أم كلثوم من أبرز أساطير الغناء في الوطن العربي، لكن على المستوى الشخصي أجد نفسي في أغلب الأحيان أميل إلى الاستماع لفيروز أكثر، فهي الأقرب إليّ من حيث الحالة الفنية والإحساس».
وأضاف «أما المقارنة بينهما، فمن وجهة نظري ليست دقيقة، لأننا أمام مدرستين مختلفتين، لكل واحدة منهما شخصيتها الفنية وأسلوبها وخصوصيتها في التعبير والأداء».
وزاد بالقول: «من الناحية الموسيقية البحتة، وتحديداً في المساحة والإمكانات الصوتية، تمتلك أم كلثوم مساحة صوتية أوسع وقدرات كبيرة في الأداء والتطريب والتحكم بالصوت، بينما تتميز فيروز بخصوصية صوتها وهويتها الغنائية وقدرتها على إيصال الإحساس بأسلوب متفرد».
وختم خضر تصريحه: «نحن أمام قامتين استثنائيتين، ولكل واحدة منهما عالمها ومدرستها ومكانتها الفنية التي لا تشبه الأخرى».
جمال بلا مفاضلة
من جانبه، يرى الفنان محمد المسباح أن المقارنة بين أم كلثوم وفيروز لا تأخذ الموضوع في إطاره الصحيح، باعتبار أن كل واحدة منهما تمثل هرماً فنياً ومدرسة موسيقية لها لونها وخصوصيتها. وقال: «الموضوع ليس بحلته الصحيحة، بما أنهما هرمان لا يجوز المقارنة بينهما، كل واحدة لها لون مختلف، وكلاهما جميل، وهذه من الألوان الموجودة في الكون، ألوان جميلة ومدارس فنية موسيقية، لا نقارن بينهما، ما في أفضلية، هناك جمال فقط».
وأوضح المسباح أن الاختلاف بين الفنانتين يرتبط أيضاً بالبيئة التي نشأت فيها كل واحدة منهما، ففيروز ابنة البيئة اللبنانية بما تحمله من خصوصية في اللهجة والتراث واللون الموسيقي، في حين نشأت أم كلثوم في البيئة المصرية التي لها موروثها الغنائي والموسيقي المختلف. ويرى أن هذا التنوع بين البيئتين انعكس على تجربتيهما، وأسهم في ظهور لونين فنيين متباينين، لكل منهما جماله وهويته الخاصة.
وأكد المسباح أنه يحب صوتي أم كلثوم وفيروز، ولا يميل إلى تفضيل إحداهما على الأخرى، لأن لكل منهما قدراتها ومكانتها الفنية. وقال: «أحب الصوتين ولا أفضل واحدة على أخرى»، موضحاً أن تقييم الإمكانات الصوتية بصورة دقيقة يترك لأهل الاختصاص في علم الأصوات، إلا أنه يرى أن أم كلثوم تمتلك قدرات صوتية استثنائية أجمع عليها أهل الفن والموسيقى.
وأشار إلى أن تجربة أم كلثوم الصوتية تمثل حالة نادرة في تاريخ الغناء العربي، قائلاً: «أم كلثوم قدرة صوتية الكل يجمع عليها، ولم نسمع مثلها، وهي منذ صغرها إلى مرحلة النضج». وفي الوقت نفسه، شدد على أن ذلك لا ينتقص من مكانة فيروز، مؤكداً: «لا يمنع، فيروز فنانة عملاقة وذات مكانة استثنائية».
تجربتان مهمتان
ومن زاوية موسيقية وأكاديمية، يرى رئيس قسم الأصوات والأستاذ المساعد في المعهد العالي للفنون الموسيقية بأكاديمية الفنون، الدكتور فراس التتان، أن المقارنة بين أم كلثوم وفيروز ينبغي ألا تقوم على أساس المفاضلة بينهما، وإنما على فهم الاختلاف بين المدرستين اللتين تمثل كل واحدة منهما. فلكل فنانة منهما تكوينها ونشأتها وظروفها الفنية التي أسهمت في تشكيل أسلوبها الغنائي.
وقال التتان: «كلتاهما مدرسة مختلفة عن الأخرى»، موضحاً أن أم كلثوم تمثل مدرسة شرقية، في حين أن نشأة فيروز وتجربتها الفنية أخذتا منحى مختلفاً. ويرى أن هذا الاختلاف في النشأة انعكس بصورة واضحة على طبيعة الغناء الذي قدمته كل منهما، وعلى الأسلوب الموسيقي الذي ارتبط باسميهما.
وأوضح التتان أن نشأة أم كلثوم الدينية كان لها تأثير كبير في تكوينها الفني، مشيراً إلى أنها «لديها النشأة الدينية التي أثرت عليها جداً، كونها درست تجويد القرآن الكريم على يد المشايخ». ويرى أن هذا الجانب من نشأتها أسهم في ارتباط تجربتها بالمدرسة الشرقية، وهو ما انعكس على طريقة أدائها وطبيعة اللون الغنائي الذي عُرفت به.
وفي المقابل، أشار التتان إلى أن تجربة فيروز تشكّلت في إطار مختلف، موضحاً أن «فيروز اعتمدت على الرحابنة وألحانهم، فانطبعت بالطابع الكلاسيكي أكثر». ومن خلال ذلك، يوضح أن فيروز تمثل مساراً موسيقياً مختلفاً عن أم كلثوم، وهو ما يجعل لكل واحدة منهما خصوصيتها ومدرستها التي تميزها عن الأخرى.
ولا يرى التتان أن هذا الاختلاف يعني وجود تعارض بين المدرستين، بل على العكس، فهو يتعامل معهما باعتبارهما تجربتين مهمتين في الغناء، لكل منهما أسلوبها وخصائصها. ويؤكد ذلك من خلال تجربته في تدريس الغناء العربي، حيث يجمع بين المدرستين ويستفيد من اختلافهما في تعليم الطلبة.
وختم بالقول «لدينا مدرسة الوزان للموسيقى في مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي، وفيها أدرس الطلبة الغناء العربي، وأعلمهم مدرستي أم كلثوم وفيروز، مستخدماً الطابعين الكلاسيكي الشرقي والآخر الغربي».
لن تتكررا
ومن الكويت، تتجه البوصلة إلى مصر، حيث قال الناقد الفني جمال عبدالقادر، إنه يفضّل الاستماع إلى أم كلثوم، (وبحس إنها بتاعتنا… بتغني لي أنا وبس».
وأضاف «أم كلثوم من أهم الفنانات في العالم وفي تاريخ الغناء بشكل عام، وفي الوقت ذاته فيروز مطربة مهمة جداً، ومن أهم المطربات في تاريخ الغناء العربي، وهما حالتان لن تتكررا».
تربيت على صوت أم كلثوم
من ناحيتها، قالت الفنانة المصرية مريم الجندي، إنها تستمع إلى الاثنتين، «لكن لو هختار واحدة بس هختار أم كلثوم».
وأضافت «أم كلثوم ظاهرة لم ولن تتكرر، وفيروز صوت جميل وإحساس راق، ولكن اخترت أم كلثوم، لأن صوتها تربيت عليه وفي داخلي، لأنني كنت أحفظ أغانيها وكنت أغنيها وأعزفها منذ كنت طفلة».
الاثنتان معاً
بدوره، قال المطرب والملحن الدكتور محمد العلايلي، الحاصل على الدكتوراه في الموسيقى العربية، إنه يستمع إلى الاثنتين بطبيعة الحال، موضحاً أن «فيروز الصبح… صوت نقي وجميل وحساس».
ووصف العلايلي أم كلثوم بالقول: «أم كلثوم دي مدرسة كوكب الشرق… تُسمع تحديداً في الليل (في الروقان والسلطنة) وقوة الصوت والألفاظ».
ثنائية خالدة
من جهته، قال الفنان المصري محمد عشماوي «هذه الثنائية خالدة، وأم كلثوم بالنسبة إليّ ليست مطربة فقط، إنها مدرسة في الإحساس والأداء، صوتها فيه قوة وهيبة، وفي الوقت نفسه تتخلله تفاصيل ومشاعر تجعلك تشعر في كل مرة تسمع الأغنية نفسها وكأنك تسمعها للمرة الأولى»، مضيفاً أن «عظمة أم كلثوم أنها لم تكن تغني الأغنية، بل كانت تعيشها».
وأردف «فيروز حالة مختلفة تماماً، وصوتها فيه هدوء وحنين ودفء، ويملك قدرة غريبة على أن يغيّر (مودك) منذ الدقيقة الأولى. فيروز بالنسبة إليّ صوت له علاقة بالذكريات والمزاج واللحظات الهادئة، خصوصاً في الصباح».
وقال عشماوي «أختار أم كلثوم، ربما لأنني أحب الأغنية التي تأخدني في رحلة، ومع أم كلثوم أشعر بأن لدي وقت أعيش فيه مع الكلمة والموسيقى والصوت، وفي كل مرة أكتشف إحساساً جديداً. لكن بصراحة… فيروز لها وقتها، وأم كلثوم لها وقتها».
الصباح والمساء
وفي لبنان، يشير الفنان وليد توفيق إلى أن المقارنة بين فيروز وأم كلثوم ينبغي ألا تقوم على تفضيل إحداهما على الأخرى. ويوضح «كل واحدة منهما تمثل قامة فنية كبيرة ومدرسة خاصة يصعب أن تتكرر في العالم العربي. ومن هذا المنطلق أختار الاستماع إلى الاثنتين وفق المزاج والوقت؛ ففيروز ترافقني في النهار، خصوصاً في الصباح مع فنجان القهوة، بينما أستمع في المساء إلى الطرب الذي تمثله أم كلثوم».
ويضع توفيق مسألة الشخصية الصوتية في صلب التميّز الفني، معتبراً أن الفنان الذي لا يمتلك شخصية خاصة يتحول إلى مجرد فنان عادي يشبه غيره. ويقول «إن ما يميز صوت فيروز تحديداً هو خصوصيته. خلال دراستي للصوت في باريس كانت مدرّبتي فرنسية ولم تكن تعرف اللغة العربية، وهي كانت معلمة وردة وشارل أزنافور وغيرهما، وفي إحدى المرات طلبت مني أن أحضر لها أصواتاً عربية للاستماع إليها، فاخترت لها محمد عبدالوهاب ووديع الصافي وأم كلثوم وفيروز. وبعد شهرين، سألتها لماذا لم تقولي لي شيئاً عن تلك الأصوات، فردت: صوت فيروز كنائسي يستطيع في الوقت نفسه، أداء الغناء الشرقي، وهي سمة لا توجد في صوت أي مطرب آخر في العالم. وأضافت أن محمد عبدالوهاب يغني (تكنيك)، أي أنه أستاذ في الإلقاء والغناء. فهو كان يملك القدرة على التحكم بصوته بحيث يستطيع تغيير طريقة إخراج الكلمة والجملة الصوتية وفق ما يريد، وهو أسلوب يرتبط بتقنيات التلاوة والتجويد في القرآن الكريم».
وأضاف «عن أم كلثوم قالت إنها تغني بكل جسدها، ولكنني لم أفهم ما كانت تقصده إلا عندما راقبتها على الشاشة الصغيرة وهي تغني خلال وجودي في فندق (الهيلتون). وهي فعلاً تغني بكل جسدها. كذلك، قالت لي إن هناك طبقتين في صوتها/ طبقة الرجل وطبقة المرأة. أما عن وديع الصافي، فقالت إن كل ما نعلمه في الغناء وهبه الله إياه في صوته، وعندما سألت أستاذي وديع الصافي عن هذا الموضوع قال لي إن تكوينه الصوتي يعود إلى القرآن، وتحديداً إلى مدرسة الشيخ المنشاوي، إلى جانب تأثره بعبد الوهاب».
لا يمكن جمعهما
بدوره، رأى الملحن اللبناني نور الملاح أن أم كلثوم وفيروز تحولتا إلى مَثَل لمن يرون فيها موهبة، وقال «إذا كانت إحداهن تتمتع بصوت جميل، يقارنونها إما بصوت أم كلثوم وإما بصوت فيروز. لكن هما مختلفتان عن بعضهما من حيث اللون، أي من حيث الأغنية والأسلوب».
وأضاف «أم كلثوم تتميز بالطرب الأصيل والقصائد، بينما تتميز فيروز بالأغنية الكلاسيكية. الاثنتان متربعتان على عرش الأغنية؛ ولكن كل واحدة بطريقة مختلفة عن الأخرى، ولا يمكننا جمعهما مع بعضهما. والفرق بين الفنانتين، بالنسبة إليّ، هو أن أم كلثوم تغني لوناً واحداً، بينما فيروز تغني كل الألوان».
القيمة الفنية
من جانبها، ترى الفنانة اللبنانية جاهدة وهبة، أن الخيار بين أم كلثوم وفيروز صعب جداً، وتعتبر أن «القيمة الفنية لكلتاهما كبيرة جداً، ويصعب سبر أهميتهما، لأنهما تجاوزتانا وستبقيان إلى زمن بعيد».
وتقول «شخصياً، أرى أن (سفيرتنا إلى النجوم) صوتها أقرب إلى الصفاء والحميمية، وإلى شيء من الروحانية السامية التي تنتشلنا إلى زمن شفاف يكاد يكون غير أرضي، حتى وهي تغني اليومي أو العادي. ويمكن سماعها في أوقات ومزاجات كثيرة. أما السيدة أم كلثوم، فهي هامة وهرم في تاريخ الغناء العربي، ولها هيبة حضور استثنائية أداءً وإلقاءً وغناءً واختيارات. وأحبها كثيراً، ربما لأنها حوّلت القصيدة أو الأغنية إلى حدث كامل واحتفالية كونية، وأنا أعشق القصائد».
وتضيف وهبة «أما إذا كان السؤال: من تملك الإمكانات الصوتية والتطريبية الأضخم؟ فأقول: أم كلثوم قوتها في السيطرة المذهلة على الصوت: نفس طويل، ووضوح شديد في مخارج الحروف، وقدرة على تلوين الجملة الواحدة مرات متعددة، وتمكّن كبير من المقامات والارتجال. والأهم أنها لم تكن تؤدي اللحن فقط، بل كانت تستطيع أن تجعل بيتاً شعرياً واحداً يعيش عمراً وأكثر، وفي كل إعادة تمنحه معنى وانفعالاً مختلفاً. لهذا، كانت حفلاتها أشبه بحوار بينها وبين الجمهور، وكان الملحنون يتركون لها مساحات واسعة للتصرف والتطريب. أما فيروز، فقوتها من نوع آخر تماماً. صوتها ليس قائماً أساساً على الاستعراض أو التطريب الطويل، بل على النقاء، والتأثير العميق، والشخصية الصوتية الفريدة، والاقتصاد في التعبير، وكل ذلك بتمكّن لا يُجارى». وتوضح وهبة «فيروز تستطيع بنبرة صغيرة أو امتداد كلمة بسيطة أن تخلق إحساساً كاملاً، سامياً، نورانياً ومديداً. وهناك في صوتها شيء يصعب قياسه تقنياً: مزيج من البعد والقرب، ومن الحزن والطمأنينة، ومن الحنين والشجن. صوت ممسوس بأجنحة ضوئية تخترقنا وتحلّق بنا. لذا، يصبح، من دون استئذان، جزءاً من ذاكرة المستمع ومكانه وزمنه. وطبعاً، لا يمكن فصل هذه العبقرية تماماً عن عالم الأخوين الرحباني وزياد الرحباني، الذين عرفوا كيف يكتبون لصوتها بطريقة تكشف أطيافه المختلفة».
جناحا الغناء
وصف يوسف السريع، أم كلثوم وفيروز بأنهما «جناحان للغناء العربي»، موضحاً أن «أم كلثوم منحتنا فخامة الصوت وسلطنة المقام وقوة الكلمة، وفيروز منحتنا صفاء النبرة ودفء الحكاية وجمال البساطة. أم كلثوم توقظ فينا العاطفة بكل قوتها، وفيروز تهدهدها بحنان. الأولى تجعلنا نقول: (عظمة على عظمة)، والثانية تجعلنا نصمت ونبتسم أو نشتاق».
تنوع المشهد الغنائي العربي
رأى محمد المسباح، أن اختلاف البيئة والمدرسة واللون الفني هو ما يمنح كل تجربة قيمتها الخاصة، قائلاً: «فيروز ارتبطت بمدرسة الرحابنة وقدمت لوناً مميزاً مستنداً إلى خصوصية البيئة اللبنانية، بينما جاءت أم كلثوم من مدرسة غنائية مصرية مختلفة مع ثبات الأسس والثقافة الشرقية الموسيقية، وهو ما صنع هذا التنوع الغني في المشهد الغنائي العربي. ولذلك، وضعهما في منافسة مباشرة ليس دقيقاً، لأن القيمة في التجربتين لا تقوم على الأفضلية، وإنما على اختلافهما وقدرة كل منهما على ترك بصمتها الخاصة».
الصوت… عضلة
يربط وليد توفيق، بين قوة الصوت وبين التمرين و«التكنيك»، مؤكداً أن «المحافظة على الصوت تحتاج إلى تدريب مستمر»، مستعيداً تجربته الشخصية في هذا المجال، حيث كان يصل في السابق إلى مرحلة التعب بعد ساعة من الغناء، بينما أصبح قادراً على الغناء أربع ساعات من دون أن يشعر بالتعب، بفضل «التكنيك» والتمرين المتواصل. ومن هنا ينتقد، بصورة غير مباشرة، بعض الممارسات التي يرى أنها تفرض نفسها على بعض المطربات «اليوم ينصرف الاهتمام إلى المظهر والملابس وشكل الفستان على حساب الصوت، مع أن الصوت في النهاية عضلة تحتاج إلى التدريب والعناية المستمرة».
شبه متعاكستين
اعتبرت جاهدة وهبة، أن «أجمل ما في المقارنة، مع أنها برأيي غير منطقية لاختلاف الصوتين ومسارهما، أنهما تمثلان مدرستين شبه متعاكستين: أم كلثوم تقول لك: اجلس واستمع إليّ، بينما فيروز تستطيع أن تغني وأنت تعيش يومك، ثم تجد نفسك فجأة توقفت لتستمع إليها. ولو ذهبنا إلى تفصيل أكثر: في القوة والسيطرة والتطريب والارتجال، أختار أم كلثوم؛ وفي النقاء والخصوصية والحميمية وسحر النبرة، أختار فيروز. أما في التأثير التاريخي، فكلتاهما ظاهرة يصعب تكرارها».
أعد الملف:
الكويت – علاء محمود وفيصل التركي
القاهرة – هند سيد
بيروت – هيام بنوت
