يستعيد المسلمون في ذكرى المولد النبوي الشريف، الأحداث الخالدة التي بدّلت معالم الحياة، وغيّرت مجرى التاريخ، بولادة (النور والهدى)، حيث كان مولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، إيذاناً بميلاد جديد للإنسانية، عنوانها العزة والكرامة، وانتفضت عن كاهلها، رواسب الجاهلية والظلم والطغيان الذي خلّفته الانحرافات والضلالات التي عانت منها الأمة طويلاً قبل البعثة المحمدية.
فقد كانت الحالة الاجتماعية في الامة العربية، بائسة وقاتمة، بحيث استشرى الظلم والطغيان، ووأد البنات (دفن الطفلة المولودة حية) فالعقول تحجرت، وضلت، وعبدت الأوثان من دون الله، وكان العالم ينتظر… المخلص، ويترقب… المنقذ، ويتلهف… للهادي، الذي سيقود البشرية الى طريق الحق والهدى.
الكون يترقب النبأ العظيم
كانت الأمة تعيش في تخبط وظلم، سادت الوثنية، وضاعت القيم، وانتشرت المظالم، وفي تلك البيئة القاحلة، أراد المولى عز وجل بأن يمنّ على البشرية بنعمة كبرى، فكان ميلاد النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، بمثابة النور الفارق الذي انقشعت به الغشاوة عن العيون، لتكتسي الأرض حلة جديدة من الجمال والجلال.
تطل علينا ذكرى المولد النبوي الشريف،وهي ليست مجرد يوم عابر في التاريخ، بل هي (إشراقة نور) و(ولادة رحمة).
يوم أطلّ فيه خير البرية ليبدّد الظلمات ويقيم صرح الهداية والإيمان.
وُلِدَ الهُدى فَالكائِناتُ ضِياءُ
وَفَمُ الزَمانِ تَبَسُّمٌ وَثَناءُ
الروحُ وَالمَلَأُ المَلائِكُ حَولَهُ
لِلدينِ وَالدُنيا بِهِ بُشَراءُ
فلنجعل من هذه المناسبة المباركة عهداً متجدداً على الاقتداء بنبي الرحمة، ونشر قيم الرحمة والمحبة بين البشرية جمعاء.
قال تعالي:
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
المولى عز وجل، يبلغنا بأنه كلّف نفسه وملائكته بأن يصلوا على النبي، ثم يأتي الأمر من المولي عز وجل… يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً.
ففضل الصلاة على النبي، علامة على الإيمان، وتعني التزكية والثناء والرحمة المطلقة، أي إبراء النبي من كل نقص وآفة، وكذلك تشمل الاستغفار والمدح والدعاء لرفع درجاته.
(اللهم صلِ على محمد وآل محمد)
مقامات نبي الرحمة فى القرآن الكريم منها:
1 – {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}
في التبليغ والقول، فوجود الهوى منفي عنه مطلقاً بنص القرآن الكريم.
2 – {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا}
بمعني التسديد والعلم اللدني
3 – {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين}
تشمل الرحمة المتمثلة في بعثة النبي الأكرم لجميع العوالم من إنس وجن و ملائكة وغيرهم، فهي رحمة عامة بالوجود بأسره.
4 – {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}
النبي (ص) من جنسهم البشري، ويعرفون نسبه وشرفه وصِدقه فهو أفضلهم نسباً، ولم يصبْه دنس الجاهلية.
5 – {أَلَم نَشرَح لَكَ صَدرَكَ}
ملأ الله قلب النبي (ص) علماً وحكمة، وبسط صدره ليتسع لعالم الغيب والشهادة، بحيث يستوعب ثقل الرسالة من دون ضيق.
6 – {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ}
التسديد الإلهي المطلق للنبي (ص)
7 – {وَمَا يَنطقُ عَن الْهَوَىٰ}
هذه الآية القاعدة المطلقة لعصمته في القول والبيان.
8 – {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ}
الاستقرار النفسي، وثبات الجأش، والكمال الروحي والمعرفي للنبي في رحلة المعراج حين بلغ سدرة المنتهى.
9 – {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ}
الرؤية كانت بالفؤاد والقلب.
10 – {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً}
إن شهادة النبي ليست مجرد شهادة بالقول يوم القيامة، بل هي شهادة حقيقية حضورية في الدنيا والآخرة على أعمال الأمة.
11 – {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى}
ولد يتيماً ليتولى الله عز وجل تربيته.
12 – {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}
الإسلام يشتمل في جوهره على كمال مكارم الأخلاق، والنبي هو التجسيد الحي الكامل، وتلك هي شهادة من المولي عز وجل، لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بأنه بلغ الغاية في حُسن الأخلاق وعظم الآداب.
ختاماً:
– لم نرَ النبي إلا أننا عشقناه
تلك هي الحقيقة الصادقة المعبّرة عن المشاعر التي تجتاح قلوب ملايين المسلمين عبر العصور، حيث يمتد هذا العشق ليتجاوز حدود الزمان والمكان، هذا الشوق لرسول الله رغم عدم رؤيته هو ظاهرة إيمانية فريدة أخبر عنها النبي بنفسه وتنبأ بوقوعها.
(مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا، نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ)
– لرسول الله علينا الكثير من الحقوق، فمن حقوقه طاعته، واتِّباعه، واتِّباع ما جاء به من عند الله تعالى.
{قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}
ومن حقوقه علينا الإيمان به، وأنه رسول الله حقاً أرسله الله إلى الإنس والجن بشيراً ونذيراً، والإيمان بعصمته في ما بلَّغه عن ربِّه تعالى، فهو خاتم النبيين وأنه قد بلَّغ رسالته على أكمل وجه، ومن حقوقه وجوب نصرته وتوقيره والتأدب معه.
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}
وما أحوجنا اليوم إلى القدوة والأسوة الحسنة، فالأمة الإسلامية تعيش اليوم فى أضعف حالاتها، تواجه الأزمات والتحديات المعاصرة الكبيرة، تتطلب العودة إلى المنهج العملي الأصيل الذي أرساه الرسول والذي انتشل به الإنسانية من ظلمات الجاهلية والتشتت إلى نور الهدى والوحدة والاستقرار، فعندما تعيش الأمة فترات الضعف والأزمات، يصبح التمسك بالقدوة ليس مجرد شعور عاطفي، بل هو طوق النجاة والركيزة الأساسية لبناء مجتمع قوي ومتماسك يُعيد ريادته وقيمته بين الأمم.
ولذلك فإن إشراقة النور المحمدي ليست حدثاً تاريخياً انتهى، بل هو نور مستمر وممتد نقتبس منه اليوم باتباع سنته وأخلاقه في حياتنا اليومية.
{قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}
فما أجمل وأروع أن نجدّد العهد والولاء والانتماء بالنبي الأكرم، بحيث نذكره في كل زمان ومكان، نلتزم أوامره وننتهي عن نواهيه، ونحتكم إلى سنته، وخير الأقوال الإكثار من الصلاة والسلام عليه.
وُلِدَ النبي محمد (ص) في مكة فأصبحت مكرّمة.
هاجر إلى المدينة فأصبحت منوّرة.
ودخل قلوبنا فأصبحت مطهّرة.
فصلوا عليه وسلموا تسليماً
– اللهم صلِ على محمد وآل محمد .
