
في حي الزيتون شرقي مدينة غزة، ودّع أهالي القطاع رفات نحو 100 شهيد بينهم أطفال مساء أمس السبت، بعدما تمكنت الطواقم المختصة من انتشال جثامينهم من تحت أنقاض المنازل المدمرة، بعد سنوات طويلة قضوها تحت الركام، بحسب العدوان الإسرائيلي على غزة.
وللمرة الأولى منذ فقدانهم، أُتيحت لعائلات الشهداء فرصة طال انتظارها لرؤية أحبائهم وإلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليهم، قبل مواراتهم الثرى اليوم الأحد.
وداع مؤجل لسنوات
وحملت مشاهد الوداع آثار سنوات من الانتظار؛ أمهات وآباء وأبناء وأقارب وقفوا أمام جثامين أحبائهم، بعدما ظلوا عاجزين طوال تلك المدة عن معرفة مصيرهم أو المكان الذي يرقدون فيه، فيما اختلط الحزن بمرارة استعادة الرفات من بين أنقاض المنازل التي دمرتها الحرب.
ولم يكن انتشال الجثامين مجرد عملية للبحث عن مفقودين تحت الركام، بل أعاد إلى عائلاتهم بقايا أشخاص غابوا عنهم منذ سنوات، وبقيت أجسادهم وآثارهم تحت الأنقاض، إلى أن تمكنت الطواقم المختصة من الوصول إليهم وإعادتهم إلى ذويهم ليواروا الثرى.
وطوال هذه المدة، حُرمت عائلات كثيرة من إقامة مراسم الدفن والوداع، وبقي مصير أحبائها مجهولًا، قبل أن تضع عملية الانتشال حدًا لانتظار ثقيل عاشته تلك الأسر.
ومع خروج الجثامين من بين الأنقاض، تحوّل الركام الذي كان شاهدًا على لحظة الفقد إلى محطة للوداع الأخير، في مشهد اختلطت فيه مرارة الفقد براحة الوصول أخيرًا إلى جثامين من غابوا طويلًا تحت الركام.
توثيق لحظات الوداع
وثّقت مقاطع فيديو وصور متداولة مشاهد انتشال الجثامين والاستعداد لتشييعها، وأظهرت عائلات وهي تستعيد رفات أحبائها بعد سنوات من بقائها تحت الأنقاض، وسط أجواء غلب عليها الحزن والدعاء.
وأظهرت المشاهد كذلك جانبًا من مراسم الوداع، مع تجمع أفراد العائلات أمام جثامين ورفات أحبائهم، استعدادًا لدفنهم بعد انتظار امتد لسنوات.
وتُشيَّع رفات الشهداء اليوم إلى مثواها الأخير، بعد سنوات قضتها تحت أنقاض المنازل المدمرة. وبينما تستعد العائلات لدفن أحبائها، تبدو لحظة الوداع متأخرة أعوامًا، لكنها تأتي أخيرًا لتضع حدًا لانتظار ثقيل تركه الحرب خلفها.
وتزامن تداول هذه المشاهد مع تفاعل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث استحضر ناشطون وصحفيون سنوات الانتظار التي عاشتها عائلات الشهداء، وعبّروا عن وقع مشاهد الوداع والدفن.
من الركام إلى الوداع
ووصف الناشط لؤي خالد المشهد بأنه امتداد لـ«رائحة الموت التي لا تتوقف عن التحليق في شوارع غزة»، مشيرًا إلى انتشال رفات أكثر من 100 شهيد، بينهم نحو 70 طفلًا، من تحت أنقاض المنازل التي دُمرت خلال الحرب.
من جهته، قال الناشط محمود الشريف إن الصور المتداولة «ليست عابرة»، واصفًا ما ظهر فيها بأنه أكفان ورفات عُثر عليها بين الركام، ومعتبرًا أن هذه المشاهد تعكس حجم الدمار الذي خلفه القصف في الأحياء السكنية في غزة.
أما الناشط خالد صافي، فنشر صورًا من مراسم الوداع، مشيرًا إلى أن أهالي غزة يودعون رفات شهدائهم بعدما تمكنت الطواقم المختصة من انتشالها من تحت أنقاض المنازل المدمرة في حي الزيتون، موضحًا أن عددًا منهم ينتمون إلى عائلة ملكة.
وفي السياق ذاته، كتب الناشط معين الكحلوت: «من تحت الركام إلى المقابر.. 100 شهيد يُشيّعون»، في إشارة إلى الجثامين التي انتُشلت من أنقاض حي الزيتون تمهيدًا لدفنها.
ووصف الناشط المعروف باسم الحكيم المشهد بأنه «جنازات وقهر مؤجل منذ أكثر من عامين»، مشيرًا إلى أن عائلات الشهداء ظلت تنتظر طويلًا فرصة دفن أحبائها وإقامة مراسم الوداع.
وتوقف في منشوره عند معاناة العائلات التي تنتظر سنوات لدفن أطفالها، متسائلًا عن حجم الألم الذي يعيشه أب وأم يتحول بحثهما عن طفلهما بعد سنوات إلى البحث عن عظم أو رفات أو أثر أخير يدل عليه، مختتمًا بالقول: «في غزة حتى الجنازات مؤجلة.. وحتى الوداع يحتاج إلى أعوام»
أكثر من ألف يوم على الفراق
كما نشر الصحفي بشير أبو شعر صورًا من مراسم الوداع، وكتب عن «نظرة وداع على أجساد ووجوه مجردة من كل ملامحها»، مشيرًا إلى تكرار مشاهد الفقد والوداع في غزة، حيث يودع الأطفال أصدقاءهم للمرة الأخيرة بالدموع والزهور.
بدوره، وصف الصحفي عزيز خليل البهتيني المشهد بأنه «الوداع الأخير»، مشيرًا إلى مرور أكثر من ألف يوم على الفراق والانتظار والبحث عن بقايا الأحبة، قبل أن تصل عائلاتهم أخيرًا إلى لحظة الدفن والوداع.
وتعكس هذه التفاعلات جانبًا من المعاناة التي عاشتها عائلات الشهداء، التي لم تقتصر خسارتها على فقدان أحبائها، بل امتدت إلى سنوات من الانتظار لمعرفة مصيرهم، ثم استعادة جثامينهم ودفنها.
ومنذ 7 أكتوبر 2023، تواصل إسرائيل شن حرب إبادة جماعية ضد أهالي قطاع غزة، رغم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار مع حماس، مما أسفر عن استشهاد 73470 فلسطينيا وإصابة 174540 آخرين، معظمهم أطفال ونساء، وفقا لأحدث بيانات وزارة الصحة حتى 2 سبتمبر الجاري.
