«أعبيد» و«شليويح»… الوعد بالسكة بين بيتين وذاكرتين


بيت مسكون يعرفه الجمهور منذ سنوات، وفي مواجهته بيت كويتي آخر يتمسك صاحبه بعاداته وتقاليده، وبين البيتين… «سكة».

في أحدهما «أعبيد ولد أم أعبيد»، الشخصية التي ارتبطت بالنجم الدكتور عبدالعزيز المسلم، وفي الآخر «شليويح»، الشخصية البدوية الكويتية التي ارتبطت بالدكتور طارق العلي، أما الموعد… ففي السكة.

ومن هنا ربما يصبح عنوان المسرحية «يا حبيبي لا تقولي ولا أقولك… الوعد بالسكة» مفتاحاً لقراءة العمل قبل أن تُفتح الستارة.

فما الذي يمكن أن يحدث عندما يصبح «البيت المسكون» جاراً لبيت «شليويح»؟

هذا هو السؤال الذي يبدو أن صُنّاع العمل يريدون تركه معلقاً حتى اللحظة الأخيرة، بيتان… وسكة واحدة.

إذ لا يبدو اجتماع النجمين الدكتور عبدالعزيز المسلم والدكتور طارق العلي في هذا العمل مجرد بطولة جماهيرية مشتركة، بل يحمل دلالة تجتاز المسرحية نفسها، لأنه يجمع تجربتين صنعت كل منهما مساحة خاصة في المسرح الكويتي والخليجي.

المسلم أسس تجربته المعروفة في مسرح كوميديا الرعب، وقدم من خلالها سلسلته الشهيرة «البيت المسكون» التي تحولت عبر أجزائها وشخصياتها إلى علامة جماهيرية ارتبطت باسمه بوصفه مؤلفها ومنتجها وبطلها.

وفي الجهة الأخرى، صنع طارق العلي، عبر عقود تجربته الخاصة في المسرح الكوميدي الجماهيري، وقدم نماذج وشخصيات بقيت في ذاكرة الجمهور، ومن أبرزها أداء «شليويح»، الشخصية الكويتية البدوية المتمسكة بعاداتها وتقاليدها.

واللافت أن المسرحية الجديدة لا تضع الشخصيتين فقط أمام بعضهما… بل تضع البيتين أمام بعضهما.

بيتان كويتيان، تختلف مشكلاتهما وطبيعة الحياة داخلهما، لكنهما ينتميان إلى مجتمع واحد، وتجمعهما عادات وقيم وتقاليد واحدة، وبينهما السكة.

ولذا، يصبح السؤال أكثر جدلاً: إذا كان الجمهور يعرف ما يجري داخل «البيت المسكون»، ويعرف عالم «شليويح» وطبيعته… فماذا سيحدث عندما يخرج الاثنان إلى السكة؟

اللقاء بعد عقود

أهمية اللقاء تتضاعف لأنه يأتي بعد سنوات من الحديث عن اجتماع النجمين في عمل واحد، وبعد عقود من مشاركاتهما المسرحية المبكرة، ومنها «هالو بانكوك» عام 1988 و«عاصفة الصحراء» عام 1991. لذلك، لا ينتظر الجمهور بطولة مشتركة فقط، بل لحظة تستحضر ذاكرة مسرحية وشعبية صنعها كل منهما طوال مسيرته.

لكن هذه المرة، اللقاء لا يقوم على عبدالعزيز المسلم وطارق العلي وحدهما، وإنما على شخصيتين لهما تاريخ مستقل وجمهور يعرف تفاصيلهما وطريقة حديثهما وردود أفعالهما، وحينئذٍ تكمن خطورة اللعبة وجمالها في آن واحد.

لذلك، لا يكمن التحدي في جمع النجمين، بل في إدارة هذا الاختلاف وتحويله إلى قوة داخل العرض، حتى لا يتحول اللقاء إلى مباراة في النجومية. وهنا تبرز أهمية الفنان محمد الحملي، مؤلفاً ومخرجاً، والذي يمثل بدوره جيلاً وتجربة مسرحية مختلفين، وتقع عليه مسؤولية صناعة مساحة تستوعب المدرستين، وتمنح كل شخصية حضورها، وفي الوقت نفسه تحافظ على وحدة العرض.

فالجمهور تغير، واللغة المسرحية تغيرت، ووسائل صناعة الضحك تغيرت، بل إن طريقة مشاهدة الجمهور للمسرح نفسها تغيرت في زمن المنصات ومقاطع الفيديو القصيرة و«السوشيال ميديا».

لذلك، يمكن النظر إلى عودة الشخصيتين بوصفهما مواجهة بين زمنين: زمن تشكّلت فيه ذاكرة المسرح الجماهيري، وحاضر يحاول إعادة اكتشاف تلك الذاكرة.

الحنين لا يكفي

استعادة الشخصيات المحبوبة تمنح العمل رصيداً هائلاً من الحنين، لكنها تحمل مخاطرة في الوقت نفسه. فإذا اكتفى العرض بإعادة إنتاج ما يعرفه الجمهور، فقد يتحول الحنين من نقطة قوة إلى عبء. لذلك، لن يقاس نجاح المسرحية فقط بتفاعل الجمهور عند ظهور «أعبيد» أو «شليويح»، وإنما بقدرة النص والإخراج على منحهما سبباً جديداً للوجود، فالذاكرة قد تفتح باب المسرح … لكنها وحدها لا تستطيع إبقاء الجمهور في مقعده.

والسؤال الأصعب أمام محمد الحملي: كيف يجعل الشخصية القديمة تبدو جديدة، من دون أن يسلبها الملامح التي أحبها الجمهور؟

في النهاية، تبدو «يا حبيبي لا تقولي ولا أقولك… الوعد بالسكة» وكأنها تضع الماضي أمام الحاضر، والرعب أمام الكوميديا، والنجومية أمام مسؤولية صناعة عرض متكامل.

فهل ينتصر الحنين، أم يستطيع محمد الحملي أن يستخدمه لبناء شيء لم يره الجمهور من قبل؟





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *