الفراغ الأيديولوجي… أم النجاة من الاستعباد الفكري؟!
في مجتمعاتنا، يُنظر إلى الإنسان الذي لا يحمل راية فكرية واضحة وكأنه كائن ناقص التكوين، مشروع إنسان لم يكتمل بعد، أو شخص تائه ينتظر من يقوده إلى «الحقيقة المطلقة». فإن لم تكن يسارياً اتُّهمت بالضبابية، وإن لم تكن محافظاً وُصفت بالانفلات، وإن لم تكن منتمياً لقبيلة الفكرة أو مذهب الجماعة أو حزب المصالح، أصبحت متهماً بمرضٍ اجتماعي جديد اسمه: الفراغ الأيديولوجي.
لكن، ماذا لو كان هذا «الفراغ» ليس جهلاً كما يُروَّج له؟ ماذا لو كان في بعض الأحيان أعلى درجات النجاة؟
أنا أكتب… ولاأزال أبحث عن ذاتي. لا أكتب لإرضاء أقصى اليسار، ولا لأصفق لأقصى التشدد، ولا لأُطرب أولئك الذين يحوّلون الأفكار إلى أصنامٍ مقدسة لا يجوز الاقتراب منها. أكتب لأن الكتابة بالنسبة لي ليست هواية عابرة، بل طقس نجاة. أكتب لأنني أستمتع حين أكتب، ولأن رأسي حين يهدأ فوق الوسادة آخر الليل، أشعر بأنني قد أفرغت شيئاً من ضجيج هذا العالم، من الأسئلة الثقيلة، من الفوضى التي يصنعها بشرٌ يصرّون على ارتداء اليقين حتى وإن كان مثقوباً.
ولأنني أكتب، بدأت أتساءل: من أنا؟ بأي لونٍ فكري أرسم؟ أي وصفٍ يليق بي؟ هل يجب عليّ أن أكون شيئاً محدداً كي أُرضي القارئ؟ هل الإنسان ناقصٌ ما لم ينضم إلى قطيعٍ فكري يصفق معه، ويغضب معه، ويكره معه؟
الحقيقة المؤلمة أن مجتمعاتنا لا تخشى الفراغ الأيديولوجي بقدر ما تخشى الإنسان الذي يفكر وحده.
فالإنسان الذي لا يُستقطب… يُربك الجميع.
ذلك الشاب الذي لم يقع أسيراً لقبيلةٍ سياسية، ولم يبتلع خطاباً دينياً بلا تفكير، ولم يسمح لمصالح الآخرين أن تستأجر عقله… يبدو دائماً مشبوهاً في أعين أصحاب المشاريع الكبرى. لأن العقل الحر لا يُستخدم بسهولة، ولا يُقاد بالعاطفة، ولا يركض خلف الصيحات كجوادٍ أُلبس لجامه وأُطلق نحو غنائم لا تخصه.
ولنكن صرحاء حدّ الإزعاج…
كم شابٍ استُخدم باسم القبيلة؟
أُقنع أن ولاءه الأعمى «فزعة»، بينما كان مجرد جسرٍ بشري لعبور طموحات ابن القبيلة الباحث عن النفوذ والمقعد والامتيازات؟!
كم إنسانٍ فارغ فكرياً جرى تعبئته مذهبياً أو دينياً حتى تحوّل من إنسان بسيط إلى مقاتلٍ نفسي يخاصم المجتمع، مقتنعاً أن طريق الجنة يمر عبر خدمة أجندات الأرض؟!
كم شخصاً صُنع منه خصمٌ لفئةٍ أخرى فقط ليشعر بأنه «الأرقى» و«الأكثر استحقاقاً»، بينما كان في الحقيقة مجرد أداة تُستخدم لإرضاء نخبةٍ تتغذى على الانقسام؟!
وكم مستثمرٍ صغير جرى دفعه -بوعي أو دون وعي- لضرب مستثمر أصغر منه، كي يلتهم الحوت الأكبر السوق بهدوء، تاركاً خلفه عائلات تتآكلها الديون وأحلاماً تُدفن تحت ركام المصالح؟!
المشكلة ليست في وجود الأفكار، بل في طريقة تسويقها.
الفكرة في هذا الزمن لم تعد دائماً مشروعاً أخلاقياً أو معرفياً… بل تحوّلت أحياناً إلى سوق نخاسة حديثة، يُباع فيها الإنسان على هيئة ولاءات. مرة باسم الوطنية، ومرة باسم الدين، ومرة باسم الحرية، ومرة باسم النخبة، بينما النتيجة واحدة: مصادرة العقل الفردي.
وهنا يبرز السؤال الذي نخاف منه أكثر من أي شيء:
لماذا لا نُشخّص الحالة كما هي؟
في الطب يقولون: «التشخيص الدقيق هو البوصلة التي تحدد مسار الشفاء». فلماذا نصرّ اجتماعياً على تجميل العلل؟ لماذا نخاف من الاعتراف بأننا أحياناً نصنع أجيالاً تُعبَّأ أكثر مما تُعلَّم؟ تُحرَّض أكثر مما تُثقّف؟ تُقاد أكثر مما تُفكّر؟
لست من دعاة فوضى فكرية، ولست ضد الدين، ولا ضد القيم، ولا ضد الانتماءات الطبيعية. لكن ضد أن يتحول الإنسان إلى وقود مجاني لحروب الآخرين، أو إلى حطبٍ يُلقى في نار المآرب الحزبية والفئوية والمصلحية.
أنا لا أخاف على الشباب من الفراغ الأيديولوجي بقدر خوفي عليهم من الامتلاء الكاذب.
ذلك الامتلاء الذي يجعل الشاب يردد شعارات لا يفهمها، ويقاتل معارك لم يخترها، ويدافع عن أشخاص لن يتذكروا اسمه حين تنتهي المعركة.
ولعلّ هواية بسيطة، قراءة كتاب، رياضة، كتابة، سفر، أو حتى شغف يبدو «تافهاً» في نظر المجتمع … أكثر نفعاً أحياناً من عقلٍ تمت مصادرته بالكامل لصالح شيخ فكرة، أو زعيم تيار، أو تاجر نفوذ.
في النهاية…
لكل إنسان أن يختار فكره، وأن يقترب ممن يشاء، ما دام لم يتحول اختلافه إلى كراهية، وقناعته إلى عصا، وإيمانه إلى وسيلة لإلغاء الآخرين.
فالإنسان ليس رقماً في قطيع، وليس مشروعاً تابعاً، وليس حطباً لمعركة أحد.
وفي زمن الضجيج الفكري… ربما تصبح أعظم شجاعة أن تقول بهدوء:
أنا أبحث عن ذاتي… لا عن قطيع.
X:jzaband
