اتفاق مكة… أبعاده ودلالاته  – الراي


‏ الاتفاقيات التي توقع في أوقات الأزمات ليست مجرد اتفاقيات بل تأتي لتؤسس لمرحلة جديدة… مرحلة بدأت فيها المنطقة تعيد التفكير في مفهوم الأمن نفسه… لم يعرف الشرق الأوسط الهدوء الأمني منذ عقود ومنذ أن ابتليت هذه المنطقة بالعصابات الصهيونية واحتلال الأراضي العربية وما رافقها من حروب وإفرازاتها السياسية والعسكرية والاقتصادية… كان الهم الأمني هو إسرائيل ومشاريعها التوسعية في ظل الوهن العربي وحالة «الجذام» الذي أصاب الأمة وتوهان القرار لتفقد اتزانها في أشد المراحل التاريخية عصفاً بالتضامن العربي عندما انقسمت انقساماً شطرياً عند الغزو العراقي الغاشم واحتلال دولة الكويت… من هنا بدأ الخلل وانكشف الغطاء وذهب الأمن العربي في مهب الريح.

‏وعلى الجانب الآخر، كان هناك فاعل آخر في المنطقة استفاد من هذه الحالة ونسج علاقات بقوى محلية لتكون له الأدوات في تطويع قرارات تلك الدول، لتصبح الأمة بين قوتين ذات مشاريع نفوذ وتوسع وإن اختلفت أدواتهما… أصبحت الأمة بين مخالب إسرائيل وأنياب إيران.

‏خلاف الأمة مع العدو الصهيوني خلاف وجود وحدود، وحقوق لابد من عودتها وان طال الزمن. أما مع إيران فالخلاف مختلف فإيران هي الجغرافيا والتاريخ والأمة الإيرانية ولا جدال في ذلك، إنما الخلاف يقتصر في تمددها وتوسعها وحروبها بالوكالة فأصبحت معول هدم للأمن في منطقة الشرق الأوسط.

‏منذ الثورة الإيرانية عام 1979، لم تعد السياسة الإقليمية الإيرانية قائمة فقط على حماية حدود الدولة الإيرانية أو تعزيز نفوذها الدبلوماسي، بل تطورت تدريجياً إلى بناء شبكة واسعة من القوى والجماعات الحليفة في دول عربية عدة، في لبنان، والعراق، وسوريا، واليمن، وغيرها، أصبحت القوى المحلية المرتبطة بإيران جزءاً من معادلات الأمن والسياسة والحرب.

‏وهنا لابد من التمييز بين إيران كدولة وشعب وحضارة وبين سياسة توظيف الجماعات المسلحة والنفوذ العابر للحدود.

‏والقضية ليست في المذهب وليست في حق أي دولة في الدفاع عن مصالحها. القضية تبدأ عندما تتحول الطائفة إلى أداة سياسية، والميليشيا إلى ذراع خارج مؤسسات الدولة، والسلاح إلى وسيلة لتغيير موازين القوى داخل دول أخرى.

‏هذا هو جوهر الأزمة مع إيران.

‏و من هنا تأتي أهمية اتفاق مكة، فهو لا يأتي من فراغ، ولا هو وليد ظرف عابر؛ بل يأتي بعد عقود من اختلال ميزان الأمن الإقليمي، وبعد أن أثبتت التجربة أن ترك المنطقة بلا منظومة ردع حقيقية يفتح الباب أمام مشاريع النفوذ، ويحوّل الدول إلى ساحات، ويجعل أمنها رهينة لتوازنات الآخرين.

‏اتفاق مكة هو، في جوهره، محاولة لاستعادة معادلة افتقدتها المنطقة طويلاً: أن تكون للدولة قوة تحمي قرارها، وللسيادة قدرة تردع من يهددها.

‏وهنا تكمن دلالته الأعمق، فالسعودية وتركيا وباكستان لا تجتمع اليوم لتشكيل جبهة مذهبية، ولا لإعلان حرب على إيران، ولا لإعادة إنتاج سياسة المحاور التي أنهكت المنطقة؛ وإنما لتقول إن زمن الأمن المجاني قد انتهى، وإن أمن الدول لا يمكن أن يبقى قائماً على حسن نوايا الآخرين.

‏ربما تكون أهم دلالة في الاتفاق أن مركز الثقل في الشرق الأوسط بدأ يتحرك،و لم تعد المنطقة تريد أن تكون مجرد ساحة تنافس بين القوى التقليدية وإنما حان الوقت للدول الإقليمية نفسها أن تصبح صاحبة قرار في أمنها، وهذا هو قمة النضج السياسي فكما تفكر الدول الكبرى بمصالحها فمن حق الدول الإقليمية التفكير بمصالحها أيضاً.

‏ وهنا أود أن أنبّه بأنه لا يمكن قراءة أي تحول في بنية الأمن الإقليمي دون التوقف عند القضية الفلسطينية ومحاولات العدو الصهيوني طمسها فالقضية الفلسطينية في قلب الصراع العربي والإسلامي، بما خلّفه الاحتلال من حروب ونزوح وتهجير واحتلال للأرض وانتهاك للحقوق، وما نتج عنه من سباق تسلح واضطراب سياسي واستنزاف اقتصادي وأمني امتد لعقود.

‏ولذلك فإن إعادة بناء الأمن الإقليمي لا تعني إسقاط القضية الفلسطينية من الحسابات، ولا تعني أن مواجهة التمدد الإيراني يمكن أن تصبح بديلاً عن مواجهة الاحتلال.

‏القضيتان مختلفتان، وإن كانتا قد التقتا في نتائج واحدة: إضعاف الدول العربية واستنزاف مقدراتها وإبقاء المنطقة في حالة توتر دائم.

‏فالخلاف العربي مع إسرائيل ليس خلافاً دينياً ولا عابراً؛ إنه خلاف على أرض وحقوق وسيادة وتاريخ ومستقبل، وفي مقدمته حق الشعب الفلسطيني في الحرية والدولة والعيش بكرامة.

‏أما الخلاف مع إيران، فليس خلافاً مع شعبها أو حضارتها أو مذهبها، وإنما مع أي سياسة تتجاوز حدود الدولة لتفرض نفوذاً مسلحاً في دول أخرى.

‏ومن هنا فإن المعادلة التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة ليست: إسرائيل أم إيران؟ بل:كيف تستعيد المنطقة قدرتها على منع أي قوة، من داخل الإقليم أو خارجه، من فرض إرادتها بالقوة على دولها وشعوبها.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *