قبل أن يعرف الإنسان اسمه، كان جاهلاً. وقبل أن يفهم العالم، كان ينظر إليه بدهشة. وقبل أن تتكون أفكاره وقناعاته وأسئلته، كان أمام هذا الوجود صفحة مفتوحة، لا يعرف منها إلا القليل.
ولعل أجمل ما في الإنسان أنه لم يخلق مكتمل المعرفة؛ بل خُلق قادراً على أن يتعلم.
ومن هنا يبدو التأمل في بداية الوحي مدهشاً على نحو يصعب تجاوزه. ففي لحظة ستغير مسار التاريخ، وفي بداية رسالة ستعيد تشكيل الإنسان وعلاقته بخالقه وبنفسه وبالعالم… جاءت كلمة واحدة: ﴿اقرأ﴾.
كلمة قصيرة في مبناها، لكنها تكاد تحمل مشروعاً كاملاً لبناء الإنسان.
لم تبدأ الحكاية بإجابة تمنع السؤال، بل بأمر يفتح أبواب المعرفة. ولم يكن أول المشهد حديثاً عن امتلاك الدنيا، بل عن امتلاك الوعي الذي نفهم به الدنيا.
ثم إن الأمر لم يكن: اقرأ فحسب، بل: ﴿اقرأ باسم ربَك الذي خلق﴾.
وهنا تصبح المسألة أعمق من القراءة بمعناها المعتاد؛ كأن العقل يُدعى إلى أن ينفتح، لكن من دون أن يفقد بوصلته، وأن يعرف من دون أن يتوهم أن المعرفة تجعله مستغنياً عن خالقه، وأن يصعد في مراتب العلم، لكن كلما ارتفع درجة ازداد إدراكاً لحدوده.
ثم يأتي القلم: ﴿الذي علم بالقلم﴾، ثم تأتي العبارة التي تعيد الإنسان إلى حقيقة وجوده: ﴿علم الإنسان ما لم يعلم﴾.
وكأن في الآيات تذكيراً أبدياً بأن أصل الإنسان ليس الإحاطة، بل التعلم؛ وأن أعظم ما قد يبلغه العقل ليس أن يعتقد أنه عرف كل شيء، بل أن يصبح أكثر وعياً باتساع ما لا يعرف.
فالجهل الأخطر ربما ليس أن يجهل الإنسان معلومة، بل أن يجهل أنه يجهلها. والذي يعرف حدود معرفته يظل قابلاً للتعلم، أما الذي يعتقد أنه وصل إلى نهاية الحقيقة، فقد أغلق على نفسه أبوابها.
ومن هنا تصبح القراءة أكثر من نشاط ثقافي؛ إنها أخلاق معرفية. أن تقرأ يعني أن تعترف بأن العالم أوسع من تجربتك، وأن عقلاً آخر قد رأى ما لم تره، وأن زمناً آخر عاش ما لم تعشه.
فنحن نقرأ، بمعنى ما، لكي نستعير أعمار الآخرين؛ نقرأ التاريخ فنعيش زمناً لم نعشه، والأدب فندخل مشاعر لم تمر بنا، والعلم فنرى ما لا تستطيع العين المجردة أن تراه، والدين فنبحث عن المعنى الذي يعيد ترتيب علاقتنا بأنفسنا وبالوجود وبالخالق.
لكن المعرفة وحدها لا تكفي.
فالسؤال ليس فقط: ماذا تعرف؟
بل: ماذا صنعت بَك معرفتك؟
هل جعلتك أكثر تواضعاً أم غروراً؟ أكثر رحمة أم قسوة؟ أكثر قدرة على فهم المختلف، أم أكثر تعصباً لما تعرفه أنت؟
هنا يظهر الفرق بين المعلومة والحكمة. فقد يحمل الإنسان أعلى الشهادات ولا يعرف كيف ينصف إنساناً، وقد يتحدث بلغات عدة ولا يتقن لغة الرحمة.
المعرفة تمنح الإنسان قدرة، أما الأخلاق فتجيب عن السؤال الأخطر: ماذا سيفعل بهذه القدرة؟
ولهذا، فالثقافة ليست عدد الكتب التي قرأناها، ولا المعلومات التي نحفظها، ولا أسماء الكتب التي نضعها في أحاديثنا لكي نبدو أعمق.
السؤال الحقيقي هو: كيف أصبحنا بعد كل ما قرأنا؟
إذا قرأنا عن التسامح ولم نتعلم احتمال المختلف، فما الذي قرأناه حقاً؟ وإذا درسنا الأخلاق ثم استسهلنا الظلم حين كان في مصلحتنا، فما الذي تعلمناه؟ وإذا قرأنا عن الله ولم نصبح أكثر رحمة بخلق الله، فعلينا أن نسأل عن المسافة بين القراءة وأثرها.
وربما لهذا لا تكتمل القراءة بالكتب وحدها.
اقرأ نفسَك قبل أن تقرأ الآخرين. اقرأ خوفك ودوافعَك ونقاط ضعفك. اقرأ الإنسان قبل أن تختزله في موقف، والحياة قبل أن تمر بها مسرعاً، والتاريخ قبل أن تكرر أخطاءه، والكون دون أن تفقد قدرتَك على الدهشة.
وفي عصر لم تكن فيه المعلومة يوماً أقرب إلينا، ربما لم يكن التشتت أكبر أيضاً. لذلك لم يعد التحدي أن نصل إلى المعلومة فقط، بل أن نعرف ماذا يستحق أن نصدقه، وأن نفكر قبل أن نشارك، وألا نسمح لأحد بأن يعيش بعقولنا نيابة عنا.
وفي النهاية، لعلنا نحتاج إلى العودة إلى البداية:
﴿اقرأ﴾.
اقرأ لتعرف، وتعلم لتفهم، وافهم لتسمو. لكن وسط كل ما تقرأ، لا تنس البوصلة:
﴿باسم ربَك﴾.
فالعلم ليس محطة نصل إليها، والثقافة ليست لقباً نحمله، والروحانية ليست مظهراً نتزين به، والأخلاق ليست كلمات نقولها؛ إنها جميعاً رحلة واحدة في بناء الإنسان.
ولعل السؤال في نهاية هذه الرحلة ليس: كم عرفت؟
بل السؤال الأعمق: ماذا فعلت بَك كل هذه المعرفة؟
