حين تتبرع أُمة بأكثر من 617 مليار دولار في عام واحد، فالسؤال الأهم ليس: كم دفعت؟ بل: أين وضعت أموالها، وأيَّ مستقبل أرادت أن تصنع بها؟
هذا ما يدفعنا إليه تقرير Giving USA 2026، الصادر عن مؤسسة Giving USA بالتعاون مع The Giving Institute وكلية Lilly Family School of Philanthropy في جامعة إنديانا؛ إذ يكشف أن الأميركيين تبرعوا خلال 2025 بنحو 617.20 مليار دولار، بزيادة 5.7 % عن العام السابق، وبنمو حقيقي قدره 3 % بعد احتساب التضخم.
لكن الأكثر دلالة هو خريطة توزيع المال: 151.58 مليار دولار للدين، و99.50 مليار للخدمات الإنسانية، و92.01 مليار للتعليم، و79.05 مليار للمؤسسات، و72.06 مليار للمنفعة العامة والمجتمعية، و61.43 مليار للصحة، و33.02 مليار للشؤون الدولية، و27.31 مليار للفنون والثقافة والعلوم الإنسانية، و24.57 مليار للبيئة والحيوان، و25.77 مليار للأفراد.
إنها أرقام لا تصف «الكرم» فقط؛ بل تكشف فلسفة في توظيف الكرم.
فالتعليم وحده استقبل 92 مليار دولار، والصحة 61 ملياراً، والمنفعة المجتمعية 72 ملياراً، والفنون والثقافة والعلوم الإنسانية أكثر من 27 ملياراً. بل إن خمس قطاعات سجلت مستويات تاريخية في العطاء، حتى بعد احتساب التضخم، من بينها التعليم والصحة والخدمات الإنسانية والثقافة.
وهنا ينبغي أن نتوقف خليجياً.
لقد صنع العمل الخيري الكويتي والخليجي، تاريخاً مشرفاً في إغاثة المنكوب، وإطعام الجائع، وعلاج المريض، وإيواء اللاجئ، وحفر الآبار وبناء المساجد، وهي رسالة شرعية وإنسانية يجب ألا تتوقف. ولكن المشكلة أن تتحول الإغاثة من ضرورة إلى ثقافة مهيمنة على العطاء؛ فننفق كل عام لمعالجة نتائج الفقر والجهل والمرض، ولا نستثمر بالقدر نفسه في إزالة أسبابها.
نحتاج إلى الانتقال من مفهوم «إنقاذ الإنسان» إلى «بناء الإنسان»؛ ومن صدقة تعالج يوماً إلى مشروع يصنع جيلاً.
فلماذا لا يصبح لدينا وقف بمئات الملايين لتمويل البحث العلمي؟ وصناديق خيرية للذكاء الاصطناعي ووظائف المستقبل؟ وجامعات ومنح للدراسات العليا؟ وحاضنات تحول أبناء الأسر المحتاجة من متلقي إعانة إلى منتجين؟ ومراكز تفكير تعالج مشكلات المجتمعات الإسلامية قبل أن تتحول إلى كوارث؟
السلة الغذائية تطعم أسرة شهراً، أما التعليم الجيد فقد يطعمها جيلاً؛ والدواء يعالج مريضاً، أما البحث العلمي فقد يعالج أمة.
هذا التحول يحتاج أولاً إلى فقه خيري تنموي؛ يستعين بكبار الفقهاء والباحثين الشرعيين لتوسيع التطبيقات المعاصرة للوقف والصدقة والزكاة والمنفعة العامة، ضمن أحكام الشريعة، باتجاه التعليم والبحث وبناء القدرات والتنمية المستدامة.
ويحتاج ثانياً إلى إعلام يصنع ثقافة المتبرع. لقد أتقنا عرض صورة البئر والسلة واليتيم، لكننا لم نتقن بالقدر نفسه إقناع المتبرع بأن تمويل باحث، أو مختبر، أو مبرمج، أو منحة دكتوراه، أو شركة صغيرة لأسرة فقيرة قد يكون من أعظم أبواب النفع المتعدي.
ويحتاج ثالثاً إلى تشريعات حديثة تشجع الأوقاف التنموية والاستثمار الاجتماعي وصناديق التعليم والبحث والابتكار، وتنقل المؤسسة الخيرية من عقلية «الموسم والحملة» إلى إستراتيجية العشرين عاماً.
ثم نحتاج إلى صناعة محترفين لهذا القطاع؛ ولذلك أقترح إنشاء كلية للعمل الخيري والإنساني في إحدى جامعات الكويت والخليج، تدرّس اقتصاديات العطاء، وإدارة الأوقاف، والاستثمار الاجتماعي، وقياس الأثر، والذكاء الاصطناعي، والتنمية وإدارة الكوارث؛ لأن قطاعاً يدير مليارات الناس ومستقبل مجتمعاتهم لا يجوز أن يبقى عملاً يعتمد على النوايا الحسنة وحدها.
إن مستقبل العمل الخيري ليس في إلغاء الإغاثة، بل في منع أن تبقى المجتمعات محتاجة إليها إلى الأبد.
لقد حان الوقت أن ننتقل من السؤال: كم وجبة وزعنا؟
إلى السؤال الأصعب والأهم:
كم إنساناً بنينا؟ وكم فقيراً جعلناه منتجاً؟ وكم عالماً صنعنا؟ وكم مشكلة منعناها قبل أن نضطر إلى جمع التبرعات لعلاج نتائجها؟
فهناك فرق حضاري كبير بين خيرٍ يطفئ الحريق، وخيرٍ يبني مجتمعاً أقلَّ قابلية للاحتراق.
