من أكبر مشاكل المواطن الكويتي، بعد أن يتأكد أن معاشه وصل وأن البنك لم يخصم منه شيئاً جديداً، مشكلتان لا تحتاجان إلى تعريف: الشوارع والحر.
أما الشوارع، فهذه حكاية طويلة بين المواطن والحفرة.
يخرج من بيته وهو لا يعرف: هل سيصل إلى عمله سالماً، أم سيعود ومعه قطعة غيار جديدة للسيارة؟ والحقيقة أن الحفر في الكويت تتمتع بميزة لا يتمتع بها كثير من الموظفين: الاستمرارية.
كلما ردمنا حفرة ظهرت أخرى، وكأن الحفر تعمل بنظام التناوب؛ واحدة تتقاعد فتخرج الثانية، والثانية تأخذ إجازة فتظهر الثالثة!، وأحياناً أشعر بأن بعض شركات رصف الشوارع تتعامل معها كما يتعامل المصنع مع الأجهزة الكهربائية: لا بد أن يعيش الجهاز فترة محدودة، ثم يتعطل، فنشتري قطعة غيار جديدة!
قد يكون السبب نوعية الأسفلت أو سماكته أو طريقة التنفيذ أو الصيانة؛ وأنا لست خبيراً في علم الأسفلت، لكنني أفهم شيئاً بسيطاً: إذا كان الشارع لا يصمد إلا سنوات قليلة، فهناك شيء يحتاج إلى مراجعة؛ لكن الشوارع، رغم كل مشاكلها، ليست المشكلة الأكبر.
المشكلة الأكبر هي الحر.
نحن لا نتحدث عن صيف عابر، بل عن موسم طويل يجعل الخروج إلى الشارع في بعض الأيام أشبه برحلة قصيرة إلى الفرن، ولهذا أقترح، بكل جدية لا تخلو من الطرافة، إنشاء وزارة لمكافحة الحرارة.
قد يضحك البعض؛ لكننا بحاجة إلى جهاز حكومي ذي مسؤولية محدودة مهمته سؤال واحد: كيف نجعل الحياة في الكويت أقل حرارة؟
لا نريد جهة تصدر بياناً في أغسطس تقول فيه: «الجو حار، ويرجى عدم التعرّض للشمس». هذا يعرفه المواطن قبل أن يقرأ البيان! نريد جهة تفكر في المدينة نفسها:
كيف نزيد الأشجار؟
كيف نظلل الشوارع؟
كيف نجعل المشي ممكناً؟
كيف يستطيع الإنسان أن يمشي مئة متر من دون أن يشعر أنه دخل فرناً؟
في مقال قديم طرحت فكرة تطوير منطقة الخدمات في كل ضاحية بطريقة قريبة من فكرة «الأفنيوز»: منطقة مكيفة أو مظللة، فيها أماكن للأطفال، ومساحات خضراء، وممرات للمشي، ومتنفس حقيقي للعائلات.
اليوم تقول الأم لأطفالها: «يلا نطلع الحديقة»، فتخرج الأسرة وبعد دقائق قليلة تعود إلى البيت وكأنها قامت برحلة إلى الربع الخالي!، نحن لا نحتاج إلى حدائق جميلة في الصور فقط، بل إلى أماكن يستطيع الناس استخدامها فعلاً.
فالظل في الكويت ليس رفاهية.
الظل عندنا خدمة أساسية.
وقد يأتي يوم يسأل فيه المواطن:
«وين أقرب ظل؟»
بدل: «وين أقرب جمعية؟»
الشجرة عندنا موظف حكومي ممتاز: تعمل طوال اليوم، لا تطلب بدل سكن، ولا ترفع كتاباً تقول فيه إن المكتب حار!
لماذا لا يكون لدينا مشروع وطني لزيادة المساحات الخضراء، باستخدام أشجار تتحمل مناخ الكويت؟
ولماذا لا تصبح نسبة التظليل والمساحات الخضراء جزءاً من شروط تصميم المباني والمناطق الجديدة؟
ولماذا لا ندرس إنشاء ممرات مائية في بعض المناطق الجديدة، ونقل بعض الأنشطة الصناعية من قلب العاصمة وتحويل مواقعها تدريجياً إلى مساحات خضراء ومتنفسات عامة؟
هذه ليست مجرد أفكار جمالية.
المدينة الصحية ليست مستشفى فقط؛ المدينة الصحية هي مدينة تساعد الإنسان على أن يعيش حياة صحية.
عندما لا يجد الإنسان مكاناً مناسباً للمشي أو ممارسة الرياضة، تصبح قلة الحركة جزءاً من نمط حياته عندما يحدث ذلك تصبح كلفة الأمراض والعلاج عبئاً على الدولة.
نحن نخطط للطرق والمباني والكهرباء والماء؛ فلماذا لا نخطط أيضاً للظل؟
فمع ارتفاع درجات الحرارة وتغير المناخ، ستصبح القدرة على التعامل مع الحرارة قضية أكثر أهمية في السنوات المقبلة.
والدول الذكية لا تنتظر المشكلة حتى تتحول إلى أزمة، ثم تشكّل لجنة لدراسة أسبابها.
الدول تخطط للمشكلة قبل أن تتفجر.
لذلك، نحن نحتاج فعلاً إلى «وزارة مكافحة الحرارة» بالاسم؛ حتى نعلن للعالم أننا أمام تحدٍ جغرافي نحن أعلم الناس به وأخبرهم به.
نعترف بأن الحرارة في الكويت أصبحت قضية وطنية تستحق التخطيط.
فإذا ضحك أحد من فكرة «وزارة مكافحة الحرارة»، فلا بأس.
اضحك.
لكن تذكر أن السؤال الذي تقف خلفه الفكرة ليس مضحكاً:
كيف نجعل الحياة في الكويت أقل حرارة؟
هذا السؤال يستحق أن يتحول إلى مشروع وطني.
فالكويت الجديدة التي نحلم بها لا يكفي أن تكون فيها طرق جديدة ومبانٍ جديدة.
نريد كويتاً يستطيع فيها الإنسان أن يمشي، ويجلس، ويلعب، ويتنفس، ويعيش… حتى عندما يكون الصيف في أقسى حالاته.
يكفينا أن نعيش في كويت جديدة حتى نرى أحلامنا تتحوّل إلى واقع.
