كشفت أحدث الأبحاث العلمية أن عملية المضغ – التي تُعتبر مجرد خطوة أولى في الهضم – تحمل في طياتها فوائد كثيرة وعديدة تمتد إلى تحسين الوظائف الإدراكية وصحة الدماغ، بل وقد تساعد في الوقاية من أمراض التنكس العصبي مثل مرض ألزهايمر.
ففي حين اشتهر «هوراس فليتشر» في أوائل القرن العشرين بنظريته المتطرفة في مضغ الطعام حتى يتحوّل إلى سائل، تشير الدراسات الحديثة إلى أن للمضغ تأثيراً أعمق مما كان يُعتقد سابقاً.
وأوضح ماتس ترولسون، أستاذ طب الأسنان في «معهد كارولينسكا» بالسويد، أن نظرية فليتشر، رغم تطرفها، كانت تحمل جانباً من الصحة، حيث يعمل المضغ كمضخة تنشّط الدورة الدموية وتضخ الدم نحو الدماغ.
وأضاف ترولسون أن قضاء وقت أطول في مضغ الطعام لا يحسّن الهضم فحسب، بل يساعد أيضاً في تقليل السعرات الحرارية المتناولة، وتخفيف التوتر والقلق، وتعزيز القدرات الإدراكية مثل تقوية الذاكرة وزيادة مدى الانتباه.
وتكمن أهمية هذه النتائج في ارتباط صحة الأسنان والفم بأمراض الخرف، حيث يرى بعض الخبراء أن تحسين صحة الفم لدى المرضى قد يساهم في إبطاء أو حتى عكس الشيخوخة العقلية.
وتشير الأبحاث إلى وجود علاقة بين صحة الأسنان والإصابة بمرض ألزهايمر والخرف، ما يجعل الاهتمام بالمضغ والعناية بالفم جزءاً من إستراتيجية شاملة للحفاظ على صحة الدماغ مع التقدم في العمر.
ولفهم دور المضغ الجيد بشكل أعمق، نظر الباحثون في التاريخ التطوري، فقبل ملايين السنين، كان على البشر الأوائل مضغ أطعمة صلبة مثل البذور والمكسرات والدرنات، ما أدى إلى تطور فكوك وأسنان وأحجام أدمغة أكبر. ومع تطور الأدوات والزراعة والطبخ، انخفض وقت المضغ اليومي للإنسان الحديث إلى حوالي 35 دقيقة فقط، مقارنة بـ 4.5 ساعة للشمبانزي و6.6 ساعة للغوريلات. ورغم هذا الانخفاض، يبقى الغرض من المضغ كما هو، وهو استخلاص أكبر قدر من الطاقة من الطعام.
وتتعدد الفوائد الصحية للمضغ، وتشمل:
• تحسين الهضم: يكسر المضغ الطعام إلى جزيئات صغيرة ويمزجها باللعاب، ما يهيئ المعدة والأمعاء لاستقبال الطعام ومعالجته بكفاءة، ويمنع الشعور بالانتفاخ والإمساك.
• زيادة امتصاص العناصر الغذائية: أظهرت دراسة أُجريت عام 2009 أن مضغ اللوز 40 مرة أدى إلى زيادة امتصاص الطاقة منه بمقدار الثلث تقريباً، مقارنة بمضغه 10 مرات فقط.
• تعزيز الشعور بالشبع: وجدت دراسة منفصلة أن مضغ الطعام لعدد أكبر من المرات يزيد من إفراز هرمونات الأمعاء التي تثبط الشهية، ما يساعد في التحكم بالوزن.
ويشير باحثون إلى أن تبني عادة المضغ الجيد لا يقتصر فقط على صحة الجهاز الهضمي، بل هو استثمار في صحة الدماغ على المدى الطويل. فالمضغ ليس مجرد فعل ميكانيكي، بل هو عملية حيوية تحفز تدفق الدم إلى الدماغ وتعزّز وظائفه الإدراكية، وقد يكون مفتاحاً للوقاية من بعض الأمراض العصبية المرتبطة بالتقدم في العمر.
