– كيف ستحتوي إسرائيل التراجع الكبير في دعم الحزبين لها… وعلى ماذا تراهن؟
– هل ستستغل إدارة ترامب هذه الفترة عبر تصعيد عسكري واسع؟
في ليلة واحدة، انقلبت المعادلة التي راهنت عليها إسرائيل لسنوات. انتخابات التجديد النصفي الأميركية لعام 2026 لم تكن مجرد هزيمة انتخابية للحزب الجمهوري، بل كانت زلزالاً سياسياً أطاح بالسيطرة الجمهورية على مجلسي الكونغرس، وترك إسرائيل تواجه أخطر سؤال إستراتيجي منذ عقود: ماذا تفعل عندما ينهار الحليف الذي بنت عليه كل إستراتيجياتها؟
لقد راهنت حكومة بنيامين نتنياهو بشكل شبه كامل على تحالفها مع الرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري، وصولاً إلى حد الرهان على أن «نظام الحزبين الأميركي مات». لكن النتيجة جاءت بمثابة «تسونامي أزرق» اجتاح واشنطن، وترك تل أبيب في حالة صدمة إستراتيجية بكل المقاييس.
فالديمقراطيون يسيطرون الآن على الكونغرس بالكامل، وترامب يدخل مرحلة «البطة العرجاء» بلا غطاء تشريعي، والحلفاء التقليديون في الحزب الديمقراطي يواجهون ضغوطاً غير مسبوقة من قواعدهم لاتخاذ مواقف أكثر صرامة تجاه إسرائيل.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن: كيف ستحتوي إسرائيل هذا التراجع الكبير في دعم الحزبين لها خلال المرحلة المقبلة؟
استناداً إلى تحليلات صحف إسرائيلية كبرى («هآرتس»، «إسرائيل اليوم»، «معاريف»، و«جيروزاليم بوست») ومصادر أميركية (سي إن إن وسي بي سي)، ترسم إسرائيل الآن خريطة رهانات متوازية – بعضها عملي، وبعضها الآخر أقرب إلى المراهنة على المجهول.
من استغلال «فترة البطة العرجاء» لتثبيت حقائق ميدانية، إلى اللعب على الانقسام الداخلي في الحزب الديمقراطي، إلى محاولة إعادة بناء التحالف ثنائي الحزبين قبل فوات الأوان… كل هذه المسارات تكشف عن حقيقة واحدة: إسرائيل لم تعد تراهن على ترامب وحده، بل تحاول – تحت وطأة الصدمة – أن تعيد توزيع رهاناتها قبل أن يترسب الغبار.
أحد الرهانات الإسرائيلية الأكثر إلحاحاً تكمن في الفترة الانتقالية بين انتخابات نوفمبر 2026 وتنصيب الكونغرس الجديد في يناير 2027. خلال هذه الفترة، يظل ترامب في السلطة بينما يفتقد الجمهوريون السيطرة التشريعية.
حذرت باربرا سلافين من معهد ستيمسون في تحليل نقلته دوائر تحليلية أميركية من أن إدارة ترامب قد تستغل هذه الفترة عبر تصعيد عسكري واسع. وأشارت إلى أن نتنياهو قد يرى في هذه اللحظة فرصة لإقناع ترامب باستئناف الحملة العسكرية ضد إيران، خصوصاً بعد أن فشلت محاولاته السابقة قبل الانتخابات الإسرائيلية.
في السياق، صرّح تشاك فريليش، نائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق، بأن «شن هجوم عسكري بعد الانتخابات الأميركية هو احتمال واقعي»، مضيفاً «في النهاية، الأمر يعتمد على ترامب، لأن إسرائيل لا تستطيع التحرك من دون دعمه، وهي تفضل بطبيعة الحال عملاً مشتركاً مع الولايات المتحدة».
الرهان العملي هنا هو أن الكونغرس الديمقراطي الجديد، رغم معارضته، لن يتمكن من وقف عملية عسكرية جارية بالسرعة الكافية. لكن المحللين يحذرون من أن «كونغرساً غير صديق» قد يرفع الكلفة السياسية لأي دعم ترامب لإسرائيل.
«اللاعبون اليهود» داخل الديمقراطي
في تحليل بصحيفة «إسرائيل اليوم»، يذكر البروفيسور أودي زومر، رئيس مركز باراك للقيادة وكلية العلوم السياسية بجامعة تل أبيب، أسماء يُنظر إليها كرهانات إسرائيلية محتملة للمستقبل: جون أوسوف من جورجيا، حاكم بنسلفانيا جوش شابيرو، حاكم إيلينوي جي بي بريتزكر، ورام عمانوئيل. ويصفهم بأنهم «سياسيون خبراء، أربعتهم يهود وأربعتهم محبو إسرائيل، حتى وإن كان كل منهم يفعل هذا بطريقته».
في المقابل، تشير صحيفة «جيروزاليم بوست» إلى أن الزعماء الديمقراطيين الجدد في الكونغرس (حكيم جيفريز وتشاك شومر) يواجهون «صداعاً هائلاً». فكلاهما لهما تاريخ من دعم إسرائيل، لكنهما سيتعرضان لضغوط هائلة من القاعدة الديمقراطية لاتخاذ مواقف أكثر صرامة.
وتذكر الصحيفة أن شومر كان واحداً من سبعة ديمقراطيين فقط صوتوا ضد قرارات تهدف إلى حظر بيع أسلحة لإسرائيل، وأن جيفريز صوت ضد إنهاء المساعدات العسكرية.
«إعادة التموضع»
هذا هو الرهان الأكثر وضوحاً في التحليلات الإسرائيلية. دعت «إسرائيل اليوم» صراحة إلى «تعزيز العلاقات مع المؤيدين في كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي بدلاً من الاعتماد فقط على العلاقة الوثيقة مع ترامب».
وحذّر زومر قائلاً «حذار علينا أن يغرينا النهج الخطير الذي تجذر هنا في السنوات الأخيرة والذي يقول إن نظام الحزبين الأميركي مات وأنه حان الوقت لأن نضع كل حجارة الرهان على الجمهوريين».
وأضاف: «مهمتنا هي التأكد من أنه عندما يترسب الغبار وتنتهي المرحلة الانتقالية أن نجد من على جانبي المتراس أصدقاء حقيقيين في مواقع أساسية».
الواقع الجديد الذي تفرضه التغييرات الديموغرافية في الولايات المتحدة – وعلى رأسها التراجع الحاد في دعم اللاتينيين لترامب وفقاً لتحليل «هآرتس» – يعني أن إسرائيل لم تعد تستطيع الاعتماد على «ائتلاف ترامب» الانتخابي. فالناخبون الشباب من أصل لاتيني، الذين صوت 65 % منهم لترامب في 2024، تحولوا إلى الديمقراطيين في 2026.
ترامب نفسه كـ«صمام أمان»… رهان متآكل
كان نتنياهو يراهن على أن ترامب سيوفر له غطاءً أمنياً وسياسياً. لكن هذا الرهان تضرر بشدة.
وعنونت «معاريف»: «لم يكن ترامب وحده الخاسر؛ نتائج الانتخابات تثير قلقاً عميقاً في إسرائيل».
وأشارت إلى فوز الديمقراطي تروي جاكسون في مين على السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز (من أبرز داعمي إسرائيل منذ 1997)، رغم أن جاكسون دعا لإنهاء المساعدات العسكرية لإسرائيل.
احتواء «اليسار الراديكالي» عبر التقسيم
تراهن إسرائيل على أن الأصوات المعادية لها داخل الحزب الديمقراطي، رغم صعودها، ستبقى «أقلية صغيرة» داخل غالبية ديمقراطية واسعة.
يشير تحليل «جيروزاليم بوست» إلى أن «انتصار الديمقراطيين الكاسح يخفف من قوة المشرعين المعادين لإسرائيل». فعددهم سيزداد، لكنهم سيظلون «مجموعة فرعية صغيرة نسبياً داخل غالبية ديمقراطية أكبر بكثير تشمل العديد من المعتدلين ومؤيدي إسرائيل». ولن يكون لهم نفوذ كبير على القيادة الديمقراطية.
لكن هناك خطراً كامناً: انتخابات التجديد النصفي شهدت فوز مرشحين معادين لإسرائيل بوضوح، مثل عبدول السيد (أول مسلم في مجلس الشيوخ الأميركي) في ميتشيغن، ودارياليزا أفيلا تشيفالييه (عضوة في الاشتراكيين الديمقراطيين الأميركيين) التي رأت أن «إنهاء المساعدات العسكرية ليس كافياً».
ونقلت «هآرتس» عن مصادر أن وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث سيكون هدفاً بارزاً لجلسات استماع في الكونغرس، ما قد يحول اللجان إلى «برنامج تلفزيوني متواصل» يخلق منصة لكل المشرعين الطامحين للرئاسة في 2028.
«الهدنة» مع إيران كخيار إستراتيجي
في تحليل نشرته «هآرتس» للكاتب تسفي برئيل، يبدو أن هناك رهاناً إسرائيلياً على أن الضغط الأميركي قد يدفع نحو تثبيت «هدنة» مع إيران، رغم أن نتنياهو قد يفضل التصعيد. لكن برئيل يركز في تحليله على قضايا داخلية (الشراكة مع العرب، الانقلاب النظامي)، وليس على إيران مباشرة.
في المقابل، يحذر محللون أميركيون مثل باربرا سلافين من أن ترامب قد يستغل فترة الانتقال لشن هجوم واسع على إيران، لكنهم يشككون في جدوى ذلك: «من غير الواضح ما الذي ستحققه استئناف الأعمال العدائية سوى زيادة الخسائر البشرية والدمار وارتفاع أسعار النفط».
تراهن إسرائيل على الحفاظ على «صمام الأمان» العسكري الأميركي – التكنولوجيا، الذخائر والدعم الدبلوماسي – رغم تراجع الإجماع ثنائي الحزبين. وتدرك إسرائيل أن الكونغرس الديمقراطي الجديد، رغم أنه لن يكون معادياً بالضرورة، سيرفع كلفة أي دعم غير مشروط.
فرصة تاريخية أم قفزة في المجهول؟
ما بعد «التسونامي الأزرق» ليس مجرد مرحلة انتقالية عابرة، بل لحظة فاصلة في العلاقة بين إسرائيل وواشنطن. فإسرائيل التي راهنت لسنوات على أن «نظام الحزبين مات» وتعلقت بترامب كصمام أمان وحيد، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد: كونغرس ديمقراطي بالكامل، ورئيس جمهوري في مرحلة «بطة عرجاء»، وقاعدة ديمقراطية تتحرك بسرعة نحو مواقف أكثر صرامة.
الخلاصة التي لا مفر منها: إسرائيل لم تعد تراهن على ترامب وحده، ولا على الجمهوريين وحدهم. لكنها أيضاً لم تتخلَّ بعد عن عقلية «السلة الواحدة». المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت الصدمة كافية لدفع إسرائيل نحو إعادة تموضع حقيقية، أم أنها ستكون مجرد فصل جديد من الرهانات الخاطئة، في وقت لم يعد فيه أمامها هامش للخطأ.
