فانس يتطلع إلى عام 2028 في ظل تحول حروب نتنياهو إلى عبء انتخابي على الولايات المتحدة


صرح الرئيس دونالد ترامب بأنه «فعل الصواب» حين هاجم إيران، مؤكداً أنه «كان سيفعل ذلك مجدداً»، ولم يبدِ أي تراجع رغم التبعات الانتخابية. أما رد فعل نائبه جاي دي فانس، على هزيمة الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي، فيشير إلى حسابات سياسية مختلفة؛ إذ يبدو أنه يسعى – من خلال تحديد السياسات التي أدت إلى نفور الناخبين – إلى تمهيد الطريق لسباق الرئاسة عام 2028، محاولاً الحيلولة دون أن يؤثر سجل الإدارة التي يشارك فيها سلباً على طموحاته الشخصية.

وقد استشهد نائب الرئيس باستطلاع للرأي طُرِح فيه سؤال على مؤيدي ترامب السابقين حول ما قد يدفعهم للعودة إلى دعم الجمهوريين، فجاءت الإجابات متمثلة في أربع نقاط: إنهاء الحرب، التركيز على تكاليف المعيشة والتضخم، تبني شعار «أميركا أولاً»، وتغيير طبيعة العلاقة مع إسرائيل.

وتمثل هذه المطالب في مجملها تحدياً لأولويات الإدارة الحالية ورؤيتها للتفويض الذي حصلت عليه في عام 2024.

وتقوض قراءة فانس تلك التفسيرات المريحة التي توضح أن الجمهوريين أخفقوا ببساطة في حشد مؤيديهم؛ فوفقاً لتقديره، شارك العديد من ناخبي ترامب في انتخابات التجديد النصفي لكنهم اختاروا التصويت لصالح الديمقراطيين. وهذا يحمل دلالة خطيرة؛ إذ لا يمكن استعادة الناخبين الذين صوتوا عمداً ضد الحكومة التي ساهموا هم أنفسهم في إيصالها إلى السلطة، وذلك بمجرد تحسين التنظيم الانتخابي.

فتكاليف المعيشة، والسخط على الأداء الحكومي، ومعارضة الحرب مع إيران، شكلت ضغوطاً متداخلة. وتكتسب مسألة العلاقة مع إسرائيل أهمية بالغة؛ فقد وضعها فانس ضمن بواعث قلق الناخبين الجمهوريين الذين تخلوا عن الحزب.

وهذا ينقل النقاش إلى ما هو أبعد من مجرد تقييم نجاح عملية عسكرية بعينها، ليطرح تساؤلاً جوهرياً: هل التزمت واشنطن تجاه حليفٍ لها بطريقة يرى قطاع من ناخبيها أنها تتعارض مع المصالح الأميركية؟

يُذكر أن هذا القلق كان حاضراً قبل الانتخابات؛ ففي يوليو، اتهم فانس شخصيات داخل الحكومة الإسرائيلية بمحاولة التأثير على الرأي العام الأميركي لعرقلة التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، حيث تركز اعتراضه على قدرتهم على التأثير في مسار القرارات السياسية الأميركية. وبالتالي، فإن تدخله الأخير يستند إلى خلاف قائم حول الجهة التي ينبغي لها تحديد شروط إنهاء الصراع.

ويُعد هذا التوجه الرئاسي تفسيراً لموقفه، وليس نيةً معلنةً صريحة. فمن خلال تحديد السياسات التي أدت إلى نفور الناخبين الجمهوريين، يشير فانس أيضاً إلى التغييرات التي يمكن لأي مرشح مستقبلي أن يعد بإجرائها. ويبدو أنه يحاول الإبقاء على مسار للعودة إلى هؤلاء الناخبين، قبل أن تصبح المسؤولية عن سجل الإدارة الحالية جزءاً لا يتجزأ من هويته السياسية الشخصية.

وتنطوي هذه الإستراتيجية على نقطة ضعف واضحة؛ ففانس يشغل منصب نائب الرئيس، وكان قد دافع سابقاً عن الحملة العسكرية. وأي محاولة منه لتقديم نفسه كعنصر تصحيحي لسياسة ترامب الخارجية ستفتح الباب أمام تدقيقٍ في دوره ومشاركته في تلك السياسات. وسيتعين عليه في نهاية المطاف توضيح ما عارضه، ومتى عارضه، وحجم التأثير الذي مارسه أثناء اتخاذ تلك القرارات.

وهناك سابقة في هذا الصدد، تتمثل في هزيمة الديمقراطيين عام 2024؛ إذ أدى دعم إدارة بايدن للحملة الإسرائيلية في قطاع غزة إلى نفور الناخبين الأميركيين من أصول عربية والمسلمين، لا سيما في ولاية ميتشيغن، في حين واجهت نائبة الرئيس كامالا هاريس صعوبة في تمييز موقفها عن موقف الرئيس. كما أسهمت قضايا التضخم، والهجرة، وتراجع دعم الطبقة العاملة في تلك النتيجة.

ورغم أن سياسات نتنياهو ساهمت في تعميق الانقسامات داخل الحزب الديمقراطي، إلا أنها لا تفسر وحدها النتيجة الإجمالية على المستوى الوطني.

وتكشف هذه المقارنة كيف يمكن للدعم المقدم لحروب إسرائيل أن يلحق الضرر بتحالفات أميركية متنوعة عبر مسارات مختلفة. ففي حالة غزة، واجه الناخبون الديمقراطيون تساؤلات حول حماية المدنيين والتواطؤ الأميركي. أما في حالة الجمهوريين، فيصف فانس حالة من الاستياء تجمع بين معارضة الصراعات الممتدة، والضغوط الاقتصادية على الأسر، والمطالبة بالاستقلالية الوطنية. ولا تحتاج هذه القواعد الانتخابية إلى أيديولوجية مشتركة لتسحب دعمها.

إن تأثير نتنياهو لا يعفي ترامب من مسؤوليته؛ فالرئيس الأميركي هو من أجاز استخدام القوة واحتفظ بسلطة تحديد الأهداف الأميركية. فبإمكان أي حليف أن يشجع على التصعيد، لكن واشنطن هي التي تقرر ما إذا كانت ستشارك فيه أم لا. لذا، فإن تصوير ترامب وكأنه مجرد طرفٍ جُرَّ إلى حرب تشنها حكومة أخرى، من شأنه أن يحجب الخيارات التي يحق للناخبين الأميركيين محاسبته عليها.

وتظل هناك مسألة إستراتيجية عالقة تتعلق بالعلاقة بين الدمار العسكري والإنجاز السياسي؛ إذ يمكن لأي حملة عسكرية أن تدمر منشآت، وتقتل قادة، وتعطل قدرات الخصم، من دون أن تفضي بالضرورة إلى تسوية مقبولة. لذا، يتعين على الإدارة توضيح النتائج الممكن تحقيقها من خلال العمليات المستمرة، وما هي التنازلات التي قد تنهي، المواجهة، ولماذا قد تؤدي زيادة القوة العسكرية إلى تحسين فرص التوصل إلى اتفاق.

يضيف الوضع الدولي لإسرائيل بُعداً آخر لهذا النقاش.

فقد أظهرت نتائج استطلاع أجراه مركز «بيو» في ربيع عام 2026 وجود آراء سلبية تجاه إسرائيل لدى 60 % من الأميركيين، و73 % من الألمان، و79 % من الأستراليين. وتشير هذه الأرقام إلى حالة واسعة من عدم الرضا في مجتمعات عدة، كما توحي بأن الدفاع عن السياسة الإسرائيلية بات يتطلب جهداً سياسياً متزايداً من حكوماتٍ يشكك شعوبها في هذه السياسة ذاتها.

وفي بعض المناطق، أدت المعارضة إلى فرض قيود طالت المواطنين العاديين؛ إذ حظرت جزر المالديف، في أبريل 2025، دخول حاملي جوازات السفر الإسرائيلية. وتُبيّن إجراءات كهذه كيف يمكن لتبعات السياسات الحكومية أن تتجاوز نطاق العلاقات الدبلوماسية.

أما التبعات القانونية، ففي نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك استخدام التجويع كوسيلة من وسائل الحرب.

وفي سياق منفصل، خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، في سبتمبر 2025، إلى أن إسرائيل ارتكبت «إبادة جماعية» في قطاع غزة. وهذا الاستنتاج يخص اللجنة المذكورة، وينبغي توصيفه بدقة. وبالنسبة للحكومات التي تواصل تقديم المساعدات، يطرح هذا الأمر تساؤلاً مباشراً حول طبيعة الممارسات التي يُمكّنها هذا الدعم، وعن الشروط التي تضعها تلك الحكومات مقابل تقديم مساعداتها.

وتُمثّل الهزيمة في الكونغرس اختباراً إضافياً لترامب قبل أن يبدأ فانس أي حملة رئاسية. فمع تولي الكونغرس الجديد مهامه في 3 يناير 2027، تظل الغالبية الجمهورية الحالية في موقعها حتى ذلك التاريخ؛ مما يمنح الإدارة فترةً يمكن لقراراتها الفورية خلالها، إما دعم انفراجة دبلوماسية، وإما تعميق الصراع الذي يراه فانس كارثياً من الناحية السياسية.

وبالنسبة لفانس، سيُقاس نجاح هذا التدخل بمدى قدرته على الدفع نحو تغييرات ملموسة في المساعدات العسكرية، والحماية الدبلوماسية، وموقف واشنطن التفاوضي. إذ يتطلب أي برنامج رئاسي ذي مصداقية توضيح الكيفية التي سيُمارس بها القوة الأميركية بشكل مختلف. وقد تتوقف فرصه في عام 2028 على قدرته على تحويل تفسيره للهزيمة إلى قرارات ملموسة، يمكن للناخبين تقييمها قبل أن يُطلب منهم منحه ثقتهم مجدداً.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *