ليست كل الكيانات التي تُولد في لحظة قلقٍ تاريخي يُكتب لها البقاء، وليست كل التحالفات التي تُبنى على الورق تنجو من اختبار الزمن. ففي عالم السياسة، كثيراً ما تتغير الخرائط، وتتبدل الولاءات، وتنهار التكتلات حين تهب أول عاصفة مصالح. لكن ثمة استثناءات نادرة تُثبت أن ما يُبنى على الحكمة والروابط العميقة لا تهزه الرياح مهما اشتدت. ومن بين تلك النماذج، يقف مجلس التعاون لدول الخليج العربية شاهداً حياً على تجربة سياسية وإنسانية تجاوزت الحسابات الضيقة، لتصنع نموذجاً فريداً من التماسك الإقليمي.
خمسة وأربعون عاماً مرّت منذ أن اجتمع قادة دول الخليج العربية في مدينة أبوظبي، في الخامس والعشرين من مايو عام 1981، ليوقعوا على النظام الأساسي لمجلس التعاون، واضعين الحجر الأساس لكيان لم يكن مجرد اتفاق سياسي عابر، بل رؤية إستراتيجية استشرفت المستقبل قبل أن تُصبح المنطقة ساحةً للتقلبات الكبرى.
كان الآباء المؤسسون يدركون مبكراً أن الخليج، رغم صغر مساحته الجغرافية مقارنة بمراكز النفوذ العالمية، يحمل من الثقل الإستراتيجي ما يجعله مطمعاً ومسرحاً للتنافس الدولي. ولذلك جاءت الفكرة، التي ارتبطت بالرؤية الحكيمة للأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح، بالتعاون مع الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، لتؤسس لمعادلة مختلفة: أن الأمن لا يُجزأ، وأن التنمية لا تزدهر في بيئة مضطربة، وأن الأخوّة السياسية حين تُترجم إلى مؤسسات تصبح أكثر قدرة على الصمود.
ولعل أجمل ما في التجربة الخليجية أنها لم تُبنَ فقط على لغة المصالح، بل على روابط تتجاوز السياسة ذاتها. فمن الصعب أن تجد في العالم تكتلاً إقليمياً يجمع شعوباً تتشابه في التاريخ، واللهجة، والعادات، والأنساب، والتقاليد، كما هو الحال في الخليج. هنا، لا تبدو الحدود سوى خطوط تنظيمية، أما الامتداد الاجتماعي والثقافي فبقي عصياً على التقسيم.
لقد واجه المجلس خلال مسيرته تحدياتٍ كان يمكن لها أن تُسقط كيانات أكثر صلابة. من الحرب العراقية – الإيرانية في سنوات التأسيس الأولى، إلى الغزو العراقي للكويت عام 1990، مروراً باضطرابات المنطقة، وأزمات الإرهاب، والتوترات الإقليمية، وصولاً إلى التحولات الدولية المتسارعة.
وعلى مدى خمسة وأربعين عاماً، لم يكن مجلس التعاون مجرد منصة للاجتماعات الرسمية أو البيانات الدبلوماسية، بل مشروعاً انعكس على حياة الإنسان الخليجي بصورة ملموسة. فالمواطن الخليجي بات يتحرك بين دول المجلس بسهولة، ويتملك ويستثمر، ويحصل على فرص التعليم والعلاج والعمل ضمن بيئة أكثر تكاملاً. وهي خطوات لم تأتِ من فراغ، بل من إيمانٍ عميق بأن المواطن يجب أن يكون المستفيد الأول من أي مشروع وحدوي.
اقتصادياً، نجح المجلس في ترسيخ مكانة الخليج بوصفه قوة مؤثرة في الاقتصاد العالمي، لاسيما في قطاع الطاقة والاستثمارات السيادية. فالعالم اليوم ينظر إلى دول الخليج ليس فقط باعتبارها منتجاً رئيسياً للطاقة، بل بوصفها لاعباً محورياً في رسم كثير من المعادلات الاقتصادية العالمية، خاصة في ظل التحولات الكبرى نحو التنويع الاقتصادي، والمدن الذكية، والاستثمارات التقنية، والمشاريع العملاقة التي تعيد رسم صورة المنطقة.
أما أمنياً، فقد أثبتت التجربة أن استقرار الخليج ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة إستراتيجية للعالم بأسره. فالتنسيق العسكري والأمني، وتطوير المنظومات المشتركة، وتعزيز مفهوم الأمن الجماعي، رسّخ قناعة مفادها أن الخليج حين يتكاتف يصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات مهما تغيرت طبيعتها.
لكن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في الاحتفاء بالماضي، بل في الاستعداد للمستقبل. فالمنطقة تدخل عصراً جديداً تُعاد فيه صياغة موازين القوى، وتتغير فيه طبيعة الاقتصاد، وتتصاعد فيه تحديات الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والأمن الغذائي والمائي، والتحولات المناخية. وهنا يبرز السؤال الأكبر: كيف يمكن لمجلس التعاون أن يتحول من مرحلة التنسيق إلى مرحلة التكامل الأعمق؟
الإجابة تبدو واضحة؛ مزيد من الوحدة الاقتصادية، ومشاريع خليجية إستراتيجية مشتركة، وتكامل معرفي وتقني، واستثمار أكبر في الإنسان الخليجي، بوصفه الثروة الحقيقية التي لا تنضب. فالنفط مهما طال عمره موردٌ متغير، أما الإنسان المتعلم القادر على الابتكار فهو الضمانة الحقيقية لأي مستقبل مستدام.
خمسة وأربعون عاماً ليست مجرد رقم في سجل التاريخ، بل شهادة على أن الحكمة الخليجية استطاعت أن تنتصر على كثير من المنعطفات، وأن تثبت أن الجوار لا يتحول دائماً إلى تنافس، بل قد يصبح مصدر قوة إذا ما اقترن بالإرادة الصادقة والرؤية البعيدة.
وفي زمنٍ تتفكك فيه التحالفات سريعاً، يبقى مجلس التعاون الخليجي تجربة تستحق التأمل؛ لأنها لم تقم فقط على المصالح، بل على شيءٍ أكثر عمقاً… الإيمان بأن ما يجمع أهل الخليج أن البيت الواحد، مهما اختلفت غرفه، يبقى بيتاً واحداً.
X: jzabandr
