زمان، كان غسيل الأدمغة مهنة محترمة، لها أصول وقواعد وأساتذة كبار!
كان لابد لكي تصبح صاحب فكر أن ترتدي نظارة سميكة، وتحمل تحت إبطك كتاباً لا يفهم عنوانه نصف الناس، ثم تجلس في مقهى ثقافي تحيط بك سحابة، للأسف، من دخان السجائر، وتتكلم عن مستقبل الأمة، بينما الأمة المسكينة جالسة في الخارج تنتظر مستقبلها ولا تعرف من أي باب سيأتي!
وكانت للفكر مطابخ، وللمطابخ طباخون، وللطباخين مساعدون، وللمساعدين مريدون.
يطبخ المفكر الفكرة في العاصمة، ثم يضع عليها الحزب بعض البهارات، وتغلفها المجلة الثقافية، وبعدها تُرسل إلى المدن والقرى.
وكان يكفي أن تصل مجلة واحدة إلى قرية بعيدة حتى تتحوّل ديوانية القرية في المساء إلى مؤتمر فكري مصغر: واحد أصبح قومياً، والثاني ماركسياً، والثالث إسلامياً، والرابع لم يفهم شيئاً لكنه يهز رأسه احتراماً للجماعة!
أما اليوم فقد أُغلقت المطابخ القديمة، أو كادت، وأصبح لكل مواطن مطبخه الخاص في جيبه، هاتفه النقال! هذا الجهاز الصغير الذي كان الغرض منه أن تقول لزوجتك: «أنا بالطريق»، أصبح وسيلة لإدارة شؤون الشرق الأوسط، وتحليل السياسة الأميركية، والتدخل الروسي وتقييم الاقتصاد الصيني، وحل القضية الفلسطينية، ثم الانتقال قبل النوم إلى شرح أسباب ارتفاع الكوليسترول!
ولم يعد المثقف يحتكر الكلام.
انتهى زمن «اسكت يا أخي، أنت لا تفهم».
اليوم يستطيع الأخ الذي لا يفهم أن يرد فوراً على الأخ الذي يعتقد أنه يفهم، ثم يدخل ثالث لا يعرف الموضوع أصلاً، وبعد خمس دقائق يصبح الثلاثة خبراء إستراتيجيين!
ومع ذلك، لا ينبغي أن نتحسر كثيراً على العصر الذهبي للمثقفين. فلو كانت وصفاتهم كلها ناجحة لما وصلت أمتنا إلى الحال التي وصلت إليها بعد عشرات السنين من المحاضرات والندوات والبيانات والكتب التي تبدأ جميعها بعبارة «تمر الأمة العربية بمرحلة دقيقة»!
والمشكلة أن المرحلة الدقيقة طالت حتى أصبحت أدق من الإبرة!
ثم جاءت غزة؛ غزة الكاشفة.
وجاءت المأساة أكبر من الشعارات، والدم أغزر من البيانات، وبدأ الناس يسألون أسئلة كان طرحها في السابق كفيلاً بأن يخرج لك أحدهم من تحت الطاولة ويلصق بك تهمة جاهزة.
ففي مطابخ السياسة العربية القديمة كانت التهم معلّبة مثل علب التونة: خائن، عميل، مطبّع، رجعي، متصهين، وأحياناً يمنحونك العرض العائلي فتأخذ ثلاث تهم بسعر تهمة واحدة!
يكفي أن تسأل: إلى أين نحن ذاهبون؟
فيأتيك الجواب:
لا وقت للأسئلة… المعركة مستمرة!
طيب، ومَنْ يدفع الثمن؟
لا تضعف الجبهة!
ومَنْ المستفيد؟
أنت مشبوه!
وهكذا بقيت الأسئلة في الثلاجة سنوات ، بينما الدم العربي هو الشيء الوحيد الذي كان يُقدَّم ساخناً.
ثم انكشف وجه إيران، وهي التي أتقنت طويلاً لعبة الشعارات الكبيرة: فلسطين، المقاومة، وحدة الساحات، مواجهة الاستكبار.
وكنا كلما سألنا عن مشروعها في بلاد العرب قيل لنا: لا تشغلوا أنفسكم بالتفاصيل الصغيرة، فالمعركة مع العدو!
لكن التفاصيل الصغيرة كبرت، حتى أصبحت صواريخ ومسيرات وميليشيات ونفوذاً يمتد داخل دول عربية.
ثم وقعت المواجهات الأخيرة، ووجد العرب أن بعض البنادق التي قيل لهم طويلاً إنها مخصصة للدفاع عن قضايا الأمة يمكن أن تتجه نحو بلادهم ومنشآتهم.
وهنا حدثت مشكلة كبيرة في مصنع غسيل الأدمغة!
فالزبون بدأ يقرأ ما هو مكتوب على العلبة.
واكتشف أن بعض البضاعة التي بيعت له تحت عنوان «تحرير فلسطين» كان في داخلها مشروع نفوذ سياسي كامل، وأن بعض الذين كانوا يصرخون ليل نهار دفاعاً عن الأمة كانوا، عن قصد أو من دونه، يفتحون أبوابها لمشروع آخر مشروع لا يكتفى بالأرض وحدها.
الجمهور تملكه الفزع فلم يعد ينتظر توجيهاتهم .
كل واحد أصبح لديه هاتف، والهاتف فيه كاميرا، والكاميرا معها ذاكرة، والذاكرة في السياسة مصيبة!
فالكلام الذي قلته قبل عشر سنوات موجود، والخطبة التي أنكرتها موجودة، والتغريدة التي حذفتها موجودة، والفيديو الذي قلت فيه عكس ما تقوله اليوم موجود.
لقد انتهى زمن «أنا لم أقل ذلك».
الهاتف يقول لك بكل أدب:
بل قلت… وهذا الفيديو!
وهكذا تكسرت الغيمة الكبيرة التي كانت تظلّل عقل الأمة إلى آلاف الغيوم الصغيرة.
بعضها يحمل المطر، وبعضها يحمل الغبار، وبعضها – بصراحة – يحتاج إلى رش مبيد حشري!
ولا يعني هذا أننا دخلنا عصر الحقيقة.
أبداً.
فغسيل الأدمغة لم يتوقف، وإنما تغيرت المغسلة!
قديماً كان عقلك يُغسل في صحيفة أو حزب أو جماعة، أما اليوم فقد يُغسل في مقطع مدته 30 ثانية، ثم يخرج صاحبه ليقول لك في نهايته:
«انشر قبل الحذف»!
فتنشره أنت قبل أن تسأل: ومَنْ قال أصلاً إن أحداً يريد حذفه؟
ومع ذلك، هناك فرق مهم.
قديماً كان للعقل العربي عدد محدود من الغسالين، أما اليوم فقد أصبح أمامه ألف غسالة، وهذا يجبره – إن أحسن استخدام ما وهبه الله – على المقارنة والسؤال والشك.
وربما تكون هذه بداية طيبة.
فالمطلوب ليس أن نستبدل شيخ الطريقة القديم بشيخ «الترند» الجديد، ولا أن نهرب من منشور الحزب لنقع في حضن صاحب المليون متابع.
المطلوب شيء أبسط بكثير وأصعب بكثير:
أن يحتفظ الإنسان العربي بعقله داخل رأسه.
فقد جرّبنا طويلاً أن نؤجر عقولنا للآخرين، وكانت النتيجة أننا نحن مَنْ دفعنا الفاتورة كاملة، من عقيدتنا ودمائنا وثقافتنا، كادت خسارتنا أن تمحونا ولكن الله سلَّم، الله سلَّم.
