– مصرف لبنان يلغي ترخيص بنك صادرات الإيراني
– «حزب الله» يتبنى شاحنة المتفجّرات ويهدّد الدولة اللبنانية
مع العدّ العكسي لانتخابات الكنيست في إسرائيل وبعدها الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، بدا لبنان في عيْن السِباق الذي تشهده المنطقة بين صناديق الاقتراع وبين عملياتِ محاكاةٍ لأسوأ السيناريواتِ تُستخدم فيها كلّ أنواع «الأسلحة النفسية» وآخِرُها «أمّ القنابل» الأميركية، فإما يُحْدِث وَهْجُها المفعول الخارق للحائط المسدود ديبلوماسياً على جبهة إيران وإما تكون الأيام المقبلة حارِقَةَ لـ «خط الرجعة» من «أمّ المعارك» وآخِرها.
وفي الوقت الذي بدأ رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني زيارة مهمة لبيروت يلتقي خلالها اليوم، كبار المسؤولين في سياق تأكيد دعم لبنان وحكومته وبحْث سبل تعزيز حمايته من المَخاطر الإقليمية الأعتى وحماية استقراره الداخلي، لم يكن عابراً أن يَجد لبنان نفسَه بين ضَغْطَيْن مُتعاكِسَيْن في ملف شحنةِ الـ نصف طنّ وأكثر من المتفجّرات (نصفها سي 4 مضافاً إليها عشرات الكيلوغرامات من المسامير والكرات المعدنية) التي ضُبطت في 5 الجاري على حاجزٍ لقوى الأمن في منطقة ضهر البيدر (البقاع):
– من الولايات المتحدة التي أجرى وزير خارجيتها ماركو روبيو مساء اليوم، اتصالاً فوق عادي بالرئيس جوزاف عون مُعْلِياً الأولوية القصوى لهذا الملف ومُحاسبة كل المتورّطين وفق سلسلة القيادة، باعتبار أن أداء الدولة اللبنانية بإزائه بات أداةً لقياسٍ عمليّ لمدى جديتها في الوفاء بتعهّداتها في ما خصّ قرار حصْر السلاح وتالياً في قدرتها على تولي الشق التنفيذي المتعلّق بها من الاتفاق الإطار الثلاثي الموقّع من لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في 26 يونيو الماضي.
– ومِن «حزب الله» – ومِن خَلْفه إيران – الذي تبنّى للمرة الأولى رسمياً الشاحنة، مطالباً بإطلاق الموقوفين واسترداد المتفجرات، مهدداً الدولة «لن نتساهل مع أي استهدافٍ من أي جهة تنفذ المطالب الأميركية ضدَّ مقاومتنا»، ومنبّهاً من «ان محاولات بعض أهل السلطة اصدار قرارات تتناغم عن قصد أو غير قصد مع المطالب والسياسات الإسرائيلية والأميركية تؤدي إلى تخريب البلد»، ومحذراً «من مخاطر تنفيذ هذه المطالب (…) وتهديد سلمنا الأهلي» ومن تداعياتٍ ومخاطر في حال «ملاحقة المقاومين»، أو تحويل القضيَّة على المجلس العدلي «ولا أحد حينها يعرف أين يصبح البلد».
وقد تَوَّجَ روبيو، المفوّض مواكبة المفاوضات المباشرة بين بيروت وتل أبيب، إشاراتِ واشنطن بإزاء الأهمية الاستثنائية لملفّ الشحنة، والشحنات السلبية التي يَحْملها والتي سترتدّ على لبنان الرسمي في حال أي تلكؤ عن متابعة هذه القضية «من أَلِفها إلى يائها» ومساءلة كل الفاعلين هَرَمِياً، وعلى قاعدة أنه سيان بالنسبة الى إدارة الرئيس دونالد ترامب إذا كانت المتفجرات تحت عنوان مواجهة إسرائيل أو للاغتيالات الداخلية، لأن كليهما أخطر من بعضهما البعض ووجهان لـ «عملة سوداء» واحدة بالنسبة الى الولايات المتحدة اسمها سلاح «حزب الله» الخارج عن الشرعية والمطلوب سَحْبه.
وقبيل اتصال روبيو بعون، والذي خُصص الجانب الأكبر منه لملف المتفجرات والمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، سرت معلومات عن أن وزير الخارجية الأميركي سيشدّد خلاله على ضرورة توسيع التحقيق في الشحنة المضبوطة ليشمل الجهات التي أمرتْ بنقلها ومَصادر تمويلها وسلسلة القيادة لا الاكتفاء بتوقيف ناقليْها.
وأوردت قناة «الجديد» اللبنانية أن الخارجية الأميركية تَعتبر أن مصادَرة الشحنة لا تَكفي «والمطلوب منْع نقل الأسلحة والمتفجرات خارج سلطة الدولة وترجمة تعهدات الحكومة اللبنانية الى خطوات ملموسةٍ تعزز قدراتِ الجيش اللبناني وتكرّس سيادةَ المؤسسات الشرعية، بما قد ينعكس على مسار الدعم الأميركي والدولي».
ووفق هذه المناخاتِ، فإن الجانبَ الأميركي متمسّك بمواصلة المفاوضات بالتوازي مع تعزيز سلطة الدولة، ويشدّد على ضرورة وجود جدول زمني واضح وآلية تَحَقّق تضمن تنفيذ الالتزامات المتبادلة بموجب الاتفاق الإطار الثلاثي.
ويُفترض أن يكون حضر في الاتصال أيضاً ملف الإخبار الذي قُدم بحق السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوّض في قضية اتهامها المزعوم بالاتصال بالسفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة يحيئيل ليتر للاطمئنان على صِحة نجله إثر تعرضه لحادث دهس في إسرائيل، وإذ تم تقديم هذا الإخبار الثلاثاء بينما كانت معوّض في مقر الخارجية الأميركية لبحْث مسألة آلية التحقق من الانسحاب الإسرائيلي وفق إطار المناطق التجريبية وسحب سلاح «حزب الله»، وهي أحد العقبات أمام حسم موعد جولة المفاوضات العسكرية بين بيروت وتل أبيب في تامبا – فلوريدا (مفترضة بين 20 و 22 الجاري)، فإنّ المعلومات عن أن مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم قرر حفظ الإخبار لعدم وجود جرم جزائي يُنتظر أن يكون هدأ من الغضبة الأميركية العارمة التي عبّر عنها متحدّث باسم الخارجية معلناً «مُخْجِلٌ أن تتولّى محكمة عسكرية النظر في شكوى ضدّ السفيرة اللبنانية في واشنطن».
وفي الوقت الذي كانت التداعيات القضائية للإخبار المحفوظ في طريقها الى الاحتواء، فإنّ مفاعيله السياسية والقانونية بدت أبعد من الانحسار وخصوصاً في ظل ملامح «التقاطه» من الولايات المتحدة لمزيد من الدفع نحو ما سبق أن تعهّد بالعمل عليه الرئيس ترامب في ابريل الماضي لجهة إلغاء قانون تجريم التواصل مع إسرائيل (قانون مقاطعة إسرائيل) الصادر العام 1955 في لبنان.
وفي هذا الإطار عُلم في بيروت أن السفير الأميركي ميشال عيسى استقبل عدداً من النواب الذين يمثلون أكثر من كتلة برلمانية لمناقشة إلغاء هذا القانون، رَابطاً استخدامه ذريعة للإخبار الذي قُدّم بحق معوّض، واعتُبر بمثابة تصويب على ملف التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل الذي يفرضه حزب الله بشدة والذي يقوده عملياً الرئيس عون بالتوافق مع رئيس الحكومة نواف سلام وتُعتبر السفيرة في واشنطن مكلَّفة منهما جانباً منه مع فريق التفاوض الذي يترأسه السفير السابق سيمون كرم.
وفي مقابل إطلاق واشنطن دبلوماسيةَ «العين اللصيقة» على سلوك الدولة اللبنانية في ما خص ملفّ شحنة «حزب الله» باعتباره أيضاً من مؤشرات بدء تطبيق حصر السلاح في كل الأراضي اللبنانية وليس فقط جنوب الليطاني، حيث إن الشاحنة ضُبِطت في البقاع بينما كانت تتجه من بعلبك الى الضاحية الجنوبية لبيروت، وسط رصْدِ مآل مشروع المرسوم الذي أعدّه وزير العدل لإحالة هذا الملف على المجلس العدلي في انتظار عرْضه على الحكومة، لم يكن عادياً إعلان حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، عبر وكالة «بلومبرغ» أنّ «المركزي» ألغى هذا الأسبوع الترخيص المحلي لـ «بنك صادرات» أحد أكبر المصارف الإيرانية، معتبراً أن هذه الخطوة التي تأتي وسط اشتدادِ القيود الأميركية على النظام المالي الإيراني، تهدف إلى «إرسال إشارة واضحة إلى الخارج مفادها أننا عازمون على حماية قطاعنا المصرفي من أي جهة قد تشكّل خطراً عليه أو تعرّضه لمخاطر التلوث (المالي)».
وكان «حزب الله» وجّه إشارات إلى تحويل قضية الشاحنة المضبوطة فتيلاً لمواجهةٍ سياسيةٍ داخليةٍ بدت متعددة البُعد وربما… الساحة.
فالنائب حسن فضل الله، الذي أكد أن «الإمكانات في الشاحنة معروفة الاستخدام ضد الاحتلال الإسرائيلي حصراً»، اتّهم «السلطة بالإصرار على استغلال الموضوع من أجل تحقيق مآرب لا تخدم سوى هذا العدو والمتربصين بالبلد»، مذكّراً بأن «قرار 2 مارس (اعتبار الجناح العسكري لحزب الله خارجاً عن القانون) مخالف للدستور والميثاق ولشرعة حقوق الإنسان، وهو بالنسبة إلى شعبنا باطل»، ومعتبراً «أن الحوار الذي يحرص عليه جميع المخلصين للبلد من أجل الاستقرار لا يستقيم مع مثل هذا الأداء بحقِّ مقاومتنا، وإنَّ مَن سارع لاستغلال توقيف السيارة لإحياء ذلك القرار المشؤوم يصر على تعطيل لغة الحوار والتلاقي ومثل هؤلاء لا يأبهون لكلِّ التداعيات والمَخاطر التي لا أحد حينها يعرف أين يصبح البلد».
وذكّر بأن «العبوات الناسفة طالما تحدّث عنها العدو، ويَخشى مفاعيلها، ولطالما كانت أيضاً سلاحاً فعالاً للمقاومة منذ العام 1982، ولكن مسارعة رئيس الحكومة وجوقة أصحاب الرِّهانات الخارجيَّة والمواقف المعلَّبة والمعدَّة سلفاً لوضع ما جرى في سياق التحضير لاغتيالات هي حملة فتنوية تزيد الانقسام بين اللبنانيين».
وما زاد من خطورة الوضع الذي يقف لبنان على حافته، تمادي ايران عبر معاون وزير الخارجية سعيد خطيب زادة الذي يزور بيروت في تحدي الدولة اللبنانية وتظهير «الأمر لي» في قراراتِ الحرب والسلم وسلاح «حزب الله»، ودقّه «النفير» بإزاء أسوا السيناريوات التي دعا للاستعداد لها في المنطقة، على قاعدة أنّ فرص التوصّل إلى تفاهماتٍ بين طهران والولايات المتحدة باتت شبه معدومة، وناعياً جدوى المفاوضات المباشرة بين بيروت وتل أبيب.
وخلال جلسة حوار مع شخصيات سياسية وإعلامية نظّمتها السفارة الإيرانية في لبنان ونقل مضمونها موقع «المدن» اعتبر زادة، أنّ المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل لن تصل إلى نتيجة وإسرائيل تسعى إلى استخدام التفاوض خطوةً تمهيديّة لتوسيع نفوذها وهيمنتها في المنطقة، مؤكداً أنّه «ما دام الاحتلال الإسرائيليّ قائماً في جنوب لبنان، فإنّ المقاومة ستبقى موجودة، وسيظلّ السلاح ضروريّاً».
وإذ برز اليوم الخميس، أن زادة اختار التحدث بالإنكليزية بعد زيارته رئيس البرلمان نبيه بري معلناً «هذا النوع من تبادل الزيارات بين البلدين هو أقلّ ما يمكن توقّعه في إطار العلاقات الثنائية، ليس فقط لتبادل وجهات النظر بل أيضاً لتعزيز التنسيق بيننا على نحو أفضل»، فإنّ المناخات القاتمة التي عبّر عنها ومعه «حزب الله» رفعتْ المخاوف من تَشابُك المَخاطر الخارجية والداخلية في ضوء تهديدات إسرائيل بأن أي وَضْعٍ للبنان في الخندق نفسه مع إيران في حال اندلعت حرب معها سيَعني تهجير مليون شيعي وتوسيع المنطقة الأمنية وصولاً إلى نهر الأولي.
وما زاد الارتيابَ داخلياً الأجواء عن إمكان حصول تحركات في الشارع تحاكي احتجاجات طلاب فرنسا تحت عناوين معيشية. وتَخشى أوساط سياسية أن يتحوّل أي تحركٍ «شعبي» واجهةً لـ «الحفر» تحت أقدام الحكومة والواقع السياسي بخلفيات ملف السلاح والمفاوضات، وتهيئة المسرح اللبناني لمختلف الاحتمالات المتصلة بجبهة إيران، سواء انفجرت أو انفرجت، على قاعدة «كيّ الوعي» الداخلي لجهة أن «حزب الله» لم ينتهِ وتالياً حفْظ أدوات موازنةِ وضعيته العسكرية، ولو ما بقي منها، على مستوى التوازنات المحلية.
