تتمتع قراءات ضغط الدم بهيبة رقمية خاصة في الطب السريري، إذ إنها تعطي رقمين يُقرِّران إن كنت بحاجة إلى دواء يومي مدى الحياة.
وبينما يتسابق الباحثون لابتكار أدوية أكثر دقة وأجهزة أكثر ذكاءً، جاءت دراسة جامعة جونز هوبكنز الأميركية لتُثبت أن المشكلة لم تكن في الجهاز قط، بل في الطريقة التي نُمسك فيها بذراعنا.
وقادت هذه الدراسة المنشورة في مجلة «JAMA Internal Medicine» الدكتورة تامي برادي، من كلية الطب بجامعة جونز هوبكنز، وهي باحثة متخصصة في إدارة ارتفاع ضغط الدم. وصمّم فريقها التجربة بعناية لمحاكاة الظروف الواقعية التي يمر بها المرضى في عيادات الرعاية الأولية المزدحمة، مدركةً أن التجارب المختبرية المثالية كثيراً ما لا تعكس ما يجري فعلياً على أرض المستشفى.
وطلب الفريق من كل مشارك المشي لدقيقتين قبل كل جولة قياس، ثم الجلوس في غرفة هادئة لـ5 دقائق مع دعم الظهر والقدمين على الأرض، وذلك لمحاكاة الظروف القياسية الموصى بها قبل قياس ضغط الدم. ثم أجرى كل مشارك أربع جولات من القياسات الثلاثية المتتالية في ثلاثة أوضاع مختلفة للذراع تعكس ما يُلاحَظ يومياً في العيادات:
• الذراع مُسنَدة على سطح مكتب بارتفاع القلب، وهو الوضع المعياري الصحيح الموصى به.
• الذراع مُستندة على الفخذ بارتفاع أدنى من القلب بعدة سنتيمترات.
• الذراع معلّقة في الهواء من دون إسناد، كما يحدث حين يُمسك المريض بذراعه بيده الأخرى.
وأسفرت النتائج عن فجوة مثيرة للقلق الطبي: مقارنةً بالوضع المعياري الصحيح، يُعطي إسناد الذراع على الفخذ قراءة الانقباضي أعلى بنحو 3.5 مليمتر زئبق والانبساطي بنحو 4 مليمترات زئبق.
وفي حالة تعليق الذراع في الهواء من دون إسناد، ترتفع القراءة الانقباضية بما يقارب 6.5 مليمتر زئبق والانبساطية بنحو 4.5 مليمتر زئبق.
وبحسب المقياس الطبي المُعتمَد لدى «جمعية القلب الأميركية»، فإن هذا الفارق يكفي للقفز بمريض من فئة «ضغط مرتفع طفيف» إلى «مرحلة أولى» أو من «مرحلة أولى» إلى «مرحلة ثانية»، وكل منهما تحمل بروتوكولات علاجية مختلفة وأدوية مختلفة. وفي حالة «مرحلة ثانية»، كثيراً ما يُؤدي التشخيص إلى وصف مزيج من أدوية ضغط الدم فوراً.
ويمتد أثر هذا الخطأ في الاتجاه المعاكس أيضاً، فمريض ذو ضغط مرتفع حقيقي قد يبدو بوضع ذراعه على الفخذ أن ضغطه لايزال في حدود «المرتفع الطفيف»، فيُحرَم من العلاج الذي يحتاجه فعلاً.
وأوضح التقرير التفسير الفيزيولوجي وراء هذه الفجوة، فحين تستند الذراع على سطح مُرتفع بمستوى القلب، تُتعادل الضغوط الهيدروستاتيكية على طول الشريان، فتُعطي الأداة قراءة دقيقة تعكس ضغط الدم عند القلب.
أما حين تنخفض الذراع عن مستوى القلب، فإن الجاذبية تستلزم ضغطاً أعلى لدفع الدم نحو الأعلى، فيرصد الجهاز هذا الضغط الإضافي الناتج عن الموضع الجسدي لا عن الحالة القلبية الوعائية.
وأشارت الباحثة شيري ليو إلى أن فارقاً ثابتاً في القراءة قدره 6.5 مليمتر زئبق انقباضياً من شأنه أن يُحوِّل ضغطاً قدره 123 مليمتراً زئبقياً إلى 130، وهو الحد الفاصل تماماً بين فئتَين تشخيصيتَين ذواتَي ثقل علاجي مغاير. واللافت أن هذا النمط تحقّق في جميع الفئات العمرية ولدى الأشخاص بمختلف مستويات مؤشر كتلة الجسم، سواء المصابين بارتفاع ضغط الدم مسبقاً أو غير المصابين.
وتخطط الدكتورة برادي، وفريقها لاختبار ما إذا كانت تذكيرة بسيطة على شاشة جهاز القياس تحثّ الممرض على إسناد الذراع على الطاولة كافيةً لتصحيح هذا الخطأ المنهجي في عيادات الرعاية الأولية. كما يُخططون لدراسة ما إذا كانت أجهزة قياس المعصم المزوَّدة بمستشعرات موضع داخلية قادرة على الحدّ من هذا التشويه بصورة تلقائية.
وعلى صعيد القياس المنزلي، يُنبّه التقرير إلى أن ملايين يقيسون ضغط دمهم في المنزل لكن كثيراً من الطاولات المنزلية أقصر من مستوى القلب المطلوب. ويُمكن التغلب على ذلك بوضع وسادة أسفل الكوع أو اختيار سطح أعلى.
كذلك يُلفت إلى أن حجم سوارة الجهاز يُشكّل عاملاً إضافياً، إذ يمكن للسوارات الضيقة أن ترفع القراءة بين 5-10 مليمترات زئبق، وهذا يُشكّل مشكلة موثّقة تمسّ نحو 12 في المئة من الأميركيين ذوي الأصول الأفريقية الذين يمتلكون قياسات أكبر لمحيط الذراع.
